رواية موعد مع المجهول

للكاتبة / ايمان عادل الصياد

الفصل الثامن عشر
في منزل سيف.
كان الحزن يخيم على الأسرة بأكملها؛ بعدما صرحت لهم النيابة بدفن ابنتهم، و حددت تاريخ الغد لاستلام جثمانها للانتهاء من مراسم الجنازة، و الدفن.
-كان سيف يجلس في غرفته يشاهد صورها الموجودة على جهاز اللاب توب الخاص به.
– يشاهد ذكرياتهم معًا فحب حياته الوحيد اصبحت مجرد ذكريات يشاهدها بعينيه، و يلمسها بيديه، و هي خلف شاشة زجاجية جماد لا روح فيها، و لا حياة كان سيف متماسك منذ حدثت الجريمة، و لكن لم يعد يمتلك القوة لهذا التماسك، فأطلق لحزنه العنان، و أجهش بالبكاء بقلب يحترق لفراق حبيبته التي اخذها القدر منه غدرًا. كيف سيتحمل ان يراها، و هي تتوارى تحت التراب للأبد؟.
– ما اقسى هذا الشعور على قلب ذاب عشقا، و اليوم يقف عاجزًا مهشمًا يشاهد ضياع هذا العشق من بين يديه للأبد.
– تذكر سيف كل ما حدث له منذ رآها أول مرة كيف سلبت عقله، و قلبه، كيف نجحت تلك الرقيقة بأسرهِ في العشق، فهو من لم يعرف للعشق درب في يوم من الايام، و لم يكن يؤمن بوجوده من الأساس.
– مع كل ذكرى كان يتذكرها، و كل صورة يراها لها كانت الدموع تحول دون ان يراها؛ فكان يمسح دموعه بعصبية حتى لا تمنعه هي أيضا من الحول بينهما، تمنى لو يستطيع ان يمسح كل هذه الأحزان، و يعيدها للحياة مرة أخرى، و لكنها الأقدار يا عزيزي كتبها الله لنا لحكمة لا يعلمها إلا هو. ما زاد من بكائه، و نحيبه عندما تذكر آخر حديث دار بينهم على الهاتف يوم مقتلها، فلقد حدثت بينهم مشاجرة على الهاتف، و انتهت بغلق نادين لهاتفها، و عدم الرد عليه مرة أخرى، تذكر انها تركته، و هي غاضبة منه على ذنب لم يقترفه قط.
– ظل سيف أسير لذكرياته تلك الليلة حتى الصباح فلم يغمض له جفن تلك الليلة قط.
– كان والدا سيف يشعرون بالحزن، و الأسى على حالة الجميع على حالة ولده، وكذلك والدي نادين.
– حاول الد سيف كثيرًا إخراجه من حالة الحزن لكن باءت كل محاولاته بالفشل.
– حاولت والدته مشاركته حزنه، و تشد من أزره في تلك الأزمة لكنها لم تفلح هي الأخرى في ذلك فلقد أسر سيف حزنه بين جنبات قلبه، و على الرغم من تتظاهر سيف بالثبات امام الجميع لكنه كان يحترق داخليًا؛ فكانت تشعر بتألم ابنها فهي كل ليلة تراه نائما ودموعه تجري على خديه و هو نائم. اعتقدت انه يراها كل ليلة في منامه عندما سمعته ينادي باسمها ليلا أثناء نومه.
****
-كانت تلك الليلة صعبة جدا على قلب سميرة، و خالد فبعد ساعات قليلة سيتم دفن ابنتهم تحت التراب للأبد.
-كانت تلك الساعات تمر ببطء قاتل يذبح قلب سميرة بسكين بارد في كل لحظة مئات المرات حزنا على فلذة قلبها، و كبدها. فكيف لها ان تحتمل رؤية قطعة منها تختفي خلف التراب. تذكرت ابتسامتها، و دموعها، كانت تستمع لصوت ابنتها عندما كانت تتحدث معها، و كأنها موجودة حولها تلك الليلة تتحدث إليها، كانت تبحث بعينيها عنها كالمجنونة في كل مكان حولها بالغرفة لعلها تجدها. تأمل أن يكون كل هذا مجرد كابوس بشع ستستيقظ منه لتجدها بجانبها،
ستضمها، و تخبئها بأحضانها، و انها لن تتركها مرة أخرى، لن تسمح لأحد او للأيام ان تبعد بينهما مرة أخرى. لكنها تنصدم عندما تجد ان هذا هو الواقع المرير المجبرة على مواجهته وحيدة دونها. عليها أن تحتمل تلك النيران المشتعلة بقلبها. عليها إن تعتاد على الحياة بدونها. تمنت من الله أن يلحقها بابنتها. فهي لن تحتمل الحياة بدونها. كانت تدعي لابنتها كثيرًا، و قلبها يقطر دما حزنا عليها، ظلت تناجي ربها ان ينتقم ممن قتلتها، و حرمتها منها.
– حاول خالد ان يظل متماسك امام زوجته، و لكنه أيضا فقد ثباته، و إنهار عندما ضمها إلى أحضانه في محاولة لتهدئتها، و مواساتها خشية فقدانها هي الأخرى. لكنه فشل في ذلك الأمر، و بكى صغيرته بشدة
-كانت كل كلمة تخرج من فم سميرة حزنًا على ابنتها كانت تغرس كسكين بارد بقلب خالد الذي كان يحترق على فراقها.
-تذكرا معًا ابنتهم منذ ولادتها، و أخذا يتبادلان ذكرياتهما معها منذ خلقت كل منهم يروي للآخر ذكري، و هو يبكي حتى و إن كانت ذكرى مضحكة كانا يبتسما في بكائهما معًا.
********
– في السجن لم تكن أحلام اقل حزنا من الجميع على نادين، بعدما ابلغها احد العساكر ان القتيلة ستدفن غدا، و أوراقها ستتحول الى المحكمة.
– باتت تلك الليلة تبكي صديقتها التي قتلت، و ذهبت حياتها سُدى، و ظل سؤال واحد يتردد في عقلها، بأي ذنبٍ قُتلتْ؟. لما كل من تحبهم يتركوها مغادرين هذا العالم القاسي؟
– ذكرى تلو الأخرى تعصف برأس احلام، و مع كل ذكرى كان يزيد بكائها، و نحيبها، نظرت للسماء من النافذة الصغيرة الموجودة بالأعلى تناجي ربها، و تدعوه ان يظهر الحقيقة، و أن يعاقب الجاني الحقيقي.
-نامت، و هي تدعو ربها ان يفك كربها، و يظهر الحقيقة، و دموعها على خديها، و صورة نادين نصب أعينها.
*******
-انقضت ساعات الليل الأخيرة على أسرة نادين، و سيف، و احلام و الحزن يرفرف على الأجواء حتى أشرقت شمس يوم جديد .
*******

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *