طُعم بيد أليفة ج2
_ادخل يا ماما.
التفتت إليه:
_ادخل يا حبيبي.
دخل عبدالرحمن ببطء.
وقعت عيناه على المقعد المتحرِّك الذي تجلس عليه فاتن، فتبدَّلت ملامحه للحظة،
ثم استدار نحو خديجة.
التي كانت لا تزال واقفة مكانها.
اقترب منها، وحاول أن يرسم ابتسامة هادئة على وجهه، رغم أن قلبه كان يختنق من رؤيتها بهذا الانكسار:
_إزيك يا خالتي، عاملة إيه؟
ارتعشت عيناها بالدموع، فأشاحت بوجهها بعيدًا.
سحب المقعد وجلس بجوارها:
_صحتك عاملة إيه؟ أنا مكنتش أعرف إنك..توقَّف، والتفت إلى والدته.
أكملت حسناء بهدوء:
_ما ردتش أقولَّك علشان متضايقش… بس هيَّ بقت أحسن من الأول.
ثم نظرت إلى خديجة بحنان:
_والبركة في ديجا…قاعدة تحت رجليها، ومش سايباها لحظة.
انبثقت دمعة ساخنة من عين خديجة.
ابتلعت غصَّتها، وقالت سريعًا:
_هعملك قهوتك يا خالتي.
ثم أسرعت نحو المطبخ، قبل أن تفضحها دموعها.
استندت إلى الرخامة بمجرَّد أن ابتعدت عن أنظارهم، وأغمضت عينيها بقوة.
انهمرت دموعها.
مسحتها بعنف، وكأنها غاضبة حتى من ضعفها.
لماذا عاد؟
لماذا عاد بعدما أقنعت قلبها بصعوبة أن غيابه هو النهاية؟
ليته لم يعد…ليته تركها تدفن حبَّه في صمت، بدلًا من أن يأتي ليوقظ كل شيء، ثم يتركها تحترق من جديد.
في الخارج، ظل عبدالرحمن يراقب اتجاهها، فنهض فجأة وقال:
_هجيب ميَّة، لاحظت فاتن نظراته، فتنهَّدت.
أما حسناء، فاقتربت منها وربتت على يدها:
_بيحبَّها يا فاتن…وعايزها، أنا عارفة إن اللي حصل غصب عنِّنا إحنا الاتنين، وعارفة إن الدنيا فرَّقت بينهم بطريقة محدش كان يقدر يمنعها…بس ابني لسه بيحبَّها، ولسه عايزها.
تحرَّكت شفتا فاتن بصعوبة:
_زعلانة منه…
ضغطت حسناء على كفِّها:
_اعذريه يا فاتن…مهما كان راجل، وهو شايف إنه اتغدر بيه.
خفضت فاتن عينيها، ولم تجب.
بالداخل..
كانت خديجة واقفة أمام الرخامة، تستند إليها ودموعها تنساب بصمت.
توقَّف خلفها مباشرة، يسمع أنفاسها المختنقة، ويرى كتفيها يرتجفان.
ظل يحدِّق فيها لحظات، وقلبه يؤلمه من رؤيتها تبكي بسببه، ثم قال بصوت هادئ على غير عادته:
_أنا مش عايز قهوة.
انتفضت في وقفتها.
أغمضت عينيها للحظة، ثم استدارت إليه سريعًا:
_أمال عايز إيه؟
ثبت عينيه عليها:
_عايز شربات، يعني بعد ساعات هتكوني مراتي.
شهقت بغضب:
_مرات مين! إنتَ مصدَّق نفسك؟! روح لمراتك وبنتك…أنا مستحيل أتجوزك، سمعتني؟!
اقترب منها خطوة:
_هنتجوز يا خديجة.
هزَّت رأسها بعنف:
_يبقى قابلني إن شاء الله.
_برضاكي…مش غصب عنك.
ضحكت وسط دموعها، ضحكة موجوعة:
_برضاي؟! وإنتَ فاكر إن كلمة “برضاكي” هتمسح كل اللي حصل؟! فاكر إنك تظهر بعد السنين دي كلَّها وتقول عايزني، فأنا أجري عليك وأنسى؟
اقترب أكثر، وعيناه تتفحصان وجهها الباكي:
_الدليل إنك لسه بتعيَّطي.
صرخت:
_أنا بعيَّط على نفسي!
ارتجف فكَّه..فقال بصوت أخفض:
_أنا لسه بحبك.
رفعت عينيها إليه، وكأن الكلمة آلمتها أكثر مما أسعدتها:
_وأنا مبقتش أحبَّك.
ظل يحدِّق بها:
_كدابة.
صرخت:
_أنا مش عايزاك يا عبدالرحمن! مش عايزاك في حياتي!
اقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى خطوات قليلة:
_هنتجوز يا خديجة…وهنتجوز برضاكي، فكَّري بعقلك، مش بوجعك. مش هتلاقي حد يحبك ويخاف عليكي ويعرفك قدِّي.
هزَّت رأسها وهي تبكي:
_بس أنا خلاص مبقتش أحبك.
ثم مسحت دموعها بعنف، وكأنها تريد أن تنتزع كل أثر له من وجهها:
_مفكَّرني لسه ببكي على أطلالك؟! امشي…اطلع برة.
ثم صاحت:
_اطلع برة يا عبدالرحمن! أنا مش عايزاك!
في الخارج، التقطت حسناء صوتها المرتفع، فنهضت واتجهت نحو المطبخ.
بالداخل كان عبدالرحمن قد فقد هدوئه.
فقال من بين أسنانه:
_اسكتي يا خديجة…علشان مزعَّلكيش.
صرخت في وجهه:
_برة!
ثم انفجرت بكل ما حملته في صدرها طوال السنوات الماضية:
_اطلع برة ! أنا مش شغَّالة عندك، ولا أنا مسؤولة عن بنتك، جايلي ليه؟! مفكَّرني هجري عليك أول ما تقول إنك عايزني؟!
انهمرت دموعها.
لكنَّها لم تتوقَّف.
_انسى!
ارتعش صوتها وهي تنطق الكلمات التي كانت تقتلها قبل أن تقتله:
_خديجة بتاعة زمان ماتت يا عبدالرحمن…وموِّتتك معاها.
تجمَّد مكانه..تابعت وهي تحاول أن تجعل صوتها أكثر قسوة مما يحتمل قلبها:
_ودلوقتي…أنا هرجع لطليقي.
رفع عينيه إليها…وبداخلها نيران قسوة
فتابعت وهي تبكي:
_على الأقل وقف جنبي وقت ما إنت كنت بعيد.
اشتعلت عيناه.
تحولت الغيرة في لحظة إلى نارٍ عمياء، وكأنها وضعت يدها على أكثر جرح يخشاه.
ركل المقعد الخشبي بقدمه، فصدر صوت عنيف هزَّ أرجاء المطبخ.
تراجعت خديجة خطوة.
اقترب منها، وملامحه لم تعد تحمل أي أثر للهدوء.
قال بصوتٍ خافت، لكنه كان أخطر من الصراخ:
_إنتِ…قلتي إيه؟
بقلم سيلا وليد