حين تخذلني عيناك
الفصل الثاني
استفاقت ليان من نومها فجأة، قلبها يخفق بقوة دون سبب واضح. كانت تشعر بعطش شديد، فنهضت من
السرير بخطى متثاقلة، وتوجهت نحو الحمام.
غسلت وجهها وهي لا تزال نصف نائمة، لكن بينما كانت تمسحه بمنشفة صغيرة، أحست برطوبة مختلفة…
كانت دموعًا، لا ماءً فقط.
توقفت لحظة، تنظر لنفسها في المرآة وقد بدأت ملامح القلق ترتسم على وجهها.
– “إيه ده؟ أنا كنت بعيط؟!”
لكنها لا تتذكر شيئًا.
خرجت من الحمام ببطء، وما إن عادت إلى الغرفة حتى اخترق سكون الليل صوت بكاء مختنق، متبوعًا بنداء
أنثوي :
– “فااارس! لا يا فارس… آآه، متسبنيش لوحدي!”
تجمدت ليان في مكانها، نظراتها تمسح الغرفة كأنها تبحث عن شخص مختبئ، ثم تمتمت:
– “أنا مش بتهيألي اقسم بالله… أنا فعلا سمعت صوت صوت واحدة ست.”
حاولت تهدئة نفسها وهي تضغط على صدرها المرتجف :
– “اهدي يا ليان اهدي… من إمتى وانتي بتخافي؟ قلبك جامد… متنسيش دا اكيد بتهيألك روحي ارتاحي .”
لكن عينيها سقطتا على شيء غير متوقع فوق السرير… منديل مبلول.
تقدمت ببطء، التقطته بأنامل مرتجفة، وحدقت فيه طويلا . آثار الدموع كانت واضحة، وكأن شخصًا ما كان
يبكي هنا منذ لحظات.
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنها صورة ضبابية لرجل لا تعرفه، وصوت رجولي عميق يقول:
– “بحبك يا نيارا… بحبك أوي.”
…
وقفت ليان أمام اللوحة داخل المتحف، تنظر إليها بيدين مرتعشتين، تحاول أن تفك رموزها. كانت اللوحة قديمة،
باهتة الألوان، تحمل في طياتها شيئًا مألوفًا وغريبًا في آن واحد .
همست بصوت خافت:
“فارس…”
استدارت لتغادر، لكنها وجدت قصي واقفًا أمامها فجأة، ينظر إليها دون تعبير واضح، وفي يده علبة سجائر.
قالت بتوتر:
“أستاذ قصي حضرتك بتعمل اي هنا؟…”
ابتسم بسخرية خفيفة، ثم قال:
“حبيت اجي واعملك مفجأة؟”
همت بالتحرك لتبتعد عنه، لكنه أوقفها بنظراته دون أن يلمسها.
قالت بحدة:
“عايزة أمشي، بعد إذنك عديني وروح شوف حالك بعيد عني.”
رد بهدوء غير معتاد :
“أنا اسف”
نظرت إليه بدهشة، ثم قالت:
“معقول حسيت بالذنب طلع عندك دم زينا؟؟”
أومأ وهو يتنهد:
“آه طبعًا… أسلوبي وطريقتي معاكي مكانوش لطاف، بس صدقيني، دي شخصيتي. وأنا عارف إنك مش مُلزَمة
تستحملي، بس جيتلك أعتذر، وأكيد لازم تقدري ده ولا اي؟.”
قالت وهي تشير إلى السيجارة:
“طب بعد إذنك… اطفي السجاير.”
رفع حاجبه مستفهمًا، ثم قال بابتسامة ساخرة:
“ليه؟ ده حتى ريحتها حلوة أوي… تحبي تجربي؟”
نظرت إليه بحدة وقالت بجدية:
“عيب وحرام ! ولا إنت مش مسلم زينا ومتعرفش ربنا؟”
سكت قليلًا، ثم حول نظره نحو اللوحة وقال:
“تعرفي مين فارس زهران؟”
ردت وهي ترفع حاجبيها بدهشة:
“هو فنان مشهور… بس لما بحثت عنه، ملقتش أي معلومات تخصه.”
أشار إلى اللوحة قائلا :
“هتلاقيها هنا… في اللوحة دي. عشان كده لازم أرممها. ومش هاخد وقت لو انتي ساعدتيني.”
نظرت إليه مترددة، ثم قالت:
“وأنا هساعدك ليه؟”
ابتسم وقال:
“عشان إنتي الوحيدة اللي عارفة إنها مش مجرد رسمة… وإنها بتنادي على حد . كأنها بتوصل رسالة ولازم
نعرف انا وانتي هي اي وبأسرع وقت ممكن”
….
