حتى أرى بسمة تمردك ج1

****************************************************************

في صباح اليوم التالي جلست”داليا”تتناول الفطور مع شقيقتها علي طاولة تتوسط المطبخ ، كانت علامات الحزن و الخذلان و الضيق عالقة بمحياها و كانت”ياسمين”تسترق النظر إليها بحزن بين الحين و الأخر ..
ثم فجأة تعالي صوت رنين الهاتف المنزلي فقالت”ياسمين”:
-خليكي انتي يا دودو .. انا هرد.
و ذهبت لتجيب ، لم تمر لحظات حتي هتفت:
-داليااااا .. تعالي بسرعة … !

الحلقة (3):

إخترقت”داليا”فناء شركة الـ “نصار”للنقل البحري و التي بنيت منذ زمن بعيد و تميزت بأروقتها النظيفة الملساء و المروج المحيطة بها ، فيما دهشت أيضا لروعة المكاتب التي إحتلتها الشركة ، حيت”داليا”العاملين بالممر الطويل في تواضع ثم أخذت طريقها إلي المصعد ، صعدت إلي الطابق الأول حيث يوجد مكتب رب العمل ..
كل شيء هادئ في هذا الطابق صمت تام كم أن تلك الأجواء مريحة للأعصاب ، إقتربت”داليا”من حجرة مكتب”عز الدين”و كادت تطرق الباب إلا أن صوت أنثوي أستوقفها:
-يا انسة ! .. علي فين حضرتك ؟؟
كان هذا صوت السكيرتيرة الخاصة بمكتب”عز الدين” .. بينما رفعت”داليا”يدها التي كادت تطرق الباب للتو ثم إلتفتت نحو مصدر الصوت قائلة:
-انا جاتلي مكالمة من شئون العاملين هنا و بلغوني اني اتقبلت للتوظيف و اني عندي مقابلة تانية مع مسترعز الدين
“هزت الفتاة رأسها بتفهم قائلة:
-أه طب ثواني هديله خبر.
ثم أجلستها في غرفة إنتظار أنيقة ريثما تبلغ”عز الدين”بحضورها .. في هذه اللحظات شعرت”داليا”بالتوتر الشديد و هي تسمع في شيء من الخوف دقات الساعة الزجاجية المثبتة في الحائط ، كانت منذ يوم واحد فقط يائسة من فكرة حصولها علي تلك الوظيفة و لكن هاهي عادت مرة أخري و في إنتظار إستعداد”عز الدين”لمقابلتها ..
و بينما كانت مستغرقة في تآملاتها قطعت السكيرتيرة حبل أفكارها قائلة:
-اتفضلي معايا يا انسة .. مستر عز الدين منتظرك في مكتبه.
ثم دعتها لترافقها إلي مكتب”عز الدين”حيث توقفا أمام باب عاجي عريض ، فتحته السكيرتيرة و أبتعدت مفسحة لها مجال للدخول إلي تلك الغرفة الواسعة ذات الأثاث الفاخر و التي أجرت بها”داليا”المقابلة الشخصية في المرة السابقة ..
أغلقت السكيرتيرة الباب خلف”داليا”التي تقدمت في بطء إستحياء من مكتب”عز الدين”الذي كان منكبا علي بعض الأوراق و الملفات ، فلم يرفع رأسه لتوه ، مرت لحظة مشحونة بالتوتر ثم رأته فجأة يوجه نظره إليها حيث رمق قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين
ظلت”داليا”جامدة مكانها ، كانت خجلة من النظر إليه ، أحست بالدماء تجري حارة في وجنتيها تحت وطأة نظراته الفاحصة ، ذلك الهدوء ضاعف عصبيتها و توترها أكثر فحدجته بنظرة خاطفة حابسة أنفاسها كان أنيق الملبس كعادته يرتدي كنزة كشمير صوفية زرقاء اللون و بنطالا كحليا من الصوف الناعم.
