طُعم بيد أليفة ج2
خرجت حنان من المنزل، وما إن خطت إلى الشارع حتى لمحته يدلف بسيارته إلى الحي.
توقفت أمام السيارة، فرفع عبدالرحمن عينيه إليها، وظل يحدِّق بها لثوانٍ قبل أن يترجل منها.
اقترب:
_عادل لسه كان معايا.
اقتربت منه متسائلة:
_عملت إيه في خديجة؟ من ساعة ما رجعت وهي مش مبطَّلة عياط.
أسند عبدالرحمن جسده إلى السيارة، ولوّح بكفِّه لبعض جيرانه الذين ألقوا عليه السلام، ثم أعاد نظره إلى حنان:
_هتجوزها.
شهقت حنان، وصاحت بصوتٍ مرتفع:
_نعم يا أخويا؟!
التفتت حولها سريعًا بعدما انتبهت إلى نظرات الجيران، ثم عادت إليه هامسة بغضب:
_ده في المشمش!
رفع حاجبه ببرود:
_ما المشمش طلع وأكلناه.
_عبدالرحمن، ابعد عن البنت! كفاية اللي حصل لها منك ومن أخوها.
تغيَّرت ملامحه، واعتدل في وقفته:
_ممكن إنتِ اللي تبعدي عنها يا حنان؟ أنا عملت لها إيه؟ ردِّي عليا.
صمتت لحظة، ثم قالت بسخرية مريرة:
_ولا حاجة…اتجوزت وخلِّفت بس.
انطفأت ملامحه للحظة، وسحب عينيه بعيدًا، كأن الكلمة أصابته.
رفع بصره دون قصد، فوقعت عيناه على والدته الواقفة في شرفة المنزل، تراقبهما بصمت.
عاد ببصره إلى حنان وقال بهدوء حاسم:
_كان لازم أنساها.
رفعت حنان حاجبيها:
_ونسيتها؟!
بقلم سيلا وليد
_مش موضوعنا ده دلوقتي، أنا عايزك تقنعيها توافق بالرضا…لأنِّي هتجوزها، هتجوزها.
شهقت من جديد:
_عايزني أقنع خديجة تبقى زوجة تانية؟!
نفث دخان سيجارته ببطء، ثم نظر إليها بثبات:
_ليه لأ؟ مش الشرع حلَّل للراجل أربعة؟
هزَّت رأسها في صدمة:
_معقول؟! هو ليه كل الرجالة مش حافظة من الدين غير الكلمتين دول؟
نظر إليها بضيق:
_حنان، هيبقى ليها بيت مستقل باسمها، ومش هتحس إنها أقل من حد..وهروح لها تلات أيام في الأسبوع.
طالعته حنان بذهول، وكأنها للمرة الأولى ترى رجلًا تعرفه منذ سنوات وقد أصبح غريبًا عنها:
_بس إنتَ كده بتقتلها يا عبدالرحمن… إنتَ بقيت قاسي أوي.
_مابلاش كلام الأشعار ده يا حنان.
قالها بحدَّة، ثم خفت صوته:
_أنا عايزها علشان حبِّيتها في يوم من الأيام…وهي اتجوزت وكمِّلت حياتها، وأنا كمان اتجوزت وكمِّلت..كل واحد فينا حاول يعيش بعيد عن التاني… بس أنا لسه عايزها.
ابتلع غصَّته، ثم أضاف:
_يمكن غلط إني رجعت أطلبها بعد كل السنين دي، بس أنا مش هكدب عليكِ…أنا لسه بحبَّها.
نظرت إليه حنان طويلًا غير مستوعبة حديثه وقسوته:
_ليه يا عبد الرحمن؟
أجابها دون تردُّد:
_علشان تعبت من فكرة إني كل ما أقرَّب منها تبعدني…كل ما أحاول أنساها ألاقي نفسي متعلَّق بيها أكتر.
ثم أشار إليها بيده:
_إنتِ صاحبتها، وهي بتسمع كلامك. اقنعيها…لأني قرَّرت.
