حان الوصال ج9
قالت الأخيرة بمسكنة لتثير التعاطف نحوها، فرد الآخر بحزن مصطنع، يشتكي من حظه البائس في الزواج من امرأة صعيدية بعد عودته من الغربة، والتي استولت على نصف أمواله.
انتي كمان، وانا اللي كنت فاكر ان انا بس المتعوس في الدنيا دي، هو كدة الحظ مبيمشيش غير مع الوحشين، اما احنا، فلنا الله .
ونعم بالله عندك حق يا صلاح باشا
علم كارم بنجاح المهمة بعد أن ألقى الطُّعم، فالتقطته هي بترحاب شديد. التزم الصمت، متابعًا الحديث بين الاثنين، اللذين يتشابهان في الصفات ويتقنان دور الضحية للحصول على مبتغاهما. يبدو أنه سيحظى بتوفيق كبير في الجمع بين رأسين في الحلال.
❈-❈-❈
في مدخل منزلهم، كانت تقطع الأرض ذهابًا وإيابًا دون توقف، تنتظر قدومه بعد أن أرسلت في طلبه منذ لحظات. خرجت من المنزل هائمة على وجهها، لا تطيقه ولا تطيق أي شيء يذكرها بخيبتها. منذ أن رأت دعوة عرس بهجة، اشتعلت نيران صدرها، ولن تهدأ إلا عندما يبرد قلبها بما هو أفخم وأعلى.
خير يا سامية، بعتِ لي في إيه؟
هتف طلال بهذه الكلمات فور أن وطأت قدماه داخل البناية، وقد تسرب إليه القلق من وقفتها تلك، وكأن شيئًا ما قد حدث.
أمك حصل لها حاجة ولا حد من إخواتك؟
تحمحت تُجلي حلقها، متظاهرة بالمزاح في ردها:
جرى إيه يا طلال؟ هو أنا معوّزاكش غير في المصايب؟ ما ينفعش يعني أبقى عايزاك في طلب يخصني؟
لمس في نبرتها الأخيرة لمحة من دلال استغربها منها، فحثها على المواصلة قائلًا بجدية:
يا ستي، إنتِ تؤمريني. قولي اللي عايزاه يا سامية.
تشجعت لتزيد من جرعة الدلال:
في الحقيقة، هو مش طلب واحد، هما كذا طلب، وأنا عشمانة في كرمك يا طُلولتي، ما تكسفنيش.
ضحك ساخرًا، ثم تحرك من أمامها ليجلس على أول درجات السلم المؤدي إلى منزلهم. أخرج علبة سجائره من جيب بنطاله، وسحب واحدة منها، مرددًا خلفها.
طُلولتك كمان! لا، ده شكل الموضوع كبير فعلًا. قولي يا غالية على الكام طلب دول، إحنا أكيد قدها.
سحبت شهيقًا عميقًا لتجمع شجاعتها، ثم بدأت في طرح مطلبها، أو بالأحرى مطالبها.
❈-❈-❈
نفث دخان سيجارته في الهواء، وبهدوئه المريب تابع يستدرجها:
آه، وإيه تاني كمان غير الفستان اللي عايزاه من أغلى محل فيكي يا جمهورية؟
لو كانت في حالتها الطبيعية لكانت علمت أن هذا الصمت لا يعني الخير، ولكن ذهنها المضطرب صور لها رضوخه وموافقته، فاندفعت أحلامها إلى أبعد مدى، لتصل إلى ما لا يقل عن بهجه، فبدأت تعدّ على أصابعها كل ما يتبادر إلى ذهنها.
“الشبكة يا طلال، هنغير الدهب كله. إيه داعي للغوايش والشغل البلدي ده؟ والألماس برقبته. يبقى هنغير الشبكة لألماس، والفرح هنأجر قصر من بتوع الباشوات ونعمل ليلتنا فيه. سكّ على حجز القاعة والكلام الفاضي. وأنت…”
توقفت، تتأمله من رأسه إلى قدميه بتفحص وتمعن، مما أشعل في نفسه غضبًا شديدًا، فهو يعلم تمامًا ما يدور في رأسها من مقارنات مجحفه في حقه.