حافية على جسر عشقي ج7
السابع والعشرون:
أغلق باب الشقة خلفه ليطالع الظلام الكاحل بالشقة، سار بخطواتٍ واهنة نحو غرفتهم، حاملاً ثقلٍ على عاتقيه لا يزيحهما سواها، ولأنها لم تخرج من غرفتهم ما يُقارب اليومان ولا يراها تقريباً سوى مرتان باليوم أصبح مشوشاً وكأنه تائه لا يعلم طريقه، جلس على الأريكة بذلك الظلام الموّحش واضعاً رأسه بين كفيه منحنياً للأمام، لا تفعل شئ سوى أنها تخرج من غرفتهم وتُعد الطعام لهم ثم تدلف مرة أخرى معتكفة على الفراش، ولا يفهم سبب ما يحدث، عندما ينام جوارها يسمع أحياناً همهمات بكائها معتقدة أنه غفى ولن يسمعها، لا تعلم أنه لا ينام بالأساس وهي بتلك الحالة، ولأنه “ريان” متبلد القلب لا يسألها عما يضايقها، لا يتحدث معها معتقداً أنها ستعود لطبيعتها قريباً، فهو يعلم طبيعة النساء الحزن والكآبة تغلب عليهم دائماً، ولكن اليوم عندما لم تأكل شئ أزداد قلقه عليها، حتى “عمر” لم تتحدث معه سوى القليل، وعند تلك النقطة نفذ صبره حقاً، لينهض ملقياً ببذلته بعنف على الأرضية، أقتحم الغرفة ليجدها مظلمة كالعادة، أشعل الأنوار ليجدها كما هي نائمة على الفراش لا يظهر منها شئ، أقترب منها ولم تُخفي عليه رعشة جسدها، ليزداد غضبة أضعافاً، فهي تظنه أبله لا يعلم أنها مستيقظة، أمسك بطرف الغطاء ليجذبه ملقياً به على للأرض و هو يصرخ بصوتٍ جهوري زلزل الجدران:
– قومي وكلميني!!!!
نظر لجسدها الضئيل والمتكور كالجنين، أهدابها التي ترتجف بخوفٍ وجفونها المسبلة تتحرك بتوتر لم تستطيع السيطرة عليه، ليزمجر بعنف ثم أمسك رسغها ليجعلها تنهض يبصق كلماته في وجهها بحدة:
– عمّال بقول سببها براحتها يمكن زعلانه من حاجة ومش عايزة تقول، دلع بنات و هيروح، بشوفك بالعافية ولما برجع من الشغل بتعملي نفسك نايمة عشان متتكلميش معايا، وبعد م تحِسي أني نمت بتعيطي وفاكراني مش هسمعك، أنتِ عايزة أيه يا هنا؟! بلاش تهربي زي الأطفال وقوليلي عايزة أيه!!!!
أمتلئت عيناها بالدموع عندما صرخ بوجهها في آخر جملته و قسوة كلماته تجسدت على هيئة خنجر غُرز بمنتصف قلبها، و عند كل كلمة تخرج من ثغره كان يهز جسدها بعنف ضاغطاً بقسوة على كتفيها، صدرت شهقات خافته منها تُنذر ببكاء حارق ستبكيه الأن، وهي التي كانت تعتقد أنه سيكون رئيفاً بها و سيسألها بهدوء عما يؤرقها، ولكن ليس زوجها من يفعل هذا أبداً، بالطبع لن يتخلى عن غروره ويسألها عما يُحزنها، أرتخى جسدها رويداً وهي تبكي بحرقة ورأسها متدلية تنظر للأرض التي لم تضح رؤيتها بسبب عيناها المبللة بالدموع، بينما أرخى هو قبضتيه عن كتفيها و بكائها جعله يتمنى لو أن يأخذ حزنها بأكمله ويضعه بقلبه هو، هو يعلم أنها لن تقول ما يُضايقها، فـ “هنا” لا تستطيع أن تعبر عما بداخلها أبداً، عيناها تفيض بالحنان والحب ولكنها لا تعترف، و هو الأن يرى حزناً ليس له مثيل داخل حدقتيها، أغمض عيناه يحاول تهدأة نفسه حتى لا يتهور، يقنع نفسه بأنها لن تقول شئ بصراخه عليه، بجب أن يتمهل ويتعامل معها كـ صغيره “عمر” عندما يحزن، حاوط كتفيها برقة ليضمها له ملصقاها به يربت على خصلاتها قائلاً بصوتٍ هادئ يعاكس ما حدث قبل دقيقتين، لتستند هي برأسها على صدره مغمضة عيناها وقد بدأت شهقاتها بالإنخفاض تدريجياً للمساته الحانية، لتسمعه يهمس بصوتٍ مُحمل بالقلق:
– قوليلي أيه اللي مزعلك طيب وانا هحل الموضوع!!!!