رواية موعد مع المجهول
للكاتبة إيمان عادل الصياد

الفصل السادس.
أبدلت أحلام ملابسها، و استعدت للذهاب للجامعة، و هي عازمة على أن تنفذ ما توصلت إليه من حل؛ فلقد بات وجودها بمنزل عمها أمرًا مستحيلا.
-لن تستطيع أن تصمد هكذا كثيرا، و من الممكن أن يتسبب لها هذا الأمر بشيء من الحرج أمام العائلة، و أيضا لن تستطيع التركيز بدراستها في تلك الأجواء، و حتمًا ستنتهي بالفشل، و هذا ما لن تسمح بحدوثه أبدا.
* لقد أصبحت معركتها الآن مع الحياة، فإذا كان مقدر لقلبها أن تخذله الأيام، فلن تسمح للقدر أن يخذلها أيضا بمستقبلها.
-استسلمت أحلام للأمر الواقع، مدركةً بأن سليم لم يشعر نحوها بأية مشاعر قط، و أنها ستظل فقط كما يراها أختا له گ ساندي، وعليها منذ الآن أن تعتاد على هذا الأمر الجديد.
ذهبت أحلام للجامعة، ولكنها لم تحضر أيا من محاضراتها.
فلقد توجهت بعدما تركها سليم على الفور لمبنى المدينة الجامعية الموجود بداخل الحرم الجامعي.
( فكرة وجود المدينة الجامعية داخل الحرم الجامعي فكرة مستوحاه من وحي الخيال).
-توجهت على الفور لإدارة المدينة الجامعية، و سألت الموظفة الموجودة هناك عن كيفية التقدم للسكن بالمدينة الجامعية، و لكنها فوجئت بالموظفة، و هي تبلغها أن التقديم يتم بالإجازة الصيفية في وقت محدد، و باب التقدم مغلق الآن.
-ترجتها أحلام بأن تحاول ان تساعدها في هذا الأمر. فقالت لها الموظفة: كل اللي أقدر اساعدك فيه أوصلك لمكتب المديرة، وهي اللي تقدر تفيدك في الموضوع. على الفور توجهت أحلام مع الموظفة لمكتب المديرة .
دخلت معها الموظفة، و أبلغتها بطلب أحلام.
-رحبت المديرة بأحلام وسألتها الأسئلة المعتادة قائلة: انتِ بلدك إيه يا..، و نظرت لبطاقة أحلام الشخصية، و كارنيه الكلية، وأكملت قائلة: انت من الشرقية يا أحلام.
-ردت أحلام علي سؤالها بأدب قائلة: ايوه يا فندم أنا من الشرقية.
-سألتها المديرة مرة أخرى: طيب إيه اللي أخرك عن التقديم في المدينة؟.
-ردت أحلام عليها: في الحقيقة أنا ساكنة مع عمي، و أسرته لكن لو سكنت في المدينة الجامعية هيكون أفضل ليا.
– سألتها المديرة مرة أخرى : طيب والدك ، و والدتك عارفين إنك عاوزه تسكني بالمدينة الجامعية.
– ردت أحلام عليها بنبرة يشوبها الحزن تجاهد أن تخفيها، و لكن لاحظتها المديرة فهي سيدة تمتلك فراسة شديدة: بابا، و ماما الله يرحمهم من ٨ سنوات، و حاليًا عايشه مع جدي، و جدتي في الشرقية.
ابتسمت المديرة ل أحلام، و كأن القدر يرسل لها مرة أخرى بارقة أمل جديدة.
-امسكت المديرة بقلمها، و أخذت ورقة من الورق الموضوع أمامها على المكتب قائلة وهي تكتب بعض العبارات علي تلك الورقة: لحسن حظك النهارده الصبح في مكانين فضيوا لأن بنتين اخوات والدهم انتقل القاهرة جديد، و انتقلوا للسكن معاه، و طبعا گ إجراء استثنائي جهزي الأوراق المطلوبة، انا كتبتها لك في الورقة دي، و لازم ولي أمرك يجي معاكي يقدم لك لأنك لسه قاصر، و مدت يدها بالورقة لتعطيها لأحلام التي أخذتها بسعادة قائلة: شكرًا جدًا لحضرتك متعرفيش حضرتك ساعدتيني إزاي.
-ردت المديرة قائلة: بالتوفيق.
-خرجت أحلام بسعادة من مكتبها، و ذهبت بعد ذلك إلى الكلية، لتحضر ما تبقى لها من محاضرات، و بعد انتهاء المحاضرات عادت آخر اليوم إلى منزل عمها مع سليم كالمعتاد، انقضى هذا اليوم كسابقه.
***********
في صباح اليوم التالي
– استعد الجميع للسفر لزيارة جدهم، و جدتهم، و لكي يخبرهم
عبد الرحمن بزيارة عروس سليم بعد أسبوعين نظرًا لسفر والدها المفاجئ خارج البلاد. وصل الجميع إلى الشرقية، و رحبت بهم زينب، و محمد بحفاوة؛ فلقد اشتاقوا إليهم كثيرا بعدما منعتهم مسؤولياتهم من الحضور لزيارتهم شهرا كاملا. جلس عبد الرحمن مع والده وحكى له عن عروس سليم وعائلتها، وأخبره بسفر والد العروس للخارج بسبب أعماله وسيعود بعد شهر للقائهم.
-فرح الجد كثيرا بأن حفيده سيتزوج، وسيمتد اسم القاضي لأجيال أخرى، و اتفقا هو، و ولده أنه سيذهب هو، و والدته معهم لطلب يد العروس.
*في المساء*. جلست أحلام مع جدها، و جدتها لتتحدث معهم في أمر انتقالها للمدينة الجامعية في محاولة لإقناعهم. فلقد كان شرط جدها من البداية ان تقيم عند عمها بمنزله حتى يطمئن عليها.
– فكانت مهمة أحلام صعبة للغاية في بادئ الأمر وترددت كثيرا في إخبارهم بالأمر.
– بدأت تتحدث مع جدها، و جدتها في الأمر اللذان كان ينصتان لها، بدهشة كبيرة لما هذا القرار المفاجئ فلقد شعر الجد حينها بوجود شيء ما تخفيه أحلام عنهم. لكن الجدة كل ما كان يدور بخلدها أنها تعتقد خجل أحلام من وجود سليم معها بمنزل واحد. بعدما انتهت أحلام من حديثها نظرت لجديها في ترقب شديد لردة فعلهم.
-تحدث الجد بجدية تلك المرة قائلا: يعني انتِ عاوزه تسيبي بيت عمك، و تروحي تسكني في مدينة جامعية للبنات صح.
– أومأت أحلام برأسها قائلة: ايوه يا جدي.
-ضحك الجد بسخرية قائلا: و يا ترى إيه السبب اللي مخليكي عاوزه تسيبي بيت عمك وتروحي تسكني مع ناس غريبة عنك يا بنت عبد الله.
تلألأت الدموع بعينيها على ذكر جدها اسم والدها فندم محمد على ما تلفظ به قائلا: سامحيني يا بنتي لكن عاوز أعرف السبب اللي يخليكي عاوزه كده، حد منهم ضايقك بكلمة، و لا حاجة.
– ردت أحلام سريعا: لا والله يا جدي أبدا بالعكس بيعاملوني كويس جدا لكن انا يا جدي هكون مرتاحة هناك اكتر مع زميلاتي، هنشجع بعض على المذاكرة أكتر يا جدي.
لم يقتنع جدها بكلامها فظل صامتا، و لكن احلام أقسمت عليه بذكرى والدها أن يقبل، و ان يساعدها، و أن يذهب معها كي يقدم لها هناك،
-وعندما سيرى تلك المدينة سيطمئن قلبه. رق قلب جدها وجدتها عندما أقسمت بذكرى والدها. فربتت الجدة على كتفه قائلة: خلاص يا محمد دي حلفتك برحمة الغاليين، روح معها، و شوف المكان ده شكله إيه، و بعدين بنتنا انا عارفة انا مربياها ازاي أنا مربية أحلام على التدين، و ربنا موجود في قلبها، (واللي ربه في قلبه عمره ما ينخدع من عبده).
تنهد محمد بنفاذ صبر قائلا: حاضر، وأما أشوف أخرتها معاكي إيه يا بنت عبد الله.
ضحكت أحلام وهي ترتمي في أحضانهم معا قائلة: آخرها هكون سيادة المستشار أحلام القاضي يا جدو.
ضحك جديها على مشاكستها لهم. جلس محمد مع ولده عبد الرحمن بعد ذلك ليخبره بما طلبته منه أحلام وأخبره انه سيذهب معهم إلى مصر ليذهب للمدينة الجامعية ليقدم لها بها لتكمل ما تبقى من هذا العام هناك وبعدها سينقل أوراقها لجامعة الزقازيق.
– تفاجئ عبد الرحمن من طلب أحلام وأرسل في طلبها ليسألها أمام جدها عن السبب وراء هذا الطلب الغريب، ولكن أحلام لم تقل شيئا سوى نفس المبررات التي قالتها لجديها .
– انفعل عبد الرحمن قليلا، و ارتفع صوته، وهو يتحدث معها، وأتى الجميع على صوته يتساءلون عن سبب انفعال عبد الرحمن.
-حزنت سعاد عندما أخبرها عبد الرحمن برغبة احلام بالسكن بالمدينة الجامعية، و اقتربت منها لتسألها أمام الجميع ما السر وراء هذا؟ أحدث من أحدهم شيئا خطأ معها؟
– أمسكت أحلام يد سعاد بحب حقيقي والدموع تتلألأ من عينيها قائلة بمشاعر صادقة لم تشعر بها سعاد من ابنتها من قبل: أنا لو أمي كانت عايشه لدلوقتي مكنتش هتتعامل معايا بالحنان اللي عاملتيني به في بيتك، اكرمتني، و حافظتي عليا، كنتي بتخافي عليا كأني بنتك حقيقي، بالعكس أنا ما حدش زعلني في البيت، لكن حقيقي أنا هكون مرتاحة في المدينة الجامعية أكتر. فرصة وجودي مع زميلاتي هتساعدني أتفوق على نفسي. أرجوكم متزعلوش مني، و اقتربت من عمها معتذرةً له قائلة: آسفة يا عمو بجد لو ضايقتك لكن والله أنا ما شوفت في بيتك غير كل خير، و حب، و نظرت ل ساندي التي كانت تتابع الموقف بسعادة حقيقية باديةً على وجهها، و من ثم نظرت بعدها لسليم وتحدثت بصوت مهزوز قائلة: ولادك، يا عمي اخواتي عمري ما حسيت للحظة إني مجرد بنت عمهم، و خلاص. ساندي أختي الصغيرة . (ابتسمت ساندي بسخرية دون أن يراها أحد منهم), و سليم أخويا الكبير، و قدوتي.
-رد سليم بتهكم قائلا: اخواتك، و عايزه تروحي تسكني في مدينة جامعية، أُمال لو كنا يا بنتي بنعاملك معاملة وحشة كنتِ هتعملي إيه؟!.
-والتفت إلى جده، و والده قائلا: أنا مش موافق على الهبل اللي بتقوله حفيدتك ده يا جدي، و ما لوش عندي غير تفسير واحد بس إنها متدلعة دلع ماسخ.
– انفعل عبد الرحمن و عنف سليم أمامهم جميعا قائلًا: اخرس … انت اتجننت؟، ازاي تتكلم مع جدك بالطريقة دي، و لا عشان رجلك شالتك هتنسى نفسك؟ فوق يا أستاذ، و الزم حدودك في الكلام. و اتفضل اعتذر لجدك.
شعر سليم بالحرج مما قاله فاقترب من جده ليعتذر منه قائلا: أنا آسف يا جدي. حقيقي آسف أنا مقصدتش الكلام اللي قولته دلوقتي.
بعد إذنكم، و استأذن منهم، و خرج مغادرا المنزل، بل، و البلدة بأكملها عائدًا إلى القاهرة، بعدما نظر لأحلام شذرًا، و هو يغادر امام أعينهم
جميعا.
-تحدث عبد الرحمن بعدها قائلا: أنا آسف يا والدي على الطريقة اللي اتكلم بها سليم، و نظر لأحلام بحنان، وعيون حزينة قائلا: أنا دائما بيتي مفتوح لك يا أحلام، و كنت أتمنى متخرجيش منه إلا على بيت جوزك.
-بس عاوزك تعرفي يا بنتي إننا بنحبك جدا، و انتِ غالية عندنا جدا، و مهما حصل بيتي هيفضل مفتوح لكِ أي وقت، و أتمنى ترجعي عن قرارك ده، لأني بصراحة مش موافق عليه.
– اقتربت أحلام منه، و هي تتحدث إليه بحب حقيقي صادق: و أنا والله يا عمو بحب حضرتك جدا، لكن أرجوك لو بتحبني توافق.
-وبعدين أنا هجيلكم ازوركم كل آخر أسبوع، و هقعد معاك الاجازة كلها كمان.
– ردت سعاد، و هي تربت على كتفيها قائلة، و إحنا هنتظرك يا أحلام، و هتلاقيني جنبك أي وقت يا حبيبتي.
– ودع عبد الرحمن والديه بعدما أخبره محمد ببقاء أحلام معه ليومين وسيأتي معها إلى القاهرة للانتهاء من إجراءات دخولها المدينة الجامعية. انقضى اليومان سريعا وسافر محمد، و حفيدته إلى القاهرة، و أكمل إجراءات دخولها المدينة الجامعية مع عمها، و زوجته التي أصرت على الذهاب معهم للاطمئنان على أمور أحلام في تلك المدينة الجامعية.
-وبعدما إطمئنوا لكافة الأمور ورأت سعاد غرفتها التي ستسكن بها ولحسن حظها أن رفيقتها بالغرفة معها أيضا بنفس الكلية وبنفس الفرقة.
– قبل أن تغادر سعاد المدينة مع زوجها، وحماها تركت أرقامها لمديرة المدينة الجامعية، وأخذت رقم هاتفها الشخصي، لتطمئن منها على أحلام بصورة دائمة.
-وغادروا المدينة الجامعية، بعدما تركوا أحلام بها تواجه المجهول.
سقط القلم من يد أحلام عندما فزعت لفتح الباب فجأة، و بقوة.
لتجد إحدى العساكر يقف أمامها قائلا: قومي يا متهمة هتترحلي على النيابة. تساءلت احلام قائلة: هي الساعة كام دلوقتي؟



