رواية موعد مع المجهول
للكاتبة إيمان عادل الصياد

الفصل الحادي عشر.
(( حبيبي باتت عيناي تبحث عنك بين سطور كلماتي. أين كنا؟، و أين أصبحنا؟.
-لقد أصبحت گ طلاسم لغزٍ مجهول، أبحث له عن حلول.
-آهٍ لقلبٍ بات من هجر الحبيب ملتاعٍ. )).
-التفت وكيل النيابة ليرى ما سقط على الأرض، و دنى شريف منه قليلا و التقطه متفحصًا ما تحتويه سطور هذا الدفتر من كلمات.
-اقترب منه وكيل النيابة متسائلاً: دفتر مين فيهم ده يا حضرة الضابط؟.
بحث شريف بين صفحات هذا الدفتر عله يعرف لمن هذا الدفتر، و لكن دون جدوى لم يجد ما يرشده لهوية مالكه فأجابه قائلا: الدفتر مش مكتوب عليه اسم حد، لكن باللي مكتوب في الدفتر ده ممكن أكيد وراه حاجة مهمة.
– مد وكيل النيابة يده إلى شريف حتى يعطيه الأخير الدفتر، و بالفعل أعطاه شريف الدفتر فأمسكه وكيل النيابة، و فعل مثلما فعل شريف أخذ يقلب صفحاته، و لكن ما استرعى انتباهه فقرة مكتوبة في احدى صفحاته فأخذ يقرأها بتركيز حيث قرأ: ( أما شعرت يومًا بما يكنه له قلبي؟. اما خبرك قلبك أن هناك فتاة تحترق شوقا بلهيب حبك؟، ألم تخبرك عيناي كم كانت سعادة قلبي عند لُقياك؟، فلما.. فلما قابلت هذا العشق بكل هذا الغدر؟. كان قلبك لي أنا، فأنا من تستحق حبك لا تلك.، لم أقوى على رؤيتكما معا، لم يحتمل قلبي هذا الأمر….)
– بعدما انتهى وكيل النيابة من قراءة تلك الفقرة نظر إلى شريف قائلا: أعتقد كده الأمور وضحت، و القضية انتهت، و أكمل حديثه، و هو يشير إلى الدفتر قائلا: باللي مكتوب في الدفتر ده يا حضرة الضابط الصورة أصبحت واضحة، و بكدة اكتملت أركان الجريمة لكن لسه أهم، و أقوى دليل.
– أجابه وهو يتحرك بأركان الغرفة قائلا: سلاح الجريمة.
أومأ وكيل النيابة موافقا شريف على كلامه.
– بعد دقائق معدودة انتهى الاثنان من البحث في تلك الغرفة، و أغلقها العسكري الذي كان بصحبتهم بالشمع الأحمر مرة أخرى لأن القضية لازالت لم تغلق بعد.
-غادر شريف، و وكيل النيابة المدينة الجامعية معًا بسيارة شريف، و في الطريق دار بينهم حديث عن هذا الدفتر فسأله شريف: الدفتر ده زي ما هو دليل إدانة وارد جدا يكون دليل براءة.
– نظر إليه وكيل النيابة بتركيز يستمع لتحليل الضابط شريف.
– أكمل شريف حديثه عندما رأى وكيل النيابة يستمع له بإنصات قائلا: وارد جدا إن واحدة منهم تكون بتكتب مجرد كلام على ورق لأن في بعض الناس كده. ما ينفعش تصرح بالكلام ده، فتلجأ بكتابته علي الورق. رد عليه وكيل النيابة: أكيد يا حضرة الضابط، لكن دي جريمة قتل كل دليل فيها بيخدم القضية لازم يؤخذ بعين الاعتبار سواء لمصلحة المتهم أو ضده، و خاصة إن الكلام اللي مكتوب في الدفتر ده يثبت صحة الاتهام الموجهة للبنت دي.
-صمت الاثنان بعدها و أكملا طريقهما، و كل منهم يفكر بحل لغز تلك القضية.
**************
في منزل عبد الرحمن كان الحزن على ما تواجهه أحلام يسود الأجواء، فلقد كانت حالة الجد، و الجدة لا يرثى لها على حفيدتهم، خاصة عندما شعروا بعجزهم عندما قاموا بزيارتها، و أنهم مكتوفي الأيدي لاحول لهم، و لا قوة.
-لم تختلف حالة عبد الرحمن، و زوجته عن حالة والديه كثيرا، و لكن تابع عبد الرحمن بنفسه القضية مع عزت يوميا يزوره بمكتبه ليطمئن منه على ما يحدث في التحقيقات، و إلى ما ستؤول إليه الأمور في الأيام القادمة.
