بمنزل خالد نهض من نومه بعدما وجد الفراش فارغًا، خرج وجدها تجلس بغرفة المعيشة، ترتشف من قهوتها _صباح الخير _صباح النور اقترب وجلس بجوارها _هتفضلي مخصماني كدا _اخاصمك... انت بتقول ايه ياخالد، انا بقيت اتكسف امشي في الشارع، الكل بيبص علي ويتهامس، يقولوا شايفين دي، اخت جوزها قرطستهم وراحت خطفت راجل من مراته، ياما حذرتك، بس انت عملت ايه ولا حاجة _قولي لي اعمل ايه، انا اتفاجأت زيك _تروح تجيبها من شعرها، فين رجولتك بين الناس لما حتة بنت زي دي، حطت راسك في الطين تأفف بضجر، ونهض من مكانه متجها للحمام _اهو دا اللي انت شاطر فيه، انا نازلة توقف مستديرا اليها _رايحة فين، الساعة لسة عشرة _زهقانة، هروح النادي، جيداء هناك _مش هتفطري _لا... ماليش نفس... قالتها وحملت حقيبتها _جيهان مش ينفع كدا توقفت مستديرة اليه ، واشار بتهديد _اسمعني كويس، انسى المعاملة بينا، لحد ماترجع هيبتك بين الناس، تروح تجيب اختك قليلة الرباية هنا تحت رجلك، لحد مانتحايل على مراد يرجعها _مراد تاني ياجيهان دنت منه تنظر اليه بغضب _خديجة مش هتجوز غير مروان، تتصرف مع عبدالرحمن بأي طريقة خليه يطلقها، لو وصلت تشتكي لمراته، المهم يطلقها، ولحد مايطلقها مش هتقرب مني ومالكش دعوة بيا _جيهان استني لكنها غادرت دون أن تلتفت اليه، وصلت بعد قليل الى النادي، نهضت جيداء حين لمحتها _مالك فيه ايه، لسة راجعة من بورسعيد _كنتي بتعملي ايه الايام دي كلها _ابن خالي، رجع من السعودية، وكنا بنشوفه _ليكون حبيب القلب يابت _هو ياختي، بلا خيبة، بس عرفت من امه جاي يخطب واحدة جارتهم _ياخبيتك، حتة راجل مش عارفة توقعيها، هو هيلاقي احسن منك _اسكتي مش تفكريني، المهم ايه اللي حصل _هموت ياجيداء، عبدالرحمن اتجوز خديجة _عبدالرحمن مين _الواد المز اللي ساكن قصاد بيت حماتي ياختي _لا ماتقوليش، الميكانيكي مصمصمت شفتيها _ميكانيكي ايه بلا خيبة، ياريت الشملول جوزي ربعه، ماشفتهوش بعد مارجع بفلوس قد كدا، وسمعت من الجيران شاري فيلا في احسن مكان في اسكندرية للزفتة خديجة _استني... استني، مش دا اللي قولتي عليه وراجع متجوز لوحت يدها باعتراض _كنت هبلة ومفكرة انه اتجوز وهينسى البرنسيسة، طلعت غلطانة، انا مقهورة اوي، وكل ماحد يقولي على العز اللي واخد فيه خديجة اتقهرت، مش كفاية راجل حلو لا وفلوس كمان _طيب ماهي كانت متجوزة مروان وغني اوي، ايه الفرق شهقت تضرب على صدرها بحركة شعبية _بتجيبي عبدالرحمن لمروان _الله... ماهو غني برضو، وبعدين متنكريش اخدتي من وراه شئ واشويات _اه... بس كان مريح قلبي وفرحانة من اللي بيعمله في خديجة _مش فاهمة، ليه هو عمل فيها ايه _اه... معرفش ياختي، هي بنت زنانة ومكنش بيعجبها العجب، وكل يومين جاية عايزة تطلق سيبك من الموضوع دا