طُعم بيد أليفة ج3
بعد عدة ساعات…
جلست خديجة أمام المرآة، تحدق في انعكاسها بصمت، وكأنها لا تزال عاجزة عن تصديق أن تلك الليلة التي انتظرتها قد جاءت أخيرًا.
نظرت على الفراش أمامها، كان الفستان البسيط الذي أرسله ، وإلى جواره بطاقة صغيرة بخط يده.
مدت أصابعها إليها، وراحت تمرر أناملها فوق الكلمات، تتلمس الحروف كأنها تلمس يده.
«ده تلبسيه، وهجيلك بعد ساعتين، والمأذون معايا… اتناشر سنة وأنا مستني ليلة زي دي. حبيبك… فارس أحلام رحمانك.»
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، خجولة، سرعان ما غلبتها دمعة حائرة.
اثنا عشر عامًا…
معقول اثنا عشر عامًا كان قلبه يحتفظ باسمها
وها هو الآن يكتب لها: حبيبك.
طرق الباب، ثم دلفت حنان دون انتظار.
– يا ولاد بلدنا يوم الخميس… هكتب كتابي وأبقى عريس!
رفعت خديجة عينيها إليها بضيق.
– بطلي دوشة وتعالي ظبطيلي الحجاب.
اقتربت حنان، ثم ضيقت عينيها وهي تتفحصها.
– فين يا بت الروج؟ يخربيتك! عايزة بودي ياخد أول قبلة وهو يقول «أمواه» من غير ما يتعوص!
لكزتها خديجة في ذراعها.
– بطلي قلة أدب ياختي!
قهقهت حنان.
– قلة أدب إيه يا عينيا؟ ليه؟ متجوزك ويحكي لك حكاية شهريار؟
– حنان!
– قلب نونة إنتِ… أكتر من الولا بودي ده.
تنهدت خديجة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة.
– خلصيني يا حنان… أنا عايزة الليلة تعدي. كلمني وقال إن ماسة هتيجي.
جلست حنان على طرف الفراش، وألقت حقيبتها جانبًا، ثم أمسكت بمستحضرات التجميل.
– مادام فيها ماسة… يبقى لازم أخليكي لؤلؤ يا بت.
رفعت خديجة كفيها في استسلام.
– حنان، لو سمحتي.
– والله ما يحصل. لازم أخليكي لؤلؤ.
– حنان!
– يارب تعدميني لو منعتيني!
وبعد وقت، وقفت حنان أمامها تتأمل ما صنعته، ثم ابتسمت.
– شوفي كده.
رفعت خديجة عينيها إلى المرآة.
توقفت أنفاسها للحظة.
– معقول… أنا دي؟
احتضنت حنان كتفيها من الخلف.
– زي القمر يا حبيبتي. ربنا يسعدك يا رب.
انطفأت الابتسامة سريعًا.
– أنا والسعادة ما نعرفش بعض.
نظرت حنان إلى عينيها مباشرة.
– مادام فيه عبدالرحمن… فيه سعادة يا خديجة.
ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة.
– متعشمينيش أوي يا حنان.
بعد وصول حسناء وعمر وماسة، خرجت خديجة من الغرفة برفقة حنان.
نهض عبدالرحمن من مكانه فور رؤيتها.
تعلقت عيناه بها.
للحظة، نسي كل من حوله.
كل السنوات التي انتظرها، كل الخلافات، كل الألم… اختُصرت أمامه في امرأة تخطو نحوه باستحياء، ترتدي الفستان الذي اختاره لها بنفسه.
لكنها لم تنظر إليه طويلًا.
توقفت عيناها عند ماسة.
فستان أحمر ناري، خصلات شقراء مصففة بعناية، وزينة كاملة جعلتها تبدو كأنها جاءت لتثبت شيئًا للجميع.
تجمدت خديجة للحظة.
ثم رفعت عينيها إلى عبدالرحمن.
كان ينظر إليها.
اقتربت ماسة بعدما أشار إليها عبدالرحمن.
قال بهدوء:
– ماسة… خديجة حاطة شرط إنك تكوني موافقة على الجواز.
ابتسمت ماسة ابتسامة هادئة، ثم قالت:
– موافقة يا خديجة.
تعلقت عيناها بعبدالرحمن.
– أهم حاجة عندي عبدالرحمن يبقى مبسوط… مش كده؟
أومأ عبدالرحمن.
ثم أحاط كتفها بذراعه، وطبع قبلة على رأسها.
اشتعل شيء في صدر خديجة.. لم تكن غيرة عابرة…كانت نارًا كاملة.
نظرت إلى يده التي تحيط بكتف ماسة، وشعرت وكأنها تعلن أمام الجميع أنها ما زالت تقف في مكانها.
شدت أصابعها ببعضها حتى ابيضت مفاصلها.
أما عبدالرحمن، فمال نحو ماسة وهمس:
– اقعدي جنب ماما.
ابتعدت ماسة، بينما اتجه هو إلى خديجة.
توقف أمامها.
– أظن كل اللي طلبتيه نفذته.
رفعت عينيها إليه ببرود موجوع.
– ممكن نخلص من الليلة الزفت دي؟
تصلبت ملامحه.
اقترب منها حتى أصبح صوته لا يصل إلا إليها.
– كلمة كمان… وهقطع لسانك بطريقتي.