رمقته بنظرة ساخرة:
_قرَّرت…وهي ما لهاش أي قرار خالص
كتَّر خيرك والله.
ابتسم ابتسامة خالية من المرح:
_مش جايبك علشان أسمع كدا، أنا عايز آخدها غصب عنها.
ثم أضاف بلهجة حاسمة:
_وبالنسبة لطليقها…مش هيقدر يقرَّب منها.
_طب ومراتك، هتوافق؟
رفع عينيه إليها:
_ومراتي ترفض ليه؟ ما دام مش هقصر معاها في حاجة.
جزَّت حنان على شفتيها من شدة الغيظ:
_تعرف لو مش عيب وإحنا واقفين في الشارع، كنت ضربتك بالقلم على وشَّك.
اقترب منها خطوة، وقال ببرود مستفز:
_طب اختفي من قدامي، علشان لا شارع ولا جيران هيرحموكي مني… وصاحبتك الغبية دي هتكون مراتي، وقبل الجمعة كمان.
اتَّسعت عيناها:
_مفتري!
استدارت وغادرت وهي تتمتم بكلمات غاضبة، بينما تابعها عبدالرحمن بعينيه، ثم زفر بضيق:
_نسوان غبية…لا الطبطبة نافعة، ولا القسوة نافعة.
ما إن دخل عبدالرحمن المنزل حتى قابلته والدته:
_خير يا ابني، مالها حنان؟
خلع سترته بإرهاق وألقاها جانبًا:
_مفيش يا ماما.
قبل أن تسترسل في أسألتها، رن هاتفه.
مرة…ثم ثانية…ثم ثالثة.
أخرجه من جيبه، وما إن رأى اسم المتَّصلة حتى ظل ينظر إليه للحظات، ثم ألقى الهاتف بعيدًا فوق الأريكة، وكأنه لم يعد يملك طاقة لمواجهة أي حديث آخر.
التقطت حسناء الهاتف بعينيها:
_دي ماسة…مش بترد ليه؟
أغمض عينيه للحظة:
_بعدين يا ماما… اقعدي، عايز أتكلِّم معاكي في موضوع مهم.
نظرت إليه بقلق، وجلست بجواره.
تلفَّت حوله قبل أن يسأل:
_عمر هنا ولَّا لأ؟
_لا، مش هنا.
أومأ، ثم جلس أمامها، بينما مدَّت يدها تربت على كتفه بحنان أم يعرف أن ابنه يحمل فوق قلبه ما لا يقوله:
_مالك يا حبيبي؟ حاسة إنك مش سعيد من فترة، وإحنا حتى ما اتكلمناش في موضوع ماسة…ليه عايزة تسافر؟
رفع عينيه إليها.
ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه يبحث عن الشجاعة التي تسمح له بنطق ما قرَّره قلبه منذ زمن..ثم قال:
_ماما…أنا هتجوز خديجة.
تجمَّدت حسناء في مكانها للحظات:
_خديجة مين؟
ابتسم ابتسامة موجوعة، وقالها كأن الاسم وحده قادر على فضح كل ما أخفاه:
_حبيبة ابنك.
ارتجف صوته في الكلمة الأخيرة.
نظرت إليه حسناء طويلًا، ولمحت تلك الطبقة اللامعة من الدموع التي يحاول ابنها أن يخفيها خلف عينيه.
همست:
_لسه بتحبَّها يا عبدالرحمن؟
لم يجب، ولكنه تمدَّد فوق الأريكة، ووضع رأسه على ساقي والدته.
مرَّرت يدها بين خصلاته.
قال بصوت خرج مكسورًا من أعماقه:
_أوي يا أمِّي…
سكت لحظة، ثم تابع:
_كأنها لعنـتي في الدنيا. حاولت بكل الطرق أنساها…والله حاولت..عشت، واتجوزت، وخلِّفت، وقلت خلاص… يمكن الوقت يمحيها…ارتعشت شفتاه:
_بس حصل العكس.
نزلت دمعة من عينه، فأسرع بإخفائها:
_كل ما بعدت عنها، حبِّي ليها كان بيزيد، وكل ما قلت لنفسي إنها بقت لحد تاني…قلبي كان بيرفض يصَّدق.
مسحت والدته على شعره بحنان:
_لدرجة دي؟ حتى بعد ما اتجوزت… يعني إنتَ هترضى إن…
لم تكمل..دفن وجهه في حجر والدته، وترك لدموعه التي حبسها طويلًا أن تنزل أخيرًا:
_راضي يا أمِّي…
شهقت حسناء وهي تمرِّر يدها على رأسه.
_قلبي بيوجعني أوي. أنا مش عايز حاجة من الدنيا دي غير إني أرتاح… وراحتي معاها.
اغرورقت عينا حسناء بالدموع، وانحنت تقبِّل رأسه:
_اتجوزها يا حبيبي…لو ده قرارك، ولو هيَّ موافقة، متحرمش نفسك منها. يمكن ربنا كتب إن الطريق اللي اتقفل زمان…يتفتح دلوقتي.
رفع عينيه إليها، وكأنه يبحث في كلماتها عن أمل.
تابعت بحذر:
_أنا سمعت إن جوزها كان بتاع ستَّات، وإنهم أخدوا اللي وراه واللي قدامه، واتسجن لما اتمسك في قضية…مش عارفة تفاصيلها.
أغمض عينيه بضيق:
_مش عايز أعرف حاجة عن أي حاجة يا أمي..ثم فتح عينيه، وقال بوجع:
_أنا عايزها هي وبس.
ابتسمت والدته بحنان:
_طب ما تقولَّها كده…يمكن هي كمان لسه بتحبك.
هز َّرأسه، وابتسم:
_متأكد إنَّها بتحبني، عارف عيونها لمَّا تفضحها.
ابتسمت حسناء:
_عشقان يا بن حسناء، الله يرحمك يا سلطان، كان يقول عبدالرحمن قسوته دي مش هيوقَّعها غير ست.
أومأ ولمعت عيناه بابتسامة:
_ووقعت يا أم عبدالرحمن، شوفتي البنت البريئة عملت في ابنك إيه، أنا كنت راجع وبقنع نفسي مستحيل أرمي عليها السلام حتى لو شفتها صدفة، بس لمَّا شفتها مكنتش عايز حاجة غير إني أخدها في حضني بس.
نظر لوالدته:
_خديجة مش مجرد حبيبة وبس، دي الروح.
لمست والدته وجهه بحنان:
_ربنا يسعدك يا بني…كان نفسي تكون أول نصيبها، بس هنقول إيه غير نصيب.
اعتدل في جلسته ونظر إليها:
_خديجة اتجوزته علشان عملية أمَّها.. انجبرت تختار، ورغم إنها انجبرت بس هعرَّفها يعني إيه تتخلى عني بسهولة.
لكزته حسناء بصدره:
_مالك يا واد، بتتكلم كأنها مراتك وخلاص.
_لأنها كدا يا أمي، أنا أخدتها مربية علشان كدا، عايزها تتعوِّد.
_فهمت إنك حطيت سيليا طعم يا بن سلطان.
_منكرش كنت مضايق منها، بس لمَّا عرفت غصبها على الجواز نسيت كل حاجة نسيتها.
أومأت حسناء بأسى:
_سمعت بكده فعلًا…يعني مش زي ما إنتَ فاكر، حبيبتي اتجبرت على الجواز.
وضعت كفَّيها فوق يده:
_وبعدين أنا طول عمري لمَّا كنت بشوفها، كنت بحس إن عينيها بتدوَّر عليك، كانت عايزة تعرف أخبارك، حتى لو كانت بتخبي ده.
لمعت عينا عبدالرحمن، وظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة:
_دي عشقي يا أم عبدالرحمن.
ضحكت حسناء ومسحت دموعها:
_تستاهل يا واد…

