حين تخذلني عيناك

تراجع خطوة إلى الوراء، مد يده نحوها بحركة ثابتة:
قصي: “هاتي الملف بتاع المشروع… ونشوف شغلك ده يستاهل إني أحط إيدي فيه ولا لأ.؟
ناولت ليان الملف بهدوء، ومدت يدها إليه بثقة مترددة. أمسك به قصي دون أن يُخفي نبرته الجافة، وبدأ يتصفح
الصور بسرعة. بدا وجهه جامدًا، ولكن عينيه تحملان نظرة فاحصة دقيقة.
رفع قصي حاجبيه وهو يقلب الصور ثم تمتم بنبرة لا تخلو من السخرية:
“يا أستاذة دي صور عادية… أنا محتاج أشوف اللوحة نفسها. هي فين؟”
أجابت بنبرة هادئة، لكنها متوترة قليلًا :
“مش معايا حاليًا.”
أغلق الملف فجأة، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال بحدة واضحة:
“أومال جاية لي ا؟ لما تروحي لحد وعايزة منه شغل، لازم يكون معاكي كل التفاصيل. بداية غير مبشرة بالمرة
في التعامل معاكي.”
حاولت أن تشرح، بنبرة امتزج فيها الرجاء بالعزم :
“افهمني… هي موجودة في متحف تبع الجامعة، بس حالتها سيئة جدًا، متآكلة خالص، ومش هقدر ألمسها.
عايزاك تيجي معايا وتشوفها بنفسك.”
أمال رأسه قليلًا، ونظر إليها بنظرة فيها شيء من التحدي:
“أعتبر دي ثقة فيا؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بيقين:
“طبعًا… واثقة في شغل حضرتك استحالة اراجع وراك أبدا”
هز رأسه ببطء، ثم قال بنبرة أعمق وأكثر جدية:
“بس انتي جاية من غير خطة واضحة. لازم تفهمي إن اللوحات مش مجرد ألوان وخطوط… دي أرواح،
وصرخات محبوسة من سنين
نظرت إليه بثبات، وردت بصوت أقرب إلى الهمس:
“وأنا جاية علشان أطلع الصرخات دي للنور… علشان تتسمع وتتشاف.”
صمت قليلًا، ثم اعتدل في جلسته وقال :
“هاجي أشوف اللوحة… الساعة عشرة. لو اتأخرتي، مفيش اتفاق بينا واعتبريه لاغي.”
رفعت ذقنها بتحد هادئ، وقالت دون تردد:
“هكون هناك قبلك. ”
……
داخل قاعة جانبية في المتحف
ضوء خافت وصمت مهيب.
دخلت ليان أولًا، وخطواتها كانت تحمل رهبة المكان ومسؤولية ما هي مُقدمة عليه. تبعها قصي بخطوات ثابتة،
عيناه تتحركان في فضول صامت وهو يتفحص القاعة بعين الخبير
وقفت ليان أمام صندوق العرض الزجاجي، وأشارت إليه بهدوء.
ليان:
“كنت متخيلة إنك مش هتيجي…”
قصي: ينظر للوحة، ثم يرد دون أن يلتفت لها
“مش بخلف وعودي يا أستاذة.”
ليان: بابتسامة خفيفة
“تقدر تقولي ليان.”
قصي: بنبرة حاسمة وهو يقترب من الزجاج
“مش بحب أرفع الألقاب… اتفضلي.”
مدت يدها نحو الصندوق، وأشارت إلى اللوحة.
ليان:
“اتفضل… دي اللوحة.”
قصي: )بصوت منخفض فيه شيء من الانبهار
“لوحة كلها صمت وعذاب… حكاية حياة ماكملتش. حد فضل يرسم في عذابه وسابه يتسجن وراه.”
ليان: )بنظرة فيها رجاء(
“أنا عايزة أنقذها… تقدر تساعدني؟”
قصي
“ترميمها صعب بقالها سنين، وغير دا كله، مش عايزة شطارة إيد، دي عايزة إحساس صادق … لو حد
فينا قلبه مش صافي، اللوحة هترفض ترجع للحياة.”
ليان بثقة
“أنا مصدقة فيها… وفيك.”
….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *