حتى أرى بسمة تمردك ج1

*****************************************************************************
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف”عز الدين”إلي الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل إفتتاح إحدي فروع مجموعة شركاته ..
أسرع”عز الدين”إلي غرفته ثم دلف إلي الحمام مباشرة بعدما خلع سترته و فك ربطة عنقه و الأزرار الثلاث العليا من قميصه بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات ، ثم فتح صنبور المياه أخذا بكفه بعض القطرات الساخنة و مسح بها علي وجهه و شعره .. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفهه يتعالي بنغمته الصاخبة ، تجاهله للحظات إلي أن ينتهي حتي إنقطع تماما فعاد إلي الغرفة لامع البشرة و لا يزال شعره مبللا ..
وضع المنشفة علي ظهر الكرسي ثم شرع بلبس ساعة يده ثم إتجه نحو هاتفهه ليجد شقيقه يعاود الإتصال مرة أخري فأجاب بصوت حازم قوي:
-اهلا يا باشا .. اخيرا حنيت علينا !
ثم سأله بصوت أجش:
-كنت فين يا عمر ؟؟
فأجاب شقيقه ببرود و ضجر:
-ايه يا عز مالك ؟.. ما تهدي عليا كده في ايه ؟؟
-و الله ! .. مش عارف في ايه يا استاذ ؟.. بكلمك بقالي يومين و حضرتك يا إما قافل موبايلك أو مابتردش .. و الهانم اختك فين هي كمان ؟ بقي دي تعليماتي اللي قلت عليها تتنفذ في غيابي ؟ يعني لما احب اطمن علي سيادتكوا اتصرف ازاي مثلا ؟ .. ما ترد ياخويا ساكت ليه ؟؟
-يوووه يا عز و انا مالي انا يا اخي متعصب عليا انا ليه ؟ ماتكلمها هي و تطمن عليها ماتركزش معايا انا بقي مابقتش طفل يعني.
-تصدق انك بني ادم عديم الفايدة و المسؤولية .. و رحمة ابوك لما ارجعلك .. هظبتك يا عمر.
-ايه هظبتك دي شايفني اريال و بعد …
و قبل أن ينبس بحرف أخر أغلق الخط بوجهه و هو يسب و يلعن و يتوعد له فيما كان يبحث عن رقم شقيقته بقائمة الإتصالات حتي وجده ..
فأجري الإتصال بها .. ليأتي صوتها بعد لحظات:
-الووو.
قالتها بغنج و قد بدا علي صوتها أثار النعاس فأعادها صوت أخيها الغاضب إلي رشدها:
-مساء الخير يا هانم .. و لا نقول صباح الخير بما ان حضرتك لسا نايمة لحد دلوقتي ؟؟
أجابته متعلثمة:
-أاا .. ع عع عز عز الدين .. صصباح الخير يا حبيبي ازيك؟؟
-صباح الخير ! .. احنا بقينا العصر يا حبيبتي .. و الله دي بقت حاجة كويسة خالص يا ست عبير .. اغيب عن البيت كام يوم فتاخدي راحتك اوي كده انتي و البيه التاني .. ماشي.
لفظ أخر كلماته بتوعد فبدا التوتر علي صوت شقيقته:
-يا عز اهدي بس مافيش حاجة حصلت تستاهل كل ده.
-لما ارجع اكيد هاشوفلي حل معاكوا .. سلام يا هانم و ماتنسيش تكملي نومك.
قال كلماته الأخيرة ساخرا و هو يغلق الخط بوجهها ثم إستلقي علي الفراش بثقله واضعا يديه خلف رأسه ثم أغمض عيناه بكسل و إرهاق ليقفظ الماضي كله أمام عينيه ، ليمر كل ما حدث بحياته في ومضات سريعة بمخيلته .. هجر أمه ، وفاة أبيه ، نضوجه المبكر ، و كل شيء .. منذ ستة عشر عام عندما رحلت عنهم والدته النجمة السينيمائية “كاميليا فهمي”و تركت المنزل الزوجي بعدما تعرفت إلي رجلا ذا قيمة في عالم السينيما صانع أفلام .. فأسلمته نفسها من أجل تحقيق الشهرة و لم تكتفي بل و ذهبت معه ضاربة بمصير أبنائها الثلاث عرض الحائط
فكان جزائها هو الطلاق من زوجها والد أبنائها”فريد نصار” .. كان “عز الدين”في السادسة عشر عندما إنفصلا والديه و كان له شقيق يصغره بخمس سنوات و شقيقة أخري كانت طفلة وقتما ذهبت أمهم من حياتهم بلا رجعة فيما كانت تسعي إلي الشهرة و إثارة دهشة الرجال متكئة بذلك علي جمالها الأخاذ و الذي هو كل ما تملكه ميراثها الوحيد ..
و لم يمر وقت طويل أيضا حتي توفي”فريد نصار” .. فكان نصيب”عز الدين”بإعتباره الوريث الأكبر أن يظل إلي جانب أشقائه يرعاهم و يستكمل مسيرة والده في العمل مما جعله ينضجسرع مما يجب .. و حتي الأن لم يغفر لأمه فعلتها رغم توسلاتها و مراسلاتها المتواصلة بالسماح لها برؤيته و أشقائه ، لم يغفر لها أبدا بل يمقتها و يرفضها ، يكن لها كره عظيم و كأنه لم يولد من رحمها .. بسببها أصبح يمقت إلي جانبها كل أصناف النساء ، إن كل ذرة من كيانه ترفض العطف علي أي أنثي
أصبح مستبد قاس للغاية .. من جهته يعتقد أن النساء يستخدمن جمالهن لإدارة الرجال حسب أهوائهن كما فعلت أمه ، فإمرأة جميلة مثلها قادرة علي تحويل رجل جبار إلي صبي بلا إرادة .. لذا إنعدمت ثقته في النساء و لكن حياته لم تكن خالية من وجودهن فيها طوال هذه السنوات فهو بلغ منذ أشهر إثنان و ثلاثون عاما .. و لكنه مفرط الذكاء ، بالطبع أنه يتمتع بصحبتهن كثيرا في بعض الأحيان إلا أنه لا يستسلم لأية إمرأة بل إنه يبتسم لهن بإزدراء بعينيه الذهبتين البراقتين ما أن ينتهي منهن ثم يدير ظهره و يرحل ..
هو لا يحب النساء .. بل يمتع نفسه بهن عندما يحلو له ، فهو ذو براعة مشهورة في إصطيادهن و لكنه لا يحترمهن أبدا متذكرا دائما أمه اللعوب و الجذابه إلي حد كبير التي تخلت عن زوجها و أبنائها من أجل أغراض وضيعة
افاق من شروده حينما سمع طرق عنيف علي باب غرفته ، قفز من موضعه بغضب و خطي بعصبية نحو الباب حتي وصل إليه و جذب مقبض الباب بقوة ليزداد غضبا عندما وقف وجها لوجه أمام”خالد”إبن عمه ..
-ايه يا عز انت كنت نايم و لا ايه ؟ هو ده ينفع بردو انت مش عارف ان ورانا طيارة بعد ساعتين؟؟
قال ذلك و هو يتمطي بتعب و كأنه كان واقفا هناك منذ مدة طويلة بينما رمقه”عز الدين”بغيظ ثم قال بحنق:
-عارف لو كان حد غيرك خبط عليا بالطريقة دي كنت عملت فيه ايه ؟ .. فزعتني يا بني ادم.
ثم إستدار و عاد إلي الغرفة تتآكله عصبيته ، ببنما أغلق”خالد”الباب و تبعه إلي الداخل قائلا:
-مالك يا عز الدين ؟.. عصبي كده ليه في حاجة حصلت ؟؟
ألقي”عز الدين”بنفسه فوق الأريكة بتعب ثم تنهد بثقل و هو ينظر إليه قائلا:
-تعبان .. تعبان يا خالد و اخواتي تعبني اكتر مش عارف اعمل معاهم ايه ؟؟
جلس”خالد”بجانبه ثم سأله بلطف:
-مالهم بس ؟ مضايقينك في ايه ؟؟
-البيه .. الباشا .. المحروس.
-مين ده ؟ عمر ؟؟
-هو في غيره !
-ماله طيب ؟؟
-الدكتور بتاعه اللي في الجامعة اتصل بيا من شوية و بلغني بخبر رفده من الكلية.
-يا نهار اسود .. اترفد ! ليه عمل ايه ؟؟
-اتعرض لبنت في الجامعة و ضرب شلة صايعة كمان و لما جه الأمن يتدخل مسك فيهم هما كمان و نزل في واحد منهم ضرب لحد ما كان هيخلص في إيده .. عملي فتوة حضرته.
قال جملته الأخير بإنفعال غاضب فهدئه”خالد”قائلا:
-طيب بس بس اهدا .. اهدا كلها كام ساعة و هنرجع مصر .. المهم انت كلمته يعني ؟؟
-اه كلمته من شوية بس ماقولتلوش اني عرفت حاجة.
صمت لثوان ثم تابع بتوعد:
-و رحمة ابويا لهفرجه .. مش هسيبه و لو فضل علي كده و ديني لكون طرده من البيت و مالوش عندي حاجة و يبقي يوريني شطارته.
