طُعم بيد أليفة ج3
بعد قليل، وصلت إلى منزل شقيقها.
طرقت الباب طرقاتٍ عنيفة متلاحقة، حتى فتحت الخادمة، فما إن رأتها حتى دفعتها خديجة جانبًا ودلفت إلى الداخل دون استئذان، كأنها لم تعد ترى أمامها سوى غضبٍ أعمى يسوقها.
توقفت للحظة حين وقعت عيناها على جيهان، الجالسة في هدوء أمام سيدة التجميل، وقد مدت قدميها لتُجري جلسة بيديكير
ارتسمت على شفتي خديجة ابتسامة ساخرة موجوعة.
– الله يرحم أبوكي… كان بيبات من غير عشا.
رفعت جيهان عينيها إليها ببطء، ثم أشارت إلى سيدة التجميل أن تغادر. نهضت بعدها، ومسحت يديها في ثوبها وهي ترمق خديجة باستخفاف.
– مالك يا بت؟ كنتِ عايشة احسن من عيشتك يا حلوة.
لم تمنحها خديجة فرصة لتكمل.
اندفعت نحوها، دفعتها بقوة حتى ارتطم ظهرها بالجدار، ثم قبضت على خصلات شعرها، وصاحت من بين أسنانها:
– أمي… لأ يا جيهان! أمي خط أحمر. ممكن أعدّي لكِ أي حاجة، أبلع أي إهانة، وأسكّت عن حاجات كتير… إنما أمي؟! أحرقك إنتِ وعبدالرحمن مع بعض، ومتفكروش إنكم لما تتفقوا عليّا هركع لكم!
دفعتها مرة أخرى، ثم أفلتت شعرها بعنف، وصوتها يرتجف من القهر أكثر مما يرتجف من الغضب.
– العز اللي إنتِ عايشة فيه ده… تمنه عذابي! تمنه سنين أنا اللي دفعت تمنها لوحدي، وأنا اللي اتكسرت فيها! بس خلاص… زمان كنت ضعيفة، إنما دلوقتي، أنا أقوى مما تتخيلي.
ضحكت جيهان ضحكة قصيرة باردة، وكأن كلماتها لم تزعجها، بل منحتها فرصة جديدة للطعن.
– آه… قوية علشان رجوع حبيب القلب، مش كده؟
توقفت خديجة.
اقتربت جيهان منها، وعيناها تلمعان بالشماتة.
– بس يا حرام… حبيب القلب متجوز. يعني عمره ما هيفكر فيكي، ولا عمره هيقرب منك. زمان قدرت أبعدكم عن بعض، ودلوقتي أقدر أعمل فيكي اللي أنا عايزاه حتى وهو موجود… ومتفتكريش إنه يقدر يمنعني.
ثم مالت نحوها وهمست بسمٍّ واضح:
– هاخد أمك منك وأذلك بيها كمان. ومستنية أشوف قوتك يا قوية.
تراجعت خطوة، ثم أردفت بابتسامة جارحة:
– ومتفرحيش أوي برجوع حبيب القلب… لأنه مش شايفك أصلًا. ده متجوز ملكة جمال.
سقطت الكلمات على خديجة كصفعةٍ أقسى من كل ما سبق.
تجمدت في مكانها.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وارتعشت عيناها وهي تحدق في جيهان، كأن عقلها يرفض أن يستوعب ما سمعه قلبها.
– يعني… عبدالرحمن ما اتفقش معاها؟
خرج صوتها خافتًا مكسورًا.
– يعني كل ده… صدفة؟
رفعت خديجة حاجبها، ثم أشارت إليها بتهديد.
– طيب… قربي وشوفي بنفسك.
استدارت خديجة وخرجت، لكن صوت جيهان أوقفها:
– خديجة!
توقفت دون أن تلتفت.
– لمي هدوم أمك يا حلوة… واعذريني، أنا مضطرة أجيب لها حفاضات، أصل أنا ماليش روح أخدمها. ولو خايفة عليها أوي… تعالي اخدميها بنفسك.
استدارت خديجة إليها، وعيناها ممتلئتان بدموعٍ حارقة، ثم بصقت أمام قدميها باحتقار.
ولم تقل شيئًا..
خرجت من المنزل بخطواتٍ مترنحة، كأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
لم تسمح لدموعها بالسقوط أمام جيهان، لكن ما إن ابتعدت عن المنزل حتى انهار كل شيء.
تسير في الشوارع بلا وجهة، ورغم أن الناس من حولها يتحركون، والأصوات تتعالى… بينما هي في عالم آخر، عالمٍ لا تسمع فيه سوى صوت أخيها في ذاكرتها، وصوت جيهان وهي تهددها بأمها.
توقفت فجأة.
رفعت عينيها إلى السماء، وانفجرت دموعها.
– إزاي أخويا؟
خرجت منها كأنها تستنجد بإجابة.
– إزاي تعمل فيا كده؟
ثم خفضت رأسها، وراحت تمسح دموعها بيد مرتجفة، تتجول عيناها في الطريق بضياع.. كأنها تبحث عن احدًا يحميها، ولكنها لم تجد أحدًا.
أخرجت هاتفها.
ظلت تحدق في الشاشة طويلًا.
كان اسمه أمامها.. الاسم الذي حفظه قلبها قبل أن يحفظه عقلها.
ارتجفت أصابعها فوقه، وترددت لحظات… ثم ضغطت اتصال.
رن الهاتف.. مرة.. ثم ثانية. ثم ثالثة.
كل رنة كانت تنتزع من قلبها شيئًا.
وأخيرًا…أجاب.
جاءها صوته هادئًا، كأنه لا يعرف أن امرأة على الطرف الآخر تقف وحيدة في منتصف الطريق، تحمل قلبًا محطمًا بين ضلوعها..
– ألو؟
صمتت.. ثم جاء صوته مرة أخرى:
– أيوه يا خديجة؟
ابتلعت غصتها.
– موافقة.
ساد الصمت.
– قولتي إيه؟
انسابت دمعة ساخنة على خدها.
– موافقة.
– موافقة على إيه؟
أغمضت عينيها، وكأنها تُلقي بنفسها من أعلى مكانٍ تعرف أنه سيؤلمها، لكنها لم تعد تملك مكانًا آخر تهرب إليه.
– موافقة أتجوزك يا عبدالرحمن.
ارتجف صوتها في آخر كلمة.
– هات المأذون وتعالى… دلوقتي.
نظر عبدالرحمن إلى ساعته، ثم قال بهدوء حاول أن يخفي خلفه اضطراب قلبه:
– بعد العشا يا خديجة.
أغمضت عينيها، ثم قالت:
– عندي شرط.
– شرطك مش مقبول.
توقفت أنفاسها.
ثم جاء صوته حاسمًا:
– جوازنا هيكون كامل.
ضحكت ضحكة موجوعة
– مراتك تيجي لعندي…
سكتت لحظة، وكأنها تجمع ما تبقى من كرامتها.
– وتكون راضية عن جوازنا.
ثم أضافت بصوتٍ خافت، لكنه كان أشد من أي صراخ:
– ده شرطي الوحيد يا عبدالرحمن… غير كده، تنسى.