– تدخل عزت بعلاقاته، و اتصالاته بعميد الكلية طالبًا منه تأجيل أية إجراءات قانونية من مجلس الكلية تجاه أحلام مؤقتًا، بعدما طلب عاصم منه ذلك، عندما ابلغه أحدهم أن مجلس الكلية قد قرر اتخاذ اللازم تجاه أحلام.
و لكنه تدخل لإنقاذ الموقف حتى لا تخسر المسكينة مستقبلها.
– لم تكترث ساندي لكل ما يحدث حولها فلقد كانت مهتمة بنفسها دون مراعاة شعور الآخرين تستمع إلى الأغاني بصوت عالي داخل غرفتها، بدأت تهتم بنفسها بصورة مبالغ فيها، لاحظ ذلك الجميع ولكن لم يتحدث أحدهم إليها سوى والدتها التي حذرتها أكثر من مرة بأن تتصرف بحذر وأن تراعي مشاعر جديها، و والدها، وإلا سيكون لها عقاب عسير على تلك التصرفات.
– ضربت ساندي بكلام والدتها عرض الحائط غير ابهةٍ لتهديدات والدتها.
– سليم لم يدخر جهدا لإنقاذها فلقد عكف على دراسة تلك القضية المعقدة إلى جانب جهود عاصم، وعزت.
حاول مرارًا، و تكرارًا البحث عن وسيلة ما أو ثغرة يستطيع من خلالها إثبات براءتها من تلك التهمة البشعة، و لم يكن الدافع الذي يحركه كونها ابنة عمه فقط، و لكن الدافع القوي لتلك المحاولات أن تلك الطفلة التي كبرت، و ترعرعت على أيديهم لا تقوى على قتل بعوضة فما بالها بروح بشرية كيف لها أن تجرؤ على ذلك.
– دبت الغيرة بقلب “سارة” خطيبته لإهماله لها، و انشغاله بقضية ابنة عمه، مما زاد كرهها، و بغضها لأحلام، و لكنها لا تعرف للاستسلام عنوان فقررت أن تزرع الشك في قلبه تجاه أحلام.
– استغلت المرات القليلة التي كانا يلتقيا بها في الحديث عن تلك القضية من يراها للوهلة الاولى يخدع بها؛ ففي إحدى المرات كانا يجلسان معا في إحدى المطاعم المطلة على ضفاف النيل، كان سليم شارد ينظر إلى مياه نهر النيل متناسيا تماما أمر خطيبته، التي أصرت على ان يلتقيا اليوم ليتناولا معًا وجبة الغذاء، مما جعله بالأخير أن يرضخ لرغبتها بعد إلحاح شديد.
– فهو أيضا بحاجة إلى أن يبتعد قليلا عن أجواء المنزل المتوترة، و لو لساعات قليلة.
– كانت سارة تراقبه بغيظ شديد ساخطة على تلك الغبية التي سلبت عقل حبيبها منه، و جعلته يشرد طويلا يفكر به. حتى، و إن كان لا يفكر بها كحبيبة فهي وحدها فقط من تربعت على عرش قلبه ( لكنها كأي أنثى لا تقبل أن يحتل أحد سواها قلب، و عقل من تحب).
– فقررت أن تصرفه عن ما يشغل تفكيره ولو قليلا قائلة بصوت رقيق يملؤه أنوثة و دلال: سليم وحشتني أوي.
-التفت إليها سليم مبتسم بهدوء وهو ينظر لعينيها بشوق كبير، فلقد انشغل عنها في الآونة الأخيرة بقضية ابنة عمه قائلا لها: و انتِ كمان وحشتيني أوي يا سارة.
– أكملت سارة بدلال زائد إعتاد عليه سليم فهذا الدلال هو ما أسر قلبه منذ أن رآها قائلةً:
كده أهون عليك؟، قدرت تنشغل عني يا حبيبي؟.
أجابها سليم وهو لايزال يحتفظ بابتسامته الجذابة التي أسرت قلبها قائلا: عمرك ما تهوني يا عمري، و أنا لا يمكن أقدر أنشغل عنك يا قلبي .
( لم يكن سليم يدرك أنه لم يحب سارة، و إنما كان إعجاب بشخصيتها المتحررة والتي تواكب مظاهر هذا العصر الخادعة، والتي بسهولة تخدع أي شاب ذو نظرة سطحية للأمور، و نجحت سارة منذ ان وقعت عينيها عليه في نسج شباكها حوله، حتى سقط فريسة لها، بعدما خدعته بإسم الحب، فهي تشبه فتيات كثيرة من بنات جنسها تمتلك مقومات الجمال، و المستوى الاجتماعي المرموق، و لكنها تطمع في الاكثر من ذلك، لا يمكن لأحد أن يلحق بتطلعاتها، و أطماعها.)
-بدأت تتصنع الحزن لانشغاله عنها، و نجحت في أن تجعله يعتذرمنها كثيرًا محاولاً ارضائها. مما جعلها تكمل تمثيلها بأنها سامحته، و نجحت في أن تحتل عقله، و قلبه مرةً أخرى.
– إلى أن صدح صوت رنين هاتفه في المكان فتجاهله في المرة الأولى، و لكنه اضطر بالأخير أن يرد على الاتصال عندما رأى على شاشة هاتفه هوية المتصل.
-زفرت سارة بضيق فحتى لحظاتهم القليلة معًا لا تكتمل للنهاية، و لكنها كانت تستمع بتركيز لحديث سليم مع والده.
– تحدث عبدالرحمن مع ابنه بغضب شديد قائلاً: ألو… إيه يا أستاذ سليم مبتردش على تليفونك ليه؟
– أجابه سليم معتذرا قائلا: آسف يا بابا ما اعرفش إن حضرتك اللي بتتصل.
– تجاهل عبد الرحمن اعتذار ابنه قائلًا: المهم، تعالى فورا عزت اتصل عليا، و طلب نروح له الشركة فورًا، و أغلق المكالمة دون انتظار رد ابنه.
– نظر سليم بدهشة لهاتفه يحاول تصديق ما حدث أأغلق والده الخط بوجهه دون سابق إنذار؟، و لكنه تجاوز تلك الدهشة سريعًا و وقف في عجالة من أمره قائلا لخطيبته: حبيبتي آسف جدًا يا روحي لكن زي ما سمعتي لازم امشي دلوقتي.
-تحدثت سارة بابتسامة باهتة، و هي تحاول ان تخفي غضبها: ولا يهمك يا حبيبي أنا متفهمة الظروف، ثم أكملت بخبث: إن شاء الله كل حاجة تبقى تمام، و بكرة تخلص من القرف ده.
-لم ينتبه سليم لكلماتها لأنه كان في عجالة من أمره، و التفت يستدعي النادل ليدفع له الفاتورة.
– خرج سليم، و سارة من المطعم، و استقلا سيارته ليوصل سارة إلى منزلها، و من ثم سيذهب إلى والده.
-أكملت سارة لعبتها الخبيثة عندما تحدثت إلى خطيبها قائلة: سليم. يا سليم.
كان سليم يفكر في الأسباب التي جعلت عزت يطلب لقائهم في شركته، و لم ينتبه لثرثرتها.
– عادت سارة تتحدث مرة أخرى بعدما مدت كف يدها تلامس أصابعه الممسكة بمقود السيارة قائلة: مالك يا حبيبي؟
أجابها سليم بتلقائية: بفكر في السبب اللي يخلي المستشار عزت يطلب مقابلتنا.
– ردت سارة بسخرية قائلة: أكيد قضية أحلام هانم.
-رمقها سليم بغضب على تلك السخرية.
– أكملت سارة حديثها متجاهلة نظراته الغاضبة قائلة: تفتكر يا سليم ممكن فعلا أحلام تكون قتلت صاحبتها؟.
– أجابها سليم بتلقائية قائلا: طبعا لا، أنا واثق إن أحلام متعملش كده.
– أكملت سارة باستهزاء من ثقته المفرطة بتلك الغبية ( كما تطلق عليها سارة، و ساندي)، و هي تتأمل الطريق من نافذة السيارة قائلة: بلاش يا روحي الثقة الزائدة أوي دي المدينة الجامعية مليانه بلاوي، اسألني أنا، أنا بنت، و أقدر أفهم البنات بتفكر ازاي.
– التفت سليم ينظر إليها، و الشرر يتطاير من عينيه قائلا بسخرية:
ده على أساس إنك سكنتي في المدينة الجامعية قبل كده ياروحي.
وعاد ينظر امامه وهو يقود السيارة.
– أجابته سارة ببرود شديد متجاهلة سخريته قائلة: لأ ياروحي، لكن قولتلك قبل كده أنا بنت واقدر افهم البنات بتفكر إزاي، وبعدين وارد جدا إن أحلام يكون عندها الدافع لإرتكاب الجريمة، صدقني يا حبيبي قلب البنت مننا زي المحيط مليان أسرار لا يمكن حد يعرفها، حتى لو متربيين مع بعض تحت سقف واحد.
…………………………………………………………………