-خلاص بقي يا عز قلتلك اهدا و هنتصرف معاه
ثم تابع متسائلا:
-هو ده بقي كل اللي مضايقك ؟ حوار عمر ؟؟
إبتسم بسخرية ثم قال:
-و هو مافيش غيره بيغلط ؟ .. و الهانم الصغيرة.
-عبير ! .. عملت ايه هي كمان ؟؟
حدق”عز الدين”به في غضب ثم قال:
-ما هو حضرتك لو راجل ..
قاطعه”خالد”مسرعا:
-ال ال ال طب ليه الغلط ده بس ؟؟
-بس اسكت خالص شكلي كنت غلطان لما وافقت علي خطوبتكوا.
-ليه بس انا عملت ايه طيب ؟؟
تنهد”عز الدين”بضيق ثم قال:
-شوف يا خالد .. انا لما وافقت اجوزك اختي مافكرتش الا في حاجة واحدة بس.
فسأله”خالد”بإصغاء:
-ايه هي دي ؟؟
-اولا انت ابن عمها يعني هتحافظ عليها و عمرك ما هتفرط فيها.
-و ثانيا ؟؟
-ثانيا بقي عشان انا خلاص تعبت من و هي طفلة لحد انهاردة شايل همها و كل يوم بيزيد قلقي عليها الشغل باعدني عنها و مش عارف اتابعها كويس لا عارف هي بتقضي نهارها ازاي و لا حتي ليلها ازاي و سبع البرومبة اللي معاها في البيت بني ادم عديم المسؤولية و مابعتمدش عليه في حاجة .. كنت فاكرك انت بقي اللي ممكن تشيل عني حملها شوية بس واضح اني كنت غلطان.
-يا عز بتقول كده ليه بس ؟ ربنا يعلم انا بحبها و بخاف عليها اد ايه و انت شخصيا عارف انا بحب عبير ازاي .. بس اختك راسها ناشفة و عنيدة و انا لو شديت عليها هتزعل مني و انا مابحبش ازعلها فبسيبها براحتها و اهو كلها سنة تخلص كليتها و هنتجوز و هتكون من وقتها يا سيدي مسؤوليتي انا لوحدي.
-انت حمار يا خالد ! .. ايه اللي انت بتقوله ده ؟ .. ايه راسها ناشفة و مابحبش ازعلها و بسيبها براحتها دي ؟ انت مش راجل يابني و لا ايه ؟!
-لأ راجل طبعا.
-مش باين .. شوق مش انا اخوها ؟.. انا بقي بقولك شد عليها براحتك انشالله تعقدها في عيشتها احسن ما تبوظ مننا و هي مدلعة و انت عارف و والله دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية و انا بقولك نا بعمل اللي عليا و بحافظلها علي فلوسها هي و الافندي التاني فمش هتكون غلطتي نهائي لو حصلها حاجة هتبقي انت و هي المسؤولين قدامي.
إندفع الكلام من فم”خالد”بعصبية فقال:
-ليه يعني كل ده يا عز ؟ .. اختك متربية علي فكرة و كل اللي انت بتفكر فيه ده مالوش وجود الا في دماغك و بس .. و كل ده بسبب عقدتك القديمة بس لازم تفهم يا عز الدين عبير مش طنط كاميليا سامع ؟؟
كان وجه “عز الدين”متجهم هادئ بينما كان يتأجج غضبا في صمت بداخله فيما إنتبه”خالد”إلي ما قاله فكبت إنفعاله و قد صدمته أقواله فأسرع يعتذر منه حيث قال بلطف مرتبك:
-أاا .. أنا .. أنا اسف يا عز .. ماكنش قصدي اقول اي حاجة من دي بس ..
قاطعه”عز الدين”في حزم بحركة من يده ثم قال:
-بتعتذر علي ايه ؟.. ماتعتذرش خالص انت ماقولتش حاجة غلط .. كلامك كله صخ و الناس كلها لسا فاكرة فضيحتنا.
ثم صمت قليلا و تابع بعنف شرس:
-اد ايه بلوم بابا انه طلقها و بس .. لو ماكنتش صغير وقتها كنت اتصرفت انا و عملت اللي كان لازم يتعمل.
لانت نبرة”خالد”كثيرا و هو يحدثه:
-انا مقدر صدمتك يا عز .. و عارف انها لسا معلمة جواك و هتفضل معلمة .. لكن ده مش مبرر يخليك شكاك اوي كده.
ساد الصمت قليلا فقطعه”خالد”:
-طيب .. انا نازل اعمل check out و هستتاك تحت في اللوبي متتأخرش بقي.
أومأ”عز الدين”رأسه في هدوء و هو يحدق أمامه في اللاشيء بينما غادر”خالد”الغرفة تاركا أياه وحده مع ظنونه و أفكاره .. !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *