رواية موعد مع المجهول
للكاتبة إيمان عادل الصياد

الفصل العشرون، و الأخير
– أسرع عاصم بفحص نبض أمل، و تنفس الصعداء عندما تأكد من وجود نبض، و لكنه ضعيف؛ فلم ينتظر حضور سيارة الاسعاف فحملها بسرعة، و خرج واضعا إياها في سيارته، وانطلق بها الى المشفى مرة أخرى لإنقاذها كما فعل في السابق.
– وصل إلى المشفى، و لحق به حسام ليتابع حالتها معه، و بعد دقائق كان عزت قد لحق بابنه.
– كان عاصم، و حسام يقطعوا الممر ذهابًا، و إيابًا ينتظروا خروج الطبيب ليطمئنوا على حالتها.
-خاصةً عاصم الذي كان يشعر بتأنيب ضمير عندما استغل مرضها، و ضغط عليها ليحصل على اعتراف من أختها بارتكاب جريمتها.
– مرت الدقائق ببطء شديد كان عاصم يحترق فيها خوفًا بضمير يؤرقه حتى وجد باب الغرفة ينفتح ليخرج الطبيب منه ليخبرهم بحالتها الطبية.
– توجه عاصم مسرعًا إلى الطبيب ليطمئن على حالتها الصحية قائلا: طمني يا دكتور إيه الاخبار؟.
– وضع الطبيب نظارته الطبية داخل جيب قميصه قائلا: بصراحة الحالة صعبة جدا، و لازم تدخل جراحي، المريضة محتاجة لعملية جراحية دقيقة، و إلا للأسف.
– تدخل عزت عندما سمع حديث الطبيب قائلا: جهز امل للعملية يا دكتور، و كل التكاليف هتندفع دلوقتي، و هيكون في مبلغ تحت حساب علاجها لحد ما تخرج من المستشفى، و أعطاه الكارت الشخصي قائلا: و ده الكارت بتاعي ، و أنا اللي هتابع مع حضرتك حالة امل، و لو حصل أي حاجة تقدر تكلمني.
– شكر الطبيب عزت، و أبلغه أنهم سيستعدون للعملية في اسرع وقت ممكن، و سيبلغه بموعدها بعد الانتهاء من فحوصات امل الطبية.
– غادروا المشفى بعد الاطمئنان على حالة أمل الصحية عائدين إلى النيابة لحضور التحقيقات مع سمية .
********
في الطريق إلى النيابة كان عزت ينظر إلى ابنه بسعادة كبيرة فلقد تفوق على نفسه مجددًا، و نجح في حل تلك القضية.
كان عاصم يقود السيارة، و لم ينتبه لنظرات والده له، و بعد عدة دقائق من الصمت قرر عزت كسر هذا الصمت فتحدث قائلا: مبروك يا عاصم
-شعر عاصم بسعادة تتسلل إلى قلبه لا يعرف سببها أهو نجاحه بحل تلك القضية، أم سعادته بإنقاذ حبيبته من تلك الورطة.
– رد عاصم على والده قائلا: الله يبارك فيك يا بابا.
– اكمل عزت قائلا: على فكرة انا عمري ما شكيت لحظة إنك ممكن تخسر القضية دي.
– نظر عاصم له قائلا: عشان كده حضرتك امرت بإبعادي من القضية دي؟.
– ضحك عزت على سؤال ابنه قائلا: عيبك الوحيد يا عاصم إنك بتسمح لمشاعرك تتحكم فيك احيانا، و ده أكبر غلط في شغلنا، لازم تتعلم تتحكم في مشاعرك مش مشاعرك هي اللي تتحكم فيك.
-تحدث عاصم بمشاكسة قائلا: متنساش يا سيادة المستشار إن المشاعر هي اللي خلتني أخلص القضية المرة دي.
– ضحك عزت على مشاكسة ابنه، و تحدث قائلا: فعلاً معاك حق، لكن لازم تخلي بالك مش كل مرة تسلم الجرة.
******
-في مبنى النيابة العامة.
– ابلغ رئيس النيابة حسام ان يخفي حقيقة الحاالحالة الصحية لأمل على شقيقتها لحين الانتهاء من التحقيقات، حتى لا تحاول المراوغة، و الإنكار مرة أخرى، و خاصة انها تعتقد انها خسرت شقيقتها للأبد فستقوم بالاعتراف الكامل تحت تأثير الصدمة النفسية التي اصابتها؛ اعتقادًا منها أنها ستلحق بأختها فلم يعد هناك سبب تحيا لأجله.
– وافق حسام على قرار رئيس النيابة، و بدأ تحقيقاته مع سمية التي انهارت، و اعترفت بكل شيء عندما سألها حسام كيف ارتكبت جريمتها؟.
– تحدثت سمية تسرد كل ما حدث، و كيف بدأت تخطط لتلك الجريمة قائلة: بعد ما عرفت ان نادين هي اللي اتخطبت للشاب اللي أختي بتحبه، حاولت اكرهها فيه عشان تبعد عنه ،و تسيبه. لكن للأسف فشلت كل خططي معها، لاقيت مفيش حل غير إني أخلص منها عشان الطريق يخلى لأمل، و تأخذ اللي بتحبه، لكن ربنا بعت لي أحلام كانت طيبة، و ساذجة قولت و ماله. هي دي اللي هتقدر تساعدني انفذ خطتي. بدأت أتقرب منهم، وأصاحبهم، و شوية شوية قدرت أكسب ثقة الاثنين. بدأت كل واحدة تحكي لي أسرارها، و طبعا هما بغبائهم مفكرين إني بساعدهم، لكن في الحقيقة أنا كنت بساعد أختي.
-في يوم حصل سوء تفاهم بسيط بين نادين، و أحلام. لما أحلام تدخلت، و قالت رأيها في سيف ل نادين، و طبعا ده مش من فراغ، كنت انا بردوا اللي وراه لما زرعت في عقل احلام الشك تجاه سيف، و فهمتها انه مش بيحب نادين، و إنه بيستغلها باسم الحب، و من ناحية ثانية زرعت الشك في قلب نادين. لما في يوم لاقيت أحلام بتكتب مذكراتها، و قرات كام سطر منها من غير ما تعرف، كانت بتوصف حالة حب هي عايشاها.
– ضحك حسام قائلا: طبعا انتِ ما صدقتي تلاقي حاجة زي دي و تستغليها لحسابك؟.
– هزت سمية رأسها تؤيد كلامه، و تحدثت قائلة: فعلا بدأت أخلي نادين تشوف الكلام المكتوب ده على إنه مكتوب ل سيف حبيبها، مستغلة كلام احلام عنه لنادين، و طبعًا نادين صدقتني، لحد يوم الجريمة.
– أخدت مكان المشرفة الصباحية في المدينة لأن كان عندها ظروف في البيت تمنعها تيجي الشغل؛ فاتفقت مع نادين إنها ما تنزلش الجامعة اليوم ده، بحجة انها تعبانة شوية، و تستني لحد أحلام ما تنزل، و تنزل وراها تراقبها، وقتها هتتأكد إن أحلام بتلعب على سيف، و بعدها كلمت احلام، و أقنعتها إنها فرصة من ذهب عشان توقف سيف عند حده، و تبعده عن نادين، و بكده هتكون بتنقذ صاحبتها منه.
– فعلا أحلام قابلت سيف، و طبعًا نادين وصلت، و شافت سيف، و هو ماسك إيد أحلام، و اتأكدت من صحة كلامي. وقتها رجعت المدينة، و هي هتموت من الغيظ.
-ضحكت سمية بجنون، و هي تقول: نادين الغبية ماتعرفش إن سيف منع أحلام تضربه بالقلم ثاني، شافته بس ماسك ايديها، و أخذت تضحك كالمجانين لنجاح خطتها الشيطانية. ثم أكملت قائلة: كنت بحركهم هما الاثنين زي عرائس الماريونيت، خيوطهم كلها في إيدي. لكن…قالتها، و سكتت عابسة قليلا ثم عادت تكمل، و هي تحرك يدها في الهواء: خلاص مش مهم.
– سألها حسام بحذر قائلا: هو إيه اللي مش مهم يا سمية؟.
– نظرت له سمية بعبوس شديد قائلة بعيون تشع كراهية، وحقد عليها:
رجعت أحلام من الجامعة بعد نادين بساعة عشان تبدل لبسها، و تروح تحضر خطوبة ابن عمها، و طبعا حصلت مشكلة كبيرة بين نادين، و أحلام لما نادين واجهت احلام باللي شافته.
– طبعًا أحلام حاولت تدافع عن نفسها لكن نادين رفضت تسمعها، او حتى تدافع عن نفسها.
-احلام فقدت الأمل إن نادين تسمعها نزلت عشان تلحق تروح، و ترجع قبل ميعاد المدينة. قررت لما ترجع هتتكلم معها يمكن تكون هديت شوية. لكن نادين فضلت مضايقة، و سيف كان بيتصل عليها كتير ردت عليه في مرة من المرات الكثيرة، و حصلت مشادة كلامية بينهم، و واجهته باللي شافته في الجامعة.
– حاولت أهديها كتير لكن مفيش فايدة، رجع سيف يتصل كتير. لكن نادين رفضت ترد عليه.
استغليت غياب نادين ، و رديت علي اتصال سيف على إني واحدة صاحبتها، و قولت له لما تهدى هتكلمك، و قفلت الخط . كانت نادين ورايا بتبص لي بغضب. قربت مني و اخدت تليفونها بقوة من إيدي، و قالت لي..
– صمتت سمية للحظات تحاول ان تتمالك فيها نفسها، و أعصابها مرة أخرى بعدما كانت منهارة تماما.
-أمرها حسام أن تستأنف حديثها ليعرف ما الذي فعلته نادين معها جعلها تقدم على قتلها.
– عادت سمية لتلك الليلة مرة أخرى قائلة، و دموعها تنهمر على وجنتيها: اتكلمت معي بمنتهى التعالي، و القسوة قالت لي: رديتي ععليه ليه؟
-قولت لها عادي يا نادين عوزه الأمور تهدى ما بينكم يا حبيبتي.
-استأذنت حسام أن تشرب بعض المياه. فمد حسام يده بكوب المياه الموجود على مكتبه.
-امسكت سمية الكوب بيد مرتعشة مما تتذكره، و ارتشفت القليل منه، وهي لا زالت ممسكة بالكوب بين يديها، و أكملت قائلة:
وقتها نادين نظرت لي باحتقار، و قالت لي انتِ مين انتِ عشان تدخلي في مشاكلي، انتِ هنا مجرد مشرفة شغالة عندنا إحنا. وأجهشت سمية بالبكاء كالأطفال، و أكملت قائلة: إحنا بنعطف عليكِ يا بنتي بأكل، بعلبة عصير، اتفضلي اطلعي برة، و ما تدخليش الأوضة دي ثاني.
– خرجت من الاوضة، و النار قايدة في قلبي، و قررت وقتها أقتلها، و أنتقم منها مرتين مرة عشان أختي، و مرة عشان إهانتها ليا.
– اكمل حسام مشفق على حالتها قائلا: قتلتيها ازاي؟.
-أحلام كلمتني، و هي عند عمها. كانت مضايقة جدا لما خطيبة ابن عمها اتصرفت معها بسخافة، فقالت لي انها راجعة في الطريق، خطرت في بالي فكرة ، أحلام، و نادين بيحبوا نوع معين من العصير. فطلبت من أحلام تشتريه لأن نادين بتحبه. يمكن لما تلاقيها اشترت لها عصيرها المفضل مع نوع الشكولاتة اللي بتحبها هتنجح في تهدئة نادين.
– و جهزت السم لأنه كان معايا في شنطتي، و لما أحلام رجعت كنت انا في الاوضة فاتصلت عليها، و طلبت منها تيجي لي بحجة نتكلم شوية قبل متغير هدومها.
-فعلا أحلام دخلت و وضعت الكيس اللي كان فيه العصير، و الشكولاتة على الترابيزه، و بعدها جت لي ، و كنت في الوقت ده عطلت كاميرات المراقبة بعد ما أحلام خرجت، و الكاميرا سجلت ده. و دخلت الاوضه اللي جنب أوضتهم، و من البلكونة دخلت أوضة أحلام، و نادين.
– و سممت علبة عصير واحدة، و أخدت الثانية، و رجعت تاني من البلكونة. زي ما دخلت، و رجعت أوضتي بعد ما شغلت الكاميرات، ومسحت أي حاجة في شريط الكاميرات تثبت إنها اتعطلت.
– تحدث حسام متسائلا: طيب الأوضة اللي دخلتيها البنات المقيمين فيها كانوا فين وقتها؟.
– أجابته سمية قائلة: البنات كانت مش موجودة اليوم ده، كانوا مسافرين عند أهاليهم إجازة.
– و طبعا الباقي حضرتك تعرفه. و توقفت عن الكلام.
– زفر حسام بأريحية، ثم تحدث، و هو ينظر إلى سمية يأمر سكرتيره بأن يكتب قراره قائلا: اكتب يا ابني، أمرنا نحن حسام…وكيل نيابة.. حبس المتهمة سمية… على ذمة القضية رقم… جنايات القاهرة أربعة أيام على ذمة التحقيق، و يراعى التجديد في الميعاد.
– كما أمرنا بإخلاء سبيل الآنسة أحلام…القاضي من سراي النيابة دون أي ضمانات.
– ضغط على احدى المفاتيح المثبتة بمكتبه، دخل بعدها العسكري.
أمره حسام بوضع سمية في الحجز.
**********
في صباح اليوم التالي بمنزل عبد الرحمن .
-اطلقت الحاجة زينب الزغاريد عندما ابلغها زوجها بظهور براءة أحلام. وسط سعادة الجميع.
– اصطحب سليم محمد، و عبد الرحمن إلى النيابة لإحضار أحلام معهم إلى المنزل.
-وصل عاصم إلى النيابة في الساعات الأولى من الصباح بعدما طلب من حسام أن يلتقي بأحلام، و ان يبلغها بنفسه قرار الإفراج عنها.
(وافق حسام على طلبه على الرغم من ان هذا مخالف للقانون، و لكنه غير مخالف لقانون كيوبيد. فلقد كان حب عاصم لأحلام ظاهر لحسام و شريف منذ البداية، فلم يكن الأمر مجرد محامي يؤمن ببراءة موكلته. إنما الأمر كان عاشق يحاول انقاذ عشقه لذا وافق الاثنان على مساعدته دون الافصاح عن التفاصيل الشخصية حفاظا على ماء وجهه.)
– كان عاصم يتحرق شوقًا لرؤيتها، لا يطيق الانتظار فتلك الدقائق التي تفصل بينه، و بين رؤيته لها تمر ببطء شديد. ظل يضرب سطح المكتب بأنامله منتظرًا ان تطل عليه بوجهها الملائكي الذي اشتاق اليه في اليومين الماضيين.
-دلفت أحلام إلى الغرفة بهدوئها المعتاد فهي لم تعرف حتى الآن أن تلك الأزمة قد انتهت.
– وقف عاصم يرحب بها بسعادة غامرة.
-جلست أحلام على المقعد المقابل له ،و سألته بيأس: في جديد يا أستاذ عاصم، أنا عارفة إن الورق هيتحول للمحكمة النهار ده خلاص.
-ابتسم عاصم ابتسامته الجذابة قائلا: ايوه يا أحلام في جديد.
– نظرت احلام له بفضول تريد ان تعرف ما جد في تلك القضية
-تابع عاصم حديثه قائلا: مبروك يا أحلام قبضوا على القاتل الحقيقي، و اعترف بجريمته، و قرار الافراج عنك صدر من ساعات.
– نظرت أحلام له بعدم تصديق بعيون تتلألأ داخلها الدموع.
– نظر لها بعيون يفيض منها الحب قائلا: لا يا أحلام خلاص الغمة انزاحت، كفاية دموع، الحمد لله ربنا أظهر براءتك من التهمة دي، و لو إني كنت واثق في كده من البداية.
-نظرت لأعلى تحمد ربها، و دموعها تسيل على وجنتيها، على الخروج من تلك المحنة، التي تركت بصماتها على قلبها المجروح.
-تحدث عاصم بتسرع كعادته قائلا: أحلام كنت عاوز أقولك حاجة مهمة انا عارف ان لا المكان، و لا الوقت مناسبين. لكن مش قادر انتظر اكثر من كده.
– سألته أحلام بفضول قائلة: حاجة إيه يا أستاذ عاصم؟.
– تحدث عاصم بعيون يملئوها حب حقيقي، و صادق لها وحدها قائلا : تتجوزيني؟.
– نظرت أحلام بدهشة إليه تحاول استيعاب ما قاله الآن، تسأل نفسها أحقا ما سمعته؟ أهو حقا يعرض عليها الزواج؟ .
شردت قليلا تعاتب قلبها
((-أيها القلب تباً لك، اتريد أن تنبض بالعشق من جديد. أما كفاك رحلة عذابي، و شقائي؟.
-اتريد أن أبحر من جديد في بحر العشق الغادر؟
– أتريد أن أغرق بين امواجه المتلاطمة الثائرة؟.
– غريبة تلك الحياة تهب لنا الحب في الاوقات الخطأ)).
لاحظ عاصم صمتها و شرودها فتحدث متفهما موقفها قائلا: أحلام أنا مش منتظر ردك دلوقتي. خدي وقتك في التفكير، و أتمنى تكوني صريحة معايا لو في حد في حياتك يا ريت تقولي لي ، و أنا هنسحب بهدوء.
-كانت احلام تحاول أن توقف نزيف قلبها الذي تشعر به منذ أشهر قليلة، وهي هي الحياة تعطيها فرصة جديدة، ولكن هذه المرة مع من يستحق قلبها. فتحدثت قائلة: أنا مش عارفة أقولك إيه يا استاذ عاصم، انا بعد المحنة دي محتاجة وقت أعيد فيه ترتيب أفكاري.
– رد عاصم قائلا: يعني في أمل توافقي؟.
– أجابته أحلام قائلة: آسفة يا أستاذ عاصم مقدرش أوعدك بحاجة أنا مش عارفة إذا كانت هتحصل، و لا لا..
– ووقفت لكي تذهب من حيث أتت، و لكن استوقفها عاصم عندما نادى باسمها، فالتفتت تنظر إليه ليخبرها قائلا: أنا مش هفقد الامل، هستناكِ لو العمر كله. هستناكِ يا بنت القاضي .
………………………………………………..
