حين تخذلني عيناك
استفاقت ليان فجأة، مفزوعة، تنظر حولها، تلهث، وجسدها يرتجف. كانت لا تزال في غرفتها!
صرخت ونهضت بسرعة لتأخذ هاتفها، فوجئت باتصال من “قصي”.
أجابت، وصوتها يتهدج:
“ألو؟”
وبينما تسمعه يتحدث، اتسعت عيناها من الصدمة… لقد حلم الاثنان بنفس الحلم… بكل تفاصيله.
….
قصي يقف في المطبخ يعد كوبًا من الشاي، وعقله شارد بعيدًا عن كل شيء حوله. أنهى إعداد الكوب،
وعاد ليجلس على الأريكة، يقلب القنوات بتململ، وكأن شيئًا داخله يأبى أن يتركه في هدوء.
وفجأة، لم يعد وحده.
التفت ببطء… كانت نيارا بجواره.
لم يصرخ، لم يتحرك، فقط حدق فيها، ورغم الخوف الذي يعتريه كلما ظهرت، إلا أن عينيه امتلأتا بالقلق، لا
الرعب.
نظرت إليه بعينين تغرقان في الألم، وهمست بصوت مكسور:
نيارا:
“متخليش اللي حصلي يحصل ليها، يا قصي… أرجوك، لازم تحميها منه”
ثم اختفت.
قام على الفور، التقط مفاتيحه وهاتفه، واندفع خارجًا نحو سيارته. قلبه يخفق بقوة،
ضغط على زر الاتصال:
قصي:
“ألو؟”
في الجهة الأخرى، كانت ليان تضع آخر قطعة من ثيابها في الحقيبة.
ليان:
“أنا مسافرة.”
قصي: )بصوت متوتر(
“رايحة فين؟!”
ليان:
“همشي من البلد كلها، ياقصي”
قصي: )بحزن عميق(
“وتسيبيني يا ليان؟”
ليان: )تتنهد(
“أنا لو عليا، عايزة أسيب الدنيا كلها.”
قصي: )بوجع يخترق صدره(
“أموت قبلك عشان أكون مرتاح… ومش أعيش في الدنيا لوحدي.”
ليان: )بصوت مكسور(
“أنا مش عارفة أبقى بخير هنا، يا قصي.”
قصي: )بعصبية وحزن دفين(
“هتروحي مني… زي ما هي راحت من فارس؟ !”
ليان: )بتوتر
“بس إيه دخل حياتنا بحياتهم؟!”
ساد الصمت.
ليان: )بقلق(
“مخبي عني إيه؟”
أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يروي لها ما قالته نيارا، وكل ما رآه.
ليان: )بدموع على الخد(
“أنا عايزة أعيش يا قصي… مش عايزة أموت! هو قتلها؟ مين هيقتلني أنا؟! أنا مش فاهمة حاجة !”
قصي: )بحنان موجوع(
“حطي وجعك وهمك جوا قلبي… وأنا أشيله بدالك. أوعدك، اللي حصل في الماضي مش هيتكرر تاني. المهم،
خليكي مكانك، أنا جايلك.”
ليان:
“لا، أنا هنزلك… عيب تطلعلي.”
قصي: )بهدوء فيه حب(
“اللي يريحك يا ليان.”
ليان:
“مستنياك، يا قصي.”
قصي:
“مسافة السكة.”
….
كان الليل قد بسط عباءته السوداء فوق السماء، والهواء العليل يداعب أطراف الأشجار، حاملا معه وعدًا بمطر
قريب.
وقفت ليان عند باب منزلها، تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحتضن رعشة قلب تائه، وعيناها لا تزالان
تبحثان في عتمة الطريق عن نور تعرفه.
وما إن لمحت أضواء السيارة، حتى تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها بين الخوف والرجاء.
توقفت السيارة، وخرج منها قصي كأن الزمن استعجل خُطاه، ركض نحوها، وما إن وقف أمامها حتى بدت كأن
المسافة بينهما اختُصرت لعناق لا يُقال.
تأمل ملامحها التي طغى عليها الحزن، وخرج صوته حاملا كل قلقه
“كنت هموت من القلق عليكي يا ليان.”
ليان )بصوت مهزوز وعيون دامعة(:
“قلبي مربوط في الأرض يا قصي… روحي بتتسحب مني ومش قادرة أتحرك، رجلي بترتعش من كتر
الخوف.”
قصي:
“أنا شايلك جوا قلبي… واللي بيوجعك بيوجعني. ومش هسمح لحد يقربلك ولا حتى يلمس شعرة منك.
أنا بحبك… بحبك أوي يا ليان.”
ليان )بهمس ودموع تغلب صوتها(:
“أنا كل يوم بصحى على خوف… بخاف أنام وأصحى مش لاقية نفسي… بخاف أعيش اللي عاشته نيارا من
تاني.”
قصي:
“بس إنتي مش هي… وأنا مش فارس.
أنا هنا، ومش هخلي كابوس من الماضي ياخدك مني، ولا حتى يلمس نورك.”
ليان:
“هتفضل تحبني حتى لو موت؟”
قصي
“لو مشيتي… قلبي هيمشي معاكي.
بس بالله عليكي، متسيبنيش.
ووعد من قلبي لقلبك… هنفضل نحمي بعض لحد ما نفهم هما عايزين مننا إيه.”
سكنت الكلمات، وسكنت هي خطوة أقرب إليه، نظرت في عينيه وهمست:
ليان:
“أنا تعبت… بس وجودك بيهون كل حاجة.
خليك جنبي… متسبنيش.”
قصي: )بصوت ثابت ودافي(
“أنا مش ناوي أبعد.
إنتي أماني يا ليان… وإنتي الحياة اللي بستناها كل يوم.”
….