عزة نفس

فايدة. اللي يقولها عايزين بتوع كليات، واللي يقولها مكتفين، واللي يبص على لبسها المتواضع وطرحتها البسيطة ويكشر كأنها جاية تشحت منه. الأيام كانت بتجري، ومنديل أبوها قرب يفضى خالص، والړعب كان بياكل في قلبها.. هترجع بإيه؟ هتقول لأبوها إيه لو رجعت مکسورة؟
وفي عصر يوم خنيق وهي قاعدة على دكة مکسورة في حديقة عامة، حاطة راسها بين إيديها وبتحسب تمن علبة الجبنة ورغيفين العيش اللي هتاكلهم عشان تقضي بيهم الليل، سمعت صوت بينادي عليها بلهفة أميمة؟! مش معقول.. إنتِ أميمة بنت عم إبراهيم؟!
رفعت وشها مذهولة، لقت شاب أسمر طويل واقف قدامها بيبتسم، لابس كاب وشايل مفاتيح عربية في إيده. كان سامح، ابن جيرانهم في البلد! سامح كان ساب القرية من سنين طويلة ونزل مصر يشتغل، وكان شغال على عربية نص نقل بيلف بيها طول اليوم بين الشركات والمخازن دليفري ونقل بضايع.
أميمة أول ما شافت وش من ريحة الحبايب، كأن روحها ردت فيها، ومن غير ما تحس اڼفجرت في العياط وحكتله على كل حاجة بمرارة. سامح مسك نفسه وحاول يطمنها وقالها بجدعنة ولاد الأصول امسحي دموعك دي يا أميمة.. إحنا ولاد قرية واحدة وعيب لما تبقي في القاهرة وأنا موجود وتتبهدلي بالشكل ده. إنتِ أولاً السكن اللي إنتِ فيه ده خړاب بيوت وخطړ عليكي، أنا ليا خالة طيبة اسمها أم رضا ست مسنة عايشة لوحدها في بيت هادي في شارع العشرين في فيصل، ومأجرة أوضة نظيفة برخص التراب ومش فارق معاها غير الونس.
سامح ماكتفاش بالكلام، أخدها في عربيته وراح جاب شنطتها من الأوضة القديمة، ونقلها لبيت الست أم رضا، ولما حاولت تديله تمن المشوار حلف بالطلاق ما ياخد منها ولا مليم، وقالها ده حق الجيرة يا بنت عمي، وفلوسك دي شيليها لحد ما تقفي على حيلك.
الليلة دي، ولأول مرة من يوم ما فارقت المنوفية، نامت أميمة في أوضة نظيفة وريحة الفرش فيها دافية، حست إن ربنا مش هيسيبها، وبدل الدموع والقلق، نامت مستريحة.
بعدها بأربع أيام، سامح كلمها وقالها إن في مطعم كبير للمشويات والأكلات الشرقية في المهندسين محتاج واحدة تنضف المطبخ وتغسل الحلل الكبيرة وتكنس الممرات بعد ما اليوم يخلص. أميمة ما فكرتش دقيقة واحدة، وافقت على طول وقالت الشغل مش عيب وأهو ناكل لقمة حلال.
المرتب كان على قده، حوالي 3500 جنيه في الشهر، بس أميمة قسمتها بالمسطرة والقلم إيجار الأوضة ومصاريف مواصلاتها، وجزء تشيله تحت البلاطة تبعته لأبوها كل أول شهر في البريد عشان يساعده في البيت.
أميمة كانت من طينة الناس اللي ما يجيلهمش نوم من غير ما يرتبوا كل حاجة. كل يوم تصحى الساعة أربعة الفجر، تصلي وتقعد في المطبخ الصغير عند الست أم رضا تجهز غداها اللي هتاخده معاها عشان ماتصرفش مليم برة مرة تعمل شوية عدس بشعرية مدفونة فيهم التوابل الصح، مرة تعمل رز أصفر بخلطة فراخ وبصل مكرمل زي ما كانت أمها بتعمل في مواسم الغلة، مرة شوية كشړي مصري مفلفل، أو صينية مسقعة باللحمة المفرومة ريحتها تقلب الحارة.
في المطعم، كانت أميمة شعلة نشاط؛ تغسل الحلل النحاس لحد ما تبرق، وتمسح البلاط ورا الطباخين، وترص المواعين من غير ما تسمع منها كلمة شكوى. وفي وقت استراحة الغدا لما العمال يقعدوا يرتاحوا نص ساعة، كانت أميمة تطلع علبة البلاستيك بتاعتها وتفتحها وتاكل على جنب.
الريحة كانت خرافية! ريحة سمنة بلدي وطشة توم وكمون فريش وحاجة معمولة بحب ونَفَس فلاحي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *