دموع ملكة للكاتبة / إيمان عادل الصياد
الفصل الثالث

الفصل الثالث
في منزل سميرة.
سميرة هي الشقيقة الكبرى لمحمود تخرجت من كلية التجارة بعدما درست فيها إدارة الأعمال، لم ترث من والدتها شيئًا سوى جمالها، أما جمال اخلاقها وقلبها الرقيق ورثتهم من والدها فلقد كانت تتمتع بقلب طيب وحنون لا تعرف للطبقية أو للغرور طريق، كانت فتاة حالمة كمثيلاتها من بنات جيلها أن يأتيها الفارس بحصانه الأبيض ليحملها معه إلى عالم الأحلام الوردية، ولكن القدر كان له رأي آخر في هذه الأحلام.
جلست سميرة في المنزل تطالع ألبوم الصور والذي يجمع ذكرياتها مع زوجها ” نادر ” منذ أُعجبت به عندما رأته للمرة الأولى يعمل بشركة والدها وهي في زيارته في شركته في إحدى المرات، فلقد كان شابًا ذا خُلق ناجح في عمله استطاع في فترة قصيرة كسب ثقة والدها ليتولى منصب مدير أعماله، كان محبوبًا من الجميع نظرًا لتواضعه.
منذ وقعت عينيها عليه كانت تتردد على الشركة بحجة زيارة والدها ولكنها في حقيقة الأمر كانت حجة لرؤيته، كان في بداية الأمر اعجاب من طرف واحد ألا وهي سميرة ولكن بعد ذلك تطور الأمر وأصبح الإعجاب متبادل من الطرفين ثم تطور الأمر إلى حب فلقد نسج الحب خيوطه بين قلبيهما ولكن ” نادر ” كان شديد الحب والاحترام لوالدها فقرر أن يأتي البيوت من أبوابها؛ فصارح والد سميرة بمشاعره تجاهها وأفصح له عن رغبته بالزواج منها.
كان والدها متنبئ له بمستقبل باهر في مجال رجال الأعمال نظرًا لذكائه وخبرته الكبيرة رغم صِغر سنه، فوافق على الفور وخاصة بعدما تأكد من صِدق مشاعره تجاه سميرة، ورؤيته لحب ابنته وتعلقها به، لكن التي رفضت هذا الزواج ووقفت بطريقهم هي سعاد التي عارضت هذا الزواج بشدة، ووضعت كل العراقيل في طريق نادر كي تُشعره بالعجز أمام نفوذها وسطوتها على أبنائها.
على الرغم من ضعف شخصية والد سميرة أمام زوجته إلا أنه تصدى لها ووقف أمام جبروتها وأتم هذه الزيجة رغم أنفها.
لم تستسلم سعاد ولم تتهاون في مضايقة نادر وافتعال الازمات معه سواء بالعمل أو بالحياة الاجتماعية فلقد كان شرطها الوحيد أن تتزوج ابنتها معها في نفس الفيلا التي تسكن بها، في بادئ الأمر رفض نادر وبشدة ولكنه بالنهاية وافق على مضض بعدما ترجته سميرة أن يوافق كي لا تغضب والدتها فهي كانت تحاول بكل الطرق أن ترضيها وبنفس الوقت يكتمل زواجها بمن تحب معتقدة أنها بمكوثهم معهم بنفس المكان سيزول التوتر بين والدتها وزوجها وستتقبله والدتها زوجا لابنتها ( كم كانت ساذجة في هذا الوقت لم تدرك ما تخبئه نوايا والدتها السيئة لهما في المستقبل).
مع كل صفحة في ألبوم الصور كانت تطويها سميرة كانت الذكريات تهاجم قلبها وعقلها واحدة تلو الأخرى.
عادت إلى ذكريات يوم زفافها هذا اليوم المفترض أن يكون أسعد يوم بحياة البنت بل وحياة والدتها؛ عندما تراها عروس في ثوبها الأبيض الذي تحلم به كل أم لابنتها منذ يوم ولادتها ولكن أي أم تسعد بهذا اليوم عدا سعاد.
( فلاش باك)
دخلت عليها سعاد الغرفة ومعها تاج مرصع ببعض من قطع الألماس أحضرته خصيصًا لها من الخارج لتُلبسها اياه وطلبت ممن بالغرفة تركهم لبضع دقائق بمفردهما، وعلى الفور خلت الغرفة إلا منهما.
اقتربت سعاد من ابنتها التي كانت تنظر في المرآة مبهورة بجمالها ومنظرها وها هي بعد دقائق ستُزف إلى حبيبها وشريك حياتها التي باتت أسيرة عشقه لا تدري كيف ومتى حدث ذلك ولكنها اصبحت تتنفس عشقه، قلبها ينبض لا لضخ الدم ولكن ينبض لعشقه.
وضعت سميرة التاج على رأس ابنتها وثبتته جيدًا دون أن تنطق بحرف، لاحظت سميرة صمت والدتها وكانت تترقب حديثها تنتظر أن تهنئها بزوجها كما تفعل كل أم طبيعية، ولكنها صُدمت بما تفوهت به عندما تحدثت سعاد قائلة: طول عمرك من وأنتِ صغيرة لما كانت بتعجبك لعبة كنت بشتريها لك عشان تلعبي بيها شوية وبعدين تكسريها، أتمنى تستمتعي بلعبتك الجديدة على أد ما تقدري عشان أنا اللي هكسرها لك وقت ما تزهقي منها.
نظرت سميرة لانعكاس والدتها في المرآة فلقد كانت الأخيرة تقف خلفها تُعَدِل لها طرحتها وتحدثت قائلة: لكن نادر مش لعبة يا ماما هزهق منها وتتكسر بالعكس نادر هيكون شريك حياتي.
ضحكت سعاد بسخرية ثم قالت: تفتكري؟ عمومًا الأيام كفيلة تثبت لك كلامي.
وتركتها وغادرت الغرفة لتتبدد سعادة سميرة وتتحول لخوف حقيقي فلقد أدركت أن والدتها لن تترك نادر أبدًا ولن تتهاون هذه المرة فهي من وجهة نظرها أن نادر تحداها وانتصر عليها بغض النظر عما شعرت به ابنتها تجاهه وأنها هي من أحبته، ولكنها حولت نادر إلى دمية سهلة الكسر. كان السؤال الذي يدور بعقلها هذه اللحظة هو ما تخبئه لهم الايام القادمة وما تنويه أمها لزوجها؟.
كانت سميرة في موقف لا تُحسد عليه ولا تستطيع البوح بمخاوفها لوالدها كي لا تحدث مشكلة بين والدها ووالدتها ويزيد التوتر بينهم، وستعتبره سعاد تحدي واضح لها ستدمر كل شيء وقتها، لذا فضلت سميرة الصمت الى أن ترى ما ستؤول له الايام.
انتهت حفلة الزفاف وصعدت سميرة وزوجها إلى غرفتهم لتبدأ حياتهم الزوجية التي كانت تحلم بها، ولكن بكل أسف عصفت والدتها بكل أحلامها وحولتها إلى سراب كان الخوف والقلق ينهش قلب سميرة، ولكنها لا تقوى على الافصاح بما يدور بعقلها خوفًا على نادر والجميع من بطش والدتها.
مرت الأيام على وتيرة هادئة وكأنه هدوء ما قبل العاصفة إلى أن صفع القدر أولى صفعاته لهذه العائلة ألا وهي وفاة والد سميرة وزوج سعاد درع الأمان لسميرة في حربها مع والدتها فجأة بعدما اكتشف استيلاء زوجته على كل ثروته وأملاكه بالتعاون مع محاميه الذي غدر به بعدما جعله يوقع على نقل جميع ممتلكاته إلى سعاد مقابل مبلغ مالي كبير جعل المحامي يتنازل عن أمانته وباع ضميره لسعاد، لم يحتمل الصدمة وأصيب بسكتة قلبية ليرحل عن هذا العالم تاركًا خلفه أبنائه بين براثن زوجته المتسلطة.
لم يمضي على وفاة والدها شهرًا إلا وبدأت سميرة حربها مع نادر وسميرة، أول ما بدأت معه أنها قامت بسلبه جميع صلاحياته في العمل ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد بل بدأت تحيك مؤامرة ضده كي تقضي عليه تمامًا ومن ثم ستتخلى سميرة عنه بكل سهولة ومن هنا سيتحقق ما قالته لها يوم زفافها بأنها ستسحقه كما كانت تسحق ألعابها.
( نهاية الفلاش باك )
جففت سميرة دموعها التي سالت على وجنتيها وهي تسترجع ذكرياتها المؤلمة وعادت تشاهد ألبوم الصور صورة تلو الأخرى لتقف عند رؤيتها صورتها مع نادر في آخر ليلة لهما كانت حفل عيد ميلادها التي فاجأها بها نادر وللأسف كانت آخر ليلة بينهما تذكرت ما حدث هذه الليلة ولكنها لم تستطيع حبس دموعها داخل مقلتيها هذه المرة
( عودة الي الماضي وخاصة الى هذه الليلة )
عندما استيقظت سميرة هذا اليوم وهي تشعر بالسعادة والحماسة فاليوم هو ذكرى عيد ميلادها وأول عيد ميلاد لها مع نادر لذا سيكون هذا اليوم مميز بالنسبة لها وخاصة بوجود نادر بجانبها.
خرج نادر من الحمام سريعًا ليرتدي ملابسه في عجلة من أمره ليلحق باجتماعه الطارئ الذي قررت سعاد عقده، وأبلغته في الليلة السابقة به.
وقف أمام المرآة يمشط شعره ويهندم نفسه تحت نظرات سميرة التي تنتظر
أن يهنئها بعيد ميلاد لكنه لم يفعل ما تمنته.
اقترب منها وطبع قُبلة على وجنتها وخرج مسرعًا ليلحق بالاجتماع وأغلق خلفه باب الغرفة مبتسمًا فهو يعلم جيدًا أنها تحترق غيظًا منه لأنه نجح بتمثيل نسيانه لعيد ميلادها.
تنفس الصعداء بعد انتهاء الاجتماع وجلس في مكتبه يستعد لبدء تجهيزات مفاجأته لها، فلقد دعا جميع صديقاتها المقربين لحفلة عيد ميلادها وطلب منهن عدم اخبارها بهذا الأمر واستعان بهم في تجهيزات الحفلة، وتعمد ان يتجاهل اتصالاتها طوال اليوم كي تنجح خطته.
كانت سميرة هذا اليوم تشتعل من الغيظ لإهماله لها وخاصة هذا اليوم، ولكنها تلقت اتصالا هاتفيًا من احدى صديقاتها تطلب منها أن تذهب معها لشراء هدية مناسبة لزوجها، وافقت سميرة على مضض بعد الحاح صديقتها التي اصرت عليها كي تذهب معها.
وبعد ساعة وصلت سميرة وصديقتها الى مكان رائع أُعِد بمنتهى الأناقة والجمال.
انبهرت سميرة ِبسِحر هذا المكان وجماله ولكنها اندهشت من ذهابها لهذا المكان حيث لا يوجد محلات لشراء هدايا، فالتفتت لتسأل صديقتها عن سبب وجودهم هنا، ولكن صديقتها استغلت لحظة شرودها وذهبت وتركتها وحيدة.
أخذت تلتفت يمينًا ويسارًا تبحث عنها ولكنها تجمدت مكانها بفزع عندما شعرت بيد تحاوط خصرها من الخلف، ولكنها اطمأنت عندما سمعت صوت نادر يهمس بالقرب من أُذنها ( كل سنة وأنتِ كل حياتي) لتلتفت سميرة بسعادة عارمة تنظر بعينيه تتأمل جمال روحه قائلة:
يعني كنت فاكر؟
ابتسم بمكر قائلًا: لا لكن في حد قال لي ان عيد ميلادك النهارده.
رفعت احدى حاجبيها باستنكار مما يقوله، والتفتت لتغادر وتتركه ولكنه استوقفها ممسكًا بيدها وسحبها إلى أحضانه ضاممًا إياها بين ذراعيه لتبدأ رقصتهم معًا على نغمات هادئة أخذتهما إلى عالم ساحر لا يوجد به سواهما، لم ينتبها إلى توقف الموسيقى إلى بعد أن أتت صديقتها ونكزتها في كتفها لتنتشلهم من عالمهم الخاص وتخضبت وجنتيها بحمرة الخجل من هذا الموقف الحرج.
ابتسم نادر عندما لاحظ خجلها من هذا الموقف فاقترب منها وأمسك يدها مرة أخري يبثها الامان والطمأنينة، وأشار بيده لها لتنظر إلى الاتجاه الذي يشير اليه لترى أن شابان يقتربان منها ممسكان بطاولة متحركة مزينة الزهور ذات اللون الوردي وهو اللون المفضل لديها يتوسطها قالب من الحلوى متعدد الادوار المتدرجة تصاعديًا على شكل قلب باللون الوردي.
كانت سعادة سميرة لا توصف في هذا الوقت وكان نادر يراقبها بسعادة فلقد نجح في اسعادها ورسم البسمة على وجهها فهو يدرك جيدًا خوفها من بطش والدتها بهما ولكنها لا تظهر هذا الخوف أمامه، انتهت الحفلة وعاد الجميع إلى منازلهم عدا نادر وسميرة الذي فاجأها نادر بقضاء ليلة رومانسية بإحدى الفنادق.
ولكن هكذا هي الدنيا لا توجد سعادة كاملة، وكأن الحياة أقسمت على قلبيهما ألا يتجرعا سعادتها كاملة ولكن قُدر عليهم تجرع الحزن والعذاب إلى نهاية حياتهم.
انتصف الليل وكأنه نثر سواده على حياة العاشقان لتتبدل ألوان الزهور في حياتهم إلى اللون الأسود.
طرقات شديدة على باب غرفتهما كادت أن تنزع الباب من مكانه لينتفض نادر وسميرة فزعان من هذا الصوت وتوجه نادر على الفور ليفتح الباب ليتفاجأ ب……