كله، لازم تفكري معايا ازاي ااخليها تطلق _حرام بقى ياجيهان، سبيها في حالها _اسيب مين انت اتجننتي، انت متعرفيش انا بكرهها قد ايه، كل ماافتكر كلام ابوها لما جه يطلبني لخالد، كل كلمة، وياريتها تكون زي خديجة _طب اهدي واحكي لي، مالك ومالها بمنزل عبدالرحمن دلفت الصغيرة وجدته يقف امام المرآة يمشط خصلاته، تحركت اليه _بابي.. عايزة اروح عند ديجا انحنى وقبلها _مينفعش دلوقتي حبيبة بابي، هتفضلي هنا كام يوم مع الناني، وبعد كدا نروح احنا اللتنين لديجا مطت شفتيها _هي وحشتني اوي نظر لابنته للحظات وارتجف قلبه _ومين سمعك، وحشتني اوي، أنا كمان ياسيليا، بس هانت يوم واحد حملها وهو يقول _تخنتي ولا ايه، ليه تقلتي كدا داعبت وجهه، وانحنت ببرائة تقبله على وجنتيه _ادي دي لديجة وقولها بحبها قد البحر توقف ينظر للطفلة للحظة، ثم ضمها بقوة _أنا بحبك قد العالم دا كله، عارفة ليه هزت كتفها بجهل فقال _علشان بتحبي ديجا، عايزك تحبيها اوووي اوووي _انا بحبك وبحبها اوووي قهقه وتحرك بها الى طاولة الطعام، اشار الى المربية _خلي بالك منها _بابي مامي هترجع امتى _قريب حبيبتي دلفت الخادمة اليه _فيه واحد برة عايزك اومأ لها وهو يجلس على طاولة الطعام، دلف خالد وتوقف أمامه، يتلفت حوله بسخرية _كنت متوقع، اكيد مش متجوزها حبا فيها _عايز ايه ياخالد اقترب خالد منه _مش عيب ياعبد الرحمن تتجوز اختي من غير ماترجع لي، دا حتى انت ابن اصول صمت للحظة واحدة، ثم افلت ضحكة صاخبة، حتى دمعت عيناه، تراجع على المقعد ينظر للاخر _ياخي قول غير كدا، قرب هقولك حاجة ياخالد _لم مراتك احسن ماانت جاي وعامل راجل قدامي، مراتك لسانها طول، متخلنيش اتصرف معاها باسلوب بعيد عن الجيرة _بقى كدا ياعبدالرحمن _نورت ياخالد صباحٌ ممتلئ بالقلوب الصافية... استيقظت خديجة على طرقاتٍ خفيفة فوق الباب، ثم دخلت الخادمة تحمل صندوقًا ورقيًا كبيرًا. قالت وهي تضعه أمامها: _البيه بعت لكِ الفستان ده، وفيه ناس تحت. رفعت خديجة رأسها ببطء، ثم ألقت نظرةً إلى الساعة. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهرًا. قطبت جبينها باستغراب. _بيه مين؟ وفستان إيه؟ هزت الخادمة رأسها. _معرفش يا مدام. غادرت الخادمة، بينما ظلت خديجة تحدق في الصندوق للحظات، قبل أن تنهض من فوق فراشها وتقترب منه. فتحت الغطاء...فتوقفت أنفاسها. فستان زفاف. لم يكن فستانًا عاديًا، بل قطعةً مميزة؛ تصميمٌ راقٍ، وتفاصيل دقيقة، وكأن أحدهم أمضى وقتًا طويلًا يبحث عما يليق بها هي تحديدًا. ارتجفت أناملها وهي ترفع البطاقة الموضوعة فوقه.. فتحتها... وكان خطه كفيلًا بأن يُربك قلبها قبل أن تقرأ حرفًا واحدًا. "كان لازم أعملك فرح يليق بيكي." ابتلعت ريقها، وأكملت القراءة. "عارف إنك زعلانة، لكن غصب عني." لو فضلت معاكي هضعف، ومحبتش دا غير بعد مااعملك فرح يليق بأميرة قلبي عايزك تتأكدي من حاجة واحدة، عبدالرحمن لو لف العالم كله، هتفضل خديجة ملكة قلبه، ولا حد يقدر يقرب من مكانك، تأكدي انه مايملكش غير قلب واحد وحبيبة واحدة ثم جاء السطر الذي جعل قلبها يخفق رغمًا عنها: "خديجة، أنا ممكن أقلب عليكي لو حاولتي تضايقيني في يوم زي ده. النهارده فرحنا..لازم نبدأ حياتنا اللي اتأجلت من خمس سنين، وتأكدي مستحيل اعدي دقيقة واحدة وانت بعيد عني، الفستان يتلبس وتجهزي هاجي اخدك." اتسعت عيناها وهي تكمل. "وعايز أعرفك إن جيهان ماشية في البلد تقول إني اتجوزتك كأني عامل حاجة غلط... لازم الكل يعرف النهارده إن ده فرح عبدالرحمن وخديجة اللي اتسرق منهم زمان، ومتاخديش على أي كلمة ماسة تحاول تضايقك فيها، المهم أنا بحب مين وعايز مين" وتحت كل تلك الكلمات... كلمة واحدة. "بحبك." توقفت أنفاسها.. وارتجف قلبها، وامتلأت عيناها بالدموع، لكنها مسحتها سريعًا وكأنها غاضبة من نفسها لأنها ما زالت تضعف أمام كلماته. ثم تمتمت بعنادٍ حاولت أن تقنع به قلبها قبل أن تقنع به أحدًا: _ومطلوب مني اصدقك بعد ساعات... وقفت خديجة أمام المرآة. حدقت في انعكاسها طويلًا، وكأنها لا تصدق أن تلك المرأة التي تنظر إليها هي نفسها التي قضت الأيام الماضية تبكي في الظلام. كان الفستان يلتف حولها برقة، يبرز جمالها دون مبالغة، وقد تبدلت ملامحها تمامًا. لم تعد خديجة التي أرهقها الانتظار... بل عروسًا. عروس رجلٍ أحبته رغم كل شيء. طرقاتٌ خفيفة على الباب قطعت شرودها. ثم دخلت حنان وهي تبتسم. _جاهزة يا عروسة؟ عريسك مستنيكي برة انتفض قلبها، وشعر بخيانة سيقانها، اخذت نفسًا طويلًا، رفعت ذقنها، وحاولت أن تخفي ارتباك قلبها، واشتياقها له بابتسامة واثقة. _جاهزة... أنا دايمًا جاهزة يا حنان. اقتربت حنان منها _تقولي للقمر قوم وأنا اقعد مكانك، طالعة حلوة اوي اوي ياخديجة لم ترد عليها، حملت فستانها الطويل و نزلت الدرج على أنغام موسيقى هادئة. تلفتت بعدما استمعت الى الموسيقى، نظرت الى الدرج المزين بالورود الحمراء والانوار الخافتة، وموسيقى هادئة تصدح بالمكان، نظرت الى الأسفل...كان ينتظرها... اخر الدرج واقفًا كفارسٍ ينتظر اميرته، هيئته المنمقة جعلت قلبها يخفق بعنف، وكأن كل السنوات التي قضتها وهي تحلم به قد اجتمعت الآن في لحظة واحدة. وحين وقعت عيناه عليها...سكت كل شيء. تلاقت النظرات.. اشتياقٌ كان أكبر من عشرة أيام.. حبٌ قاوم الغضب. ولهفةٌ أخفاها كل منهما خلف عنادٍ طويل. عشرة أيامٍ فقط... لكنها مرت عليهما كأنها سنوات من الفراق. مد كفه، نظرت اليه للحظات فوضعت يدها في يده.. ارتجفت أصابعهما معًا. نظر إلى عينيها المحاطتين بالكحل، ثم ابتسم ابتسامةً لم تستطع مقاومتها. وهمس: _بسم الله ما شاء الله... زي القمر. ابتسمت بخجلٍ رغماً عنها. _شكرًا. رفع يده، وضم رأسها برفق، ثم طبع قبلةً طويلة على جبينها... قبلةً كأنه يعتذر بها عن كل يومٍ غاب فيه. وكأنه يقول لها دون كلام: أنا هنا.. أنا لم ابعد رفعت عيناها المرتجفة إليه، وجدت لمعة تزين عيناه، لمعة عشق تعلمها جيدًا ضعف أمام نظراتها، امال برأسه وطبع قبلة رقيقة بجوار شفتيها شهقة خافتة اخرجتها، فتراجعت للخلف، ولكنه حاوط خصرها يضمها إليه وهمس بااسمها _متحاوليش لأنك هتخسري _ممكن نمشي... اومأ وتراجع قليلًا، ثم خلل أصابعه بأصابعها، وتحرك بها نحو السيارة المزينة _ماما... توقف يحاول أن يسيطر على ارتعاشة جسده في حضرتها _اخدوها، جبت لها حد مخصوص، متخافيش _تمام... قالتها وهي تنظر لباب السيارة تبتعد عن نظراته، سيارة حديثة مفتوحة من الأعلى، التفتت حولها _مفيش سواق _اركبي ياخديجة... أنا هسوق استقلت السيارة بجواره، تحبس انفاسها، رائحته تضعفها، تحرك بالسيارة، ثم مد يده يحتضن كفيها _ركز في الطريق ياعبدالرحمن، نعمل حادث انحنى وسحب كفيها وقاد السيارة بهدوء ورغم هدوئهما الظاهري الا أن قلبيهما يصرخان بالضلوع تريد أن تسأله لماذا ابتعد كل هذه الفترة،ايعقل بسبب ماذكره، ، ولكن كرامتها تمنعها وصلا بعد قليل للشارع الذي يقنطان به، ترجل اولا، ثم اتجه اليها يفتح باب السيارة وحين خرجت خديجة... توقفت مصدومة.. حدقت حولها غير مصدقة. كان الفرح، رغم إقامته في شارع منزلهم، لكنه أشبه بزفافٍ ملكي. كل شيء أُعد بعناية؛ الإضاءة، الزهور، الطاولات، الموسيقى، وحتى أدق التفاصيل التي لم تتوقع أن يهتم بها. رفعت عينيها إليه.. كان يراقب دهشتها بابتسامةٍ خفية. لم يكن يريد مجرد حفل. كان يريد أن يمحو من قلبها كل فكرةٍ قالت إن زواجه منها كان إهانة. عانقت ذراعيه دون وعي منها، ارتجف قلبها من مجرد اقترابها بمفردها، نظر لكفيها الذي تحتضن به ذراعه، ونظراتها للحفل _مبسوطة _زمان ماحلمتش غير بكدا _ودلوقتي تاهت عيناها تتلفت ولا تعلم لماذا لم تشعر بالسعادة، فقالت _عادي عانق كفيها وتحرك بها _كل حاجة ممكن تبقى عادية ياخديجة، الا انك تكوني في حضني تحركت ولم ترد عليه جلس بالمكان المخصص لهما، بعد افتتاح الحفل، اقتربت احدى جيرانها _ألف مبروك ياديجا والله يابنتي تستاهلي اكتر من كدا، بس يلا مادام عبده، زوجة تانية من اولى مش هتفرق نظرت للمرأة ورسمت ابتسامة موجوعة وراحت عيناها له، كان يقف مع بعض من اصدقائه، كانت تراقبه اينما ذهب، وكأنها تريد الا تبتعد عيناها عنه فيصبح حلم، وقعت عيناها على المربية التي تتراقص مع سيليا،دارت عيناها بالقاعة لم تجد ماسة...انطفأت الانوار فجأة، ليبدأ الحفل برقصة العروسين.. اقترب منها ومد يده يحتضن كفيها، ثم حاوط خصرها، وقربها إليه. تعلقت عيناه بعينيها، بينما راحت الموسيقى تنساب حولهما. مال نحوها وقال بصوتٍ لا يسمعه سواها: _مبروك يا خديجتي... شوفتي؟ أنا راجل وقد كلمتي، واتجوزتك مرتين. رفعت عينيها إليه بحدة، وهمست: _كنت فين الأيام اللي فاتت؟ ابتسم وكأنه لم يسمع سؤالها. _أنا بقولك مبروك. ضيقت عينيها. _والله لأعيشك في جهنم يا ابن حسناء. انفجر ضاحكًا، وضمها إلى صدره أكثر وهو يتراقص معها. _أنا وإنتِ... وبئس المصير يا روحي. أغمضت عينيها. حين شعرت بنبض قلبه تحت كفيها واضحًا، حيًا، دافئًا، حقيقيًا. فاستسلمت للحظة. دفنت رأسها في صدره، تسحب رائحته لا تريد أن تتذكر سوى أنها الآن بين ذراعيه.. واغمض هو الاخر يستمتع بقربها، وهو يدفن رأسه بطرحة زفافها وهمس باانفاسه _خديجة _لو سمحت ياعبدالرحمن، كفاية ابعد رأسه ينظر لعيناها وهو يتراقص على الموسيقى _احلى عبدالرحمن بسمعها من ياحبيبة عبد الرحمن _تفكتر بعد اللي حصل هنقدر وضع جبينه فوق جبينها _مش عارف، حقيقي مش عارف، اتمنى نقدر نتجاوز الماضي زمت شفتيها وراحت عيناها عند سيليا _مستحيل... الماضي لعنة اعدل رأسه _نحاول ياخديجة، متقوليش كدا _وأنا مش عايزة احاول، عايزة اعيش في سلام مع أمي وبس هز رأسه: تمام مضت ساعات الزفاف سريعًا، حتى عادا إلى منزلهما. وبمجرد أن انشغل عبدالرحمن بالحديث مع أحد رجال الحراسة، أسرعت خديجة إلى غرفتها وأغلقت الباب. نزعت فستان الزفاف، ثم دخلت الحمام. وبعد دقائق خرجت وهي تلف منشفة حول شعرها. لكنها توقفت فجأة.. تجمدت في مكانها. حين وجدته يجلس فوق الفراش. نظرت إلى الباب...ثم إليه. وألقت المنشفة فوق السرير بضيق. _نعم؟ رفع حاجبه. _نعمين؟ ناسية إن الليلة دخلتنا؟ مستعجلة على الشاور، طيب كنتي استنيني يمكن اساعدك _عبدالرحمن بلاش الكلام دا، لانه مش هيحصل _اللي هو ايه ياخديجة سحبت عيناها بعيدًا عنه ولم تتحدث _خديجة... اظن انا كنت صريح معاكي، الكلام اللي عقلك بيلعب بيه، هكسرلك عقلك علشان تبقي عارفة، احنا اتفقنا نعيش زي اي زوجين ارتجف جسدها للحظات، ولكنها عادت سريعا واقتربت منه بخطوات ثابتة، وكأنها تتحدى ارتباك قلبها. _محصلش... إنت صدقت نفسك ولا إيه؟ وقفت أمامه، ثم قالت بنبرةٍ تحمل وجع : _أقولك حاجة؟ أنا اتجوزتك علشان خالد أجبرني على كده. ماهو أنا متعودة... هو يجبرني، وأنا أتجوز الراجل اللي يمد إيده بالمساعدة. تغيرت ملامحه في لحظة. مد يده وأمسك بذراعها بقوة، وقال بنبرةٍ حادة: _إنتِ مراتي دلوقتي. لو جبتي سيرة الماضي حتى لو بالغلط... هقطع لسانك. دفعته عنها صارخة: _وإنت متجوز ومخلف... متنساش نفسك! روح لمراتك وبنتك ثم استدارت عنه، واتجهت إلى المرآة. جلست أمامها، وسحبت فرشاة شعرها، ورغم ارتجاف