بينما شعر هو بمدي توترها فإبتسم بسخرية قائلا:
-تعالي اقعدي يا انسة .. اتفضلي واقفة ليه ؟؟
تقدمت”داليا”ثم جلست قبالته علي مقعد قرب المكتب ثم رفعت رأسها لتواجه نظراته الساخرة ، شعرت بإنزعاج من تلك النظرة الدائمة التي يوجهها إليها بإستمرار ، تساءلت في نفسها .. هل مظهرها البرئ قد أوحي له بضعفها كي يتصرف معها علي هذا الأساس الساخر ؟ .. بينما سمعته يسألها:
-تشربي حاجة يا انسة ؟؟
كان حلقها جافا أثر قلقها و توترها و تمنت لو يقدم لها شرابا باردا لكنها عدلت عن رأيها حيث قالت باسمة:
-لا شكرا حضرتك مش عايزة حاجة.
أومأ رأسه موافقا ثم قال بلهجة جازمة باسطا يديه القويتين فوق مكتبه:
-ماشي .. نتكلم في الشغل.
-أيوه !
أجابته بإصغاء بينما قال:
-بالنسبة لتفاصيل شغلك هبعت انسة انجي توصلك مكتبك و هي هتشرحلك كل حاجة اما بالنسبة للمرتب فانتي اكيد خدتي فكرة عنه في الاعلان مش كده ؟؟
أومأت رأسها بهدوء بينما تابع بسخرية عينيه الذهبيتين:
-طيب .. شوفي بقي يا انسة .. لازم تعرفي حاجة مهمة جدا .. الوظيفة اللي اتعينتي فيها دي انا مشيت منها ناس كتير اوي لعدم الكغاءة اللازمة .. بصراحة انا راجل بحب شغلي يبقي مظبوط علي اكمل وجه و لازم تعرفي كمان ان لماوقع اختياري عليكي كان تفكيري في كلامك عن الشغل هو السبب حسيت انك جادة في التعامل علي عكس الباقيين اللي اتقدموا قبلك و بعدك بس زي ما بيقولوا التجربة خير برهان .. هجربك و اتمني فكرتي عنك تكون في محلها.
حاولت قدر إمكانها الأحتفاظ بمظهر هادئ حين حدقت بعينيه في ثقة قائلة:
-انا هثبت لحضرتك اني اد المسؤولية و اني اقدر ادبر امري كويس اوي و زي ما قلت لحضرتك قبل كده انا مش بعرف اتكلم كويس انما بعرف اشتغل كويس و شغلي هو اللي هيتكلم بالنيابة عني ان شاء الله.
هز رأسه متنهدا ثم ضغط زر الجرس المتصل بمكتب سكيرتيرته الخاصة قائلا:
-انجي جاية دلوقتي و هتاخدك عشان توريكي مكتبك و تفهمك تفاصيل الشغل.
أومأت رأسها فيما تمنت فجأة لو أنها تستطيع سحب طلب العمل ، ليس لإنها لا تتقن مهنتها ، أو تعجز عن التعامل معه بل لخوفها من أمر أعمق و أشد تعقيدا ، أنه شعور بالخوف فهمت معزاه لكنها رفضت إستمرار التفكير في الأمر ..
دخلت السكيرتيرة حجرة المكتب فتوجه”عز الدين”إليها بالحديث قائلا:
-انجي .. هتاخدي الانسة أاا ..
سارعت”داليا”معرفة:
-داليا.
فعاد يقول:
-هتاخدي الانسة داليا لمكتبها .. توريها كل حاجة و تفهميها تفاصيل الشغل طبعا و اي سؤال ليها اكيد عندك الاجابة عليه مش كده ؟؟
-تمام يافندم .. اتفضلي معايا يا انسة.
نهضت”داليا”إستعدادا لموافاة السكيرتيرة بينما أستوقفها”عز الدين”فجأة قائلا:
-استني يا انسة لو سمحتي.
فإلتفتت إلي في تساؤل فيما إنتصب واقفا و إتجه نحوها ، فحدقت به في حيرة بينما كانت عيناه تلمعان كعيني أسد متربص ، و في غطرسة وقحة أخذ يدور حولها ناظرا إليها من كل زاوية ثم أخيرا و قف أمامها وجها لوجه:
-اتفضلي يا انسة.
قال ذلك مادا يده ببعض الأوراق النقدية بينما تسمرت”داليا”في مكانها مندهشة بشكل كبير ثم سألته:
-ايه ده حضرتك ؟؟
هز كتفيه ساخرا ثم قال:
-فلوس !
-ايوه ما انا عارفة انها فلوس .. بس اخد فلوس ليه و انا لسا ماشتغلتش ؟؟
أجابها بهدوء بارد:
-المبلغ ده مش ليكي شخصيا يا انسة .. انتي دلوقتي وجهة الشركة يعني لازمك هدوم و حاجات تانية كتير لازم تكوني شيك قدام العملا و مظهرك مناسب .. انتي بتمثليني انا و شركتي .. فاهمة ؟؟
حدق مليا بوجهها الذي تضرج بحمرة الخجل فقد أصاب منها وتر حساس بينما نظرت إليه مباشرة بعينين ملؤهما الكبرياء و الرفض ثم قالت:
-انا مش محتاجة للمبلغ ده حضرتك .. و بالنسبة لمظهري فأنا شايفة انه مناسب جدا ده اولا .. ثانيا انا جاية هنا عشان اشتغل مش عشان اعمل Fashion show !
رفع حاجبه بذهول ، فكان ردها هذا هو أخر ما توقع سماعه من أنثي تحديدا ، حتما لو كانت فتاة أخري مكانها لكانت قبلت المبلغ بكل سرور و ترحيب بينما أحست”داليا”بموجة عارمة من الغضب تجتاحها فقد جرح مشاعرها بذلك العرض التافه و خاصة أمام سكيرتيرته الخاصة ، شعرت بالوهن يغلي بصدرها و لكنها تمسكت برباطة جأشها أمامه .. :
-طيب .. انا محترم وجهة نظرك.
قال ذلك بلطف هذه المرة ثم تابع:
-بس زي ما قلتلك انتي وجهة الشركة بتمثليها و بتمثليني كمان فلازم تقبلي المبلغ ده عشان تقدري تحسني من مظهرك شوية.
ها جرح أخر .. أغمضت عيناها بألم ثم قالت معترضة و قد زادت مشاعر التحدي و الكبرياء في نفسها:
-اسفة .. مش هقدر اقبل من حضرتك اي مبلغ غير مرتبي.
-و بعدين !
بات صوته أكثر حدة و حركاته أكثر قوة ثم تابع بغضب:
-اسمعي يا انسة .. انا مش فاضي للشد و الجذب ده انا ورايا شغل و قلتلك ان المبلغ ده مش ليكي شخصيا .. ده عشان الشغل اهم حاجة عندي لما تيجي شركتي تبقي في مظهر مناسب برا شركتي بقي لو لبستي ايه شيء مايخصنيش فاهماني ؟؟
شعرت”داليا”بالرعب يملأ أوصالها من عينيه الحادتين الغاضبتين ، لم تعد قادرة علي تحديه أكثر من ذلك ، فقد كان صوته مليئا بالعنف ، و نفسه مليئة بالإرادة و التصميم و بدا و كأنه مشمئز من المماطلة و الرفض اللذين تمارسهما بحقه و قبل أن تتفوه بحرف أمسك يدها و و ضع النقود بها مطبقا كفها عليها ثم قال بلهجة آمرة و هو يتجه إلي مكتبه:
-و دلوقتي اتفضلي مع انجي علي مكتبك و ياريت تبدأي الشغل فورا في شغل كتير متعطل.
لم يعطها فرصة للرد عليه أو الإحتجاج ، إذ أنه جلس معتدلا و بدأ بفتح بعض الملفات فوق مكتبه بينما كان الغضب يملأ شرايينها فها هي بطببعتها الضعيفة البسيطة أمام الرجل الذي يملك كل شيء ، و بكل الحنق الذي تخزنته في نفسها أطبقت بكفها علي النقود في شدة ثم إستدارت دامعة العينين و رافقت السكيرتيرة إلي مكتبها … !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *