طُعم بيد أليفة ج4
وبدأ يمشط شعرها ببطء…
بعنايةٍ هادئة تناقض تمامًا غضبه منذ لحظات.
راقبت يده في المرآة.
كانت كل حركة من أصابعه تحمل حنانًا لم تستطع إنكاره.
وحين انتهى، جذبها إليه، وأحاطها بذراعيه، حتى أصبحت داخل حصنه
همس بالقرب من أذنها:
_خديجة…
صمت لحظة.. ثم قال بصوتٍ خافت، صادق، خالٍ من كل عناد:
_أنا بحبك أوي.
للحظة ضعفت.
أغمضت عينيها، واستسلم جسدها لذلك الأمان الذي افتقدته.. وضعت كفيها فوق ذراعيه المحاوط خسرها، وتراجعت اكثر للاحضانه واغمضت عيناها، رفرف قلبه من بالسعادة، فراح يطبع قبلة فوق جيدها، على اثرها ارتجف جسدها بالكامل، وقلبها ينبض بعنف تشعر بالسعادة، تهمس اسمه بخفوت
لكن رنين هاتفه قطع اللحظة.
فتحت عينيها.. نظرت إلى الشاشة…
ورأت اسم المتصل.
ابتعدت عنه فورًا، وسحبت الفرشاة من يده.
_روح أوضتك، وشوف مراتك عايزة براحتك … أنا عايزة أنام.
رفع الهاتف، واتجه نحو النافذة.
_أيوة.
جاءه صوتٌ ماسة من الطرف الآخر:
_عامل فرح؟ طب مش تستناني لما أرجع علشان أحتفل معاك؟
تابعت حديثها غاضبة
_وصلت مصر.. تجمدت ملامحه.. فقالت
_عايزاك.. تيجي دلوقتي تكون عندي خلال خمس دقايق، والصبح تشوف بيت جنبي هنا، مستحيل اخليك هناك
أغمض عينيه للحظة، ثم قال ببرود:
_أي اوامر تانية ماسة هانم
_عبدالرحمن، لو سمحت انا راجعة تعبانة أوي ومحتاجك
_مش دلوقتي.
جاءه الرد سريعًا:
_لا… دلوقتي.
أغلق الهاتف.
وظل واقفًا أمام النافذة، يحدق في الظلام…ثم استدار وجدها كما هي ولكنها شاردة، تحرك وجلس خلفها مرة اخرى
وسحب الفرشاة مرة اخرى، انتبهت الى وجوده
_ابعد يا عبدالرحمن!
قالتها وهي تحاول الإفلات من يده، لكنه سحبها مرة اخرى لتستقر بأحضانه، بل قال ببرود مستفز:
_مش باخد رأيك أصلًا.. ابعدت يده
جذبها من إحدى خصلات شعرها بخفة، فتأففت بضجر، وهمست وهي ترمقه من خلال المرآة:
_ربنا على المفتري…
سحبها من شعرها مرة اخرى حتى اقتربت منه، ثم قال وهو يحدق بها:
_بتقولي إيه؟
ارتبكت من قربه وقالت:
_بكح… حتى شوف… كح كح!
ضحك ساخرًا، ثم ترك شعرها والتقط فرشاة الشعر الموضوعة أمامها.
_كُحّي في سرك.
بدأ يمشط خصلاتها بهدوء غريب، ينظر لخصلاتها بسعادة، كم مرة تمنى أن يرى شعرها، والان هي بين يده، ليس خصلاتها فقط بل بكامل جسدها… ابتسم ومرر انامله بين خصلاتها بسعادة وكأنها لم يمسك خصلات شعر بل يمسك كنوز
كانت تراقبه من انعكاس المرآة، وكلما مرت الفرشاة بين خصلاتها، شعرت بشيء دافئ ينساب إلى قلبها رغمًا عنها.
وللحظة، دون وعي قبل أن تفكر، ابتسمت وقالت:
_لو جبنا بنوتة… هتسرح لها كده؟
توقفت يده.
تجمدت الفرشاة بين خصلات شعرها، بينما ارتجف قلبه بعنف، كأن كلماتها الصغيرة أصابت في داخله، ليثيره بشدة، بعد محاولات منه في السيطرة على مشاعره اتجاهها، كم تمنى ان يكون له اولاد منها
هنا فاق حد الصمود
فرفع عينيه إلى انعكاس وجهها في المرآة.
أما هي، فما إن أدركت ما تفوهت به حتى ابتعدت بنظراتها، تعاقب نفسها على ماتفوهت به
سحبت الفرشاة من يده سريعًا، ونهضت تتحرك أمام المرآة، بينما ظلت عيناه تلاحقانها.
ليقول بصوت هادئ، لكنه يحمل يقينًا :
_أنا بعمل كده مع سيليا… يعني بناتي أكيد هحبهم.. ولو جبنا بنوتة، ودي امنيتي طبعًا وتكون شبهك مش هسرح لها بس، هحبها اوي
توقفت.. ثم قالت دون أن تنظر إليه:
_اطلع برة.
نهض من مكانه، واقترب منها حتى وقف خلفها مباشرة.
سألها فجأة:
_هو ليه مخلفتيش من مروان؟
التفتت إليه بسرعة.
كانت جملة بسيطة… لكن حروفها خرجت من جوفه مثقلة بسنوات من الغيرة والندم، كأن كل حرف منها يحمل وجع رجلٍ لم يملك يومًا حق السؤال.ولم تحتمل هي السؤال.. نظر اليها بعيونا لامعة بالدموع، وارتفع نبض قلبه بالغيرة
بينما هي هبطت دموعها رغماً عنها، وقالت بصوت متهدج:
_علشان مكنتش عايزة أبو ولادي غيرك.
اتسعت عيناه.. ورقص قلبه فرحًا
فتابعت، والدموع تنساب فوق وجهها بلا توقف:
_أنا انجبرت على الجواز… إنما أنت عملت إيه؟
لوحت بيدها في وجهه، وكأنها تحاول أن تُخرج من صدرها كل ما كتمته سنوات:
_جيت… باركت لي… ومشيت!
ارتجف صوتها وهي تضحك بمرارة:
_وعود… وعود… وعود… كلها هوا!
اقتربت منه حتى وقفت أمامه مباشرة، تحدق في عينيه بعينين أنهكهما الانتظار.
_أنا عشت سنة… بسنين حياتي كلها.
وضعت يدها فوق صدرها، وقالت بانهيار:
_كنت بتحمل دا كله كل يوم… على أمل إنك ترجع.
هزت رأسها، وانهمرت دموعها أكثر.
_بس رجعت متجوز… ومعاك بنت.
ابتلعت غصتها، ثم قالت بصوت مكسور:
_وبعد ده كله… متجوزني غصب عني! وبقيت خطافة رجالة، الكل بيبص علي اني خطفت راجل من مراته، وياريت تسكت على كدا، رمتني زي الكلبة عشر ايام، وانا عايشة في جحيم بعدك،
ضربته بقبضتيها على صدره، مرة تلو الأخرى، دون أن يحاول إيقافها.
_ليه رجعت؟ ضربة أخرى.. وصرخات متقطعة
_ليه عملت فيا كده؟
وأخرى، خرجت معها شهقة موجوعة:
_ليه دَبَّحتني كده؟
توقفت يداها أخيرًا، وانكسر صوتها:
_أنا كنت مستنياك يا عبدالرحمن…
كانت تلك الجملة هي التي هدمت آخر ما تبقى من مقاومته.
لم يقل شيئًا.. فقط مد ذراعيه، وسحبها إليه.
قاومت لحظة، ضربت صدره بضعف، ثم انهارت بين ذراعيه وكأن جسدها كان ينتظر هذا الحضن منذ سنوات.
ضمها إليه بقوة، وكأنه يخشى أن تضيع منه مرة أخرى.
ثم مال إليها، وقبّلها قبلة عاشق أنهكته المسافات، وأتعبه الانتظار، وفقد أخيرًا قدرته على التظاهر بأنه بخير.
أغمض عينيه، وكأن العالم كله انطفأ من حوله.. لم يعد هناك سوى هي.
دفء جسدها المرتجف بين ذراعيه، أنفاسها المتقطعة، ودموعها التي امتزجت بأنفاسه، وقلبه الذي كان يخفق بعنف حتى شعر كأنه يريد أن يخرج من صدره ويعتذر لها بنفسه عن كل ليلة تركها فيها وحيدة.
كانت قبلته تحمل كل ما عجز عن قوله.
كل اشتياق.. كل ندم.
كل ليلة نام فيها وهو يقنع نفسه أن البعد هو الحل.
يقبلها بجنون و قلبه يصرخ باسمهـا.. قبل شفتيه.. ظل يقبلها كأنه يسترجع روحه التي غابت منه منذ خمس سنوات، يريد أن يقسم لها أنها وحدها من سكنت الروح
افاقت قبلته كل الحواجز وكأن تلك القبلة لم تكن مجرد قبلة…اعتذارًا بلا كلمات.
وإقرارًا بأن بعض المشاعر، مهما حاول الإنسان دفنها، تظل حية… تنتظر لحظة واحدة فقط لتفضحه.
تعلقت أصابعها بقميصه، بينما ازداد احتضانه لها، وغاب الاثنان عن العالم للحظات بدت لهما كأنها عمر كامل.
حتى اختنقت أنفاسهما، ولم يسمعا سوى خفقان قلبيهما المتسارع، يطرقان بعنف كأنهما يتسابقان في الاعتراف بما أخفياه طويلًا.. يهمس لها ببعض كلمات العشق بين قبلاته، بينما هي تريد الاكثر حتى يهدأ قلبها… الى ابتعد لحظات حين سلب أنفاسها… نظر لعيناها ليرى هل تشعر بما يشعر به.. ابتعدت تدفن رأسها بعنقه، حاوط جسدها وسعادة العالم كله تمتلكه
لفت ذراعيها حول خصره، ووضعت رأسها على صدره تستمتع بدقات قلبه العنيفة، تشعر أنها ستخرج من صدره
_خديجة…. همس بها، ولكنها لم تتحرك، بل اغمضت عيناها لاتريد سوى أن تظل هكذا
قبل جيدها وهو يهمس إليها
_عايز أقولك سر
رفعت رأسها اليه
احتضن وجهها وطبع قبلة سريعة فوق ثغرها
_شوفتي عملتي ايه من بوسة، مش قادر ابعد، اياكي تبعدي عني، هقتلك بحبي، حبي صعب ومجنون
ارتجف قلبها وثار بجنون تنظر لعيناه
_دا السر… هز رأسه وابتسم يقرص وجنتيها
_الفراولة دي.. اعمل فيها ايه
نزلت ببصرها بخجل، رفع ذقنها
_بتحبيني!! بتحبيني زي مابحبك، انا بحبك أوي
صمتت تنظر اليه، وانسابت دموعها
انحنى يقبل دموعها، رفعت كفيها على وجهه، وهمست اسمه
_عبدالرحمن…
_روحه.. تبسمت ولاول مرة تضم وجهه
_أنا كمان عندي سر، معرفش، بس السر دا هيخليني مقدرش اقرب منك، مش باايدي والله… انا متفاجئة بنفسي وانا معاك دلوقتي
قطب جبينه وتاه عقله
_مش فاهم؟ تقصدي ايه؟!
نظرت وصمتت، ثم قالت
_قولي انت الاول، يمكن كلامك يشفيني، لاني موجوعة أوي، اوي فوق ماتتخيل
مرر انامله على وجهها بالكامل
_ألف سلامة عليكي من أي وجع ياحبيبة قلبي
_طب قول
_هقول… بس أنا مسمعتش منك بحبك لحد دلوقتي