جسدها لكنها بدأت تمشط خصلاتها، وكأنها تستطيع أن تشغل نفسها عن وجوده بمجرد ألا تنظر إليه.. نهض من مكانه يتابعها للحظات، جلس خلفها ولم تنتبه إلا ويده تمتد، وسحب الفرشاة من بين أصابعها. وبدأ يمشط شعرها ببطء... بعنايةٍ هادئة تناقض تمامًا غضبه منذ لحظات. راقبت يده في المرآة. كانت كل حركة من أصابعه تحمل حنانًا لم تستطع إنكاره. وحين انتهى، جذبها إليه، وأحاطها بذراعيه، حتى أصبحت داخل حصنه همس بالقرب من أذنها: _خديجة... صمت لحظة.. ثم قال بصوتٍ خافت، صادق، خالٍ من كل عناد: _أنا بحبك أوي. للحظة ضعفت. أغمضت عينيها، واستسلم جسدها لذلك الأمان الذي افتقدته.. وضعت كفيها فوق ذراعيه المحاوط خسرها، وتراجعت اكثر للاحضانه واغمضت عيناها، رفرف قلبه من بالسعادة، فراح يطبع قبلة فوق جيدها، على اثرها ارتجف جسدها بالكامل، وقلبها ينبض بعنف تشعر بالسعادة، تهمس اسمه بخفوت لكن رنين هاتفه قطع اللحظة. فتحت عينيها.. نظرت إلى الشاشة... ورأت اسم المتصل. ابتعدت عنه فورًا، وسحبت الفرشاة من يده. _روح أوضتك، وشوف مراتك عايزة براحتك ... أنا عايزة أنام. رفع الهاتف، واتجه نحو النافذة. _أيوة. جاءه صوتٌ ماسة من الطرف الآخر: _عامل فرح؟ طب مش تستناني لما أرجع علشان أحتفل معاك؟ تابعت حديثها غاضبة _وصلت مصر.. تجمدت ملامحه.. فقالت _عايزاك.. تيجي دلوقتي تكون عندي خلال خمس دقايق، والصبح تشوف بيت جنبي هنا، مستحيل اخليك هناك أغمض عينيه للحظة، ثم قال ببرود: _أي اوامر تانية ماسة هانم _عبدالرحمن، لو سمحت انا راجعة تعبانة أوي ومحتاجك _مش دلوقتي. جاءه الرد سريعًا: _لا... دلوقتي. أغلق الهاتف. وظل واقفًا أمام النافذة، يحدق في الظلام...ثم استدار وجدها كما هي ولكنها شاردة، تحرك وجلس خلفها مرة اخرى وسحب الفرشاة مرة اخرى، انتبهت الى وجوده _ابعد يا عبدالرحمن! قالتها وهي تحاول الإفلات من يده، لكنه سحبها مرة اخرى لتستقر بأحضانه، بل قال ببرود مستفز: _مش باخد رأيك أصلًا.. ابعدت يده جذبها من إحدى خصلات شعرها بخفة، فتأففت بضجر، وهمست وهي ترمقه من خلال المرآة: _ربنا على المفتري... سحبها من شعرها مرة اخرى حتى اقتربت منه، ثم قال وهو يحدق بها: _بتقولي إيه؟ ارتبكت من قربه وقالت: _بكح... حتى شوف... كح كح! ضحك ساخرًا، ثم ترك شعرها والتقط فرشاة الشعر الموضوعة أمامها. _كُحّي في سرك. بدأ يمشط خصلاتها بهدوء غريب، ينظر لخصلاتها بسعادة، كم مرة تمنى أن يرى شعرها، والان هي بين يده، ليس خصلاتها فقط بل بكامل جسدها... ابتسم ومرر انامله بين خصلاتها بسعادة وكأنها لم يمسك خصلات شعر بل يمسك كنوز كانت تراقبه من انعكاس المرآة، وكلما مرت الفرشاة بين خصلاتها، شعرت بشيء دافئ ينساب إلى قلبها رغمًا عنها. وللحظة، دون وعي قبل أن تفكر، ابتسمت وقالت: _لو جبنا بنوتة... هتسرح لها كده؟ توقفت يده. تجمدت الفرشاة بين خصلات شعرها، بينما ارتجف قلبه بعنف، كأن كلماتها الصغيرة أصابت في داخله، ليثيره بشدة، بعد محاولات منه في السيطرة على مشاعره اتجاهها، كم تمنى ان يكون له اولاد منها هنا فاق حد الصمود فرفع عينيه إلى انعكاس وجهها في المرآة. أما هي، فما إن أدركت ما تفوهت به حتى ابتعدت بنظراتها، تعاقب نفسها على ماتفوهت به سحبت الفرشاة من يده سريعًا، ونهضت تتحرك أمام المرآة، بينما ظلت عيناه تلاحقانها. ليقول بصوت هادئ، لكنه يحمل يقينًا : _أنا بعمل كده مع سيليا... يعني بناتي أكيد هحبهم.. ولو جبنا بنوتة، ودي امنيتي طبعًا وتكون شبهك مش هسرح لها بس، هحبها اوي توقفت.. ثم قالت دون أن تنظر إليه: _اطلع برة. نهض من مكانه، واقترب منها حتى وقف خلفها مباشرة. سألها فجأة: _هو ليه مخلفتيش من مروان؟ التفتت إليه بسرعة. كانت جملة بسيطة... لكن حروفها خرجت من جوفه مثقلة بسنوات من الغيرة والندم، كأن كل حرف منها يحمل وجع رجلٍ لم يملك يومًا حق السؤال.ولم تحتمل هي السؤال.. نظر اليها بعيونا لامعة بالدموع، وارتفع نبض قلبه بالغيرة بينما هي هبطت دموعها رغماً عنها، وقالت بصوت متهدج: _علشان مكنتش عايزة أبو ولادي غيرك. اتسعت عيناه.. ورقص قلبه فرحًا فتابعت، والدموع تنساب فوق وجهها بلا توقف: _أنا انجبرت على الجواز... إنما أنت عملت إيه؟ لوحت بيدها في وجهه، وكأنها تحاول أن تُخرج من صدرها كل ما كتمته سنوات: _جيت... باركت لي... ومشيت! ارتجف صوتها وهي تضحك بمرارة: _وعود... وعود... وعود... كلها هوا! اقتربت منه حتى وقفت أمامه مباشرة، تحدق في عينيه بعينين أنهكهما الانتظار. _أنا عشت سنة... بسنين حياتي كلها. وضعت يدها فوق صدرها، وقالت بانهيار: _كنت بتحمل دا كله كل يوم... على أمل إنك ترجع. هزت رأسها، وانهمرت دموعها أكثر. _بس رجعت متجوز... ومعاك بنت. ابتلعت غصتها، ثم قالت بصوت مكسور: _وبعد ده كله... متجوزني غصب عني! وبقيت خطافة رجالة، الكل بيبص علي اني خطفت راجل من مراته، وياريت تسكت على كدا، رمتني زي الكلبة عشر ايام، وانا عايشة في جحيم بعدك، ضربته بقبضتيها على صدره، مرة تلو الأخرى، دون أن يحاول إيقافها. _ليه رجعت؟ ضربة أخرى.. وصرخات متقطعة _ليه عملت فيا كده؟ وأخرى، خرجت معها شهقة موجوعة: _ليه دَبَّحتني كده؟ توقفت يداها أخيرًا، وانكسر صوتها: _أنا كنت مستنياك يا عبدالرحمن... كانت تلك الجملة هي التي هدمت آخر ما تبقى من مقاومته. لم يقل شيئًا.. فقط مد ذراعيه، وسحبها إليه. قاومت لحظة، ضربت صدره بضعف، ثم انهارت بين ذراعيه وكأن جسدها كان ينتظر هذا الحضن منذ سنوات. ضمها إليه بقوة، وكأنه يخشى أن تضيع منه مرة أخرى. ثم مال إليها، وقبّلها قبلة عاشق أنهكته المسافات، وأتعبه الانتظار، وفقد أخيرًا قدرته على التظاهر بأنه بخير. أغمض عينيه، وكأن العالم كله انطفأ من حوله.. لم يعد هناك سوى هي. دفء جسدها المرتجف بين ذراعيه، أنفاسها المتقطعة، ودموعها التي امتزجت بأنفاسه، وقلبه الذي كان يخفق بعنف حتى شعر كأنه يريد أن يخرج من صدره ويعتذر لها بنفسه عن كل ليلة تركها فيها وحيدة. كانت قبلته تحمل كل ما عجز عن قوله. كل اشتياق.. كل ندم. كل ليلة نام فيها وهو يقنع نفسه أن البعد هو الحل. يقبلها بجنون و قلبه يصرخ باسمهـا.. قبل شفتيه.. ظل يقبلها كأنه يسترجع روحه التي غابت منه منذ خمس سنوات، يريد أن يقسم لها أنها وحدها من سكنت الروح افاقت قبلته كل الحواجز وكأن تلك القبلة لم تكن مجرد قبلة...اعتذارًا بلا كلمات. وإقرارًا بأن بعض المشاعر، مهما حاول الإنسان دفنها، تظل حية... تنتظر لحظة واحدة فقط لتفضحه. تعلقت أصابعها بقميصه، بينما ازداد احتضانه لها، وغاب الاثنان عن العالم للحظات بدت لهما كأنها عمر كامل. حتى اختنقت أنفاسهما، ولم يسمعا سوى خفقان قلبيهما المتسارع، يطرقان بعنف كأنهما يتسابقان في الاعتراف بما أخفياه طويلًا.. يهمس لها ببعض كلمات العشق بين قبلاته، بينما هي تريد الاكثر حتى يهدأ قلبها... الى ابتعد لحظات حين سلب أنفاسها... نظر لعيناها ليرى هل تشعر بما يشعر به.. ابتعدت تدفن رأسها بعنقه، حاوط جسدها وسعادة العالم كله تمتلكه لفت ذراعيها حول خصره، ووضعت رأسها على صدره تستمتع بدقات قلبه العنيفة، تشعر أنها ستخرج من صدره _خديجة.... همس بها، ولكنها لم تتحرك، بل اغمضت عيناها لاتريد سوى أن تظل هكذا قبل جيدها وهو يهمس إليها _عايز أقولك سر رفعت رأسها اليه احتضن وجهها وطبع قبلة سريعة فوق ثغرها _شوفتي عملتي ايه من بوسة، مش قادر ابعد، اياكي تبعدي عني، هقتلك بحبي، حبي صعب ومجنون ارتجف قلبها وثار بجنون تنظر لعيناه _دا السر... هز رأسه وابتسم يقرص وجنتيها _الفراولة دي.. اعمل فيها ايه نزلت ببصرها بخجل، رفع ذقنها _بتحبيني!! بتحبيني زي مابحبك، انا بحبك أوي صمتت تنظر اليه، وانسابت دموعها انحنى يقبل دموعها، رفعت كفيها على وجهه، وهمست اسمه _عبدالرحمن... _روحه.. تبسمت ولاول مرة تضم وجهه _أنا كمان عندي سر، معرفش، بس السر دا هيخليني مقدرش اقرب منك، مش باايدي والله... انا متفاجئة بنفسي وانا معاك دلوقتي قطب جبينه وتاه عقله _مش فاهم؟ تقصدي ايه؟! نظرت وصمتت، ثم قالت _قولي انت الاول، يمكن كلامك يشفيني، لاني موجوعة أوي، اوي فوق ماتتخيل مرر انامله على وجهها بالكامل _ألف سلامة عليكي من أي وجع ياحبيبة قلبي _طب قول _هقول... بس أنا مسمعتش منك بحبك لحد دلوقتي انفتح باب الغرفة. تجمد الاثنان في مكانهما. ابتعد عبدالرحمن عنها ببطء، بينما اتسعت عيناه في صدمة