الحلقة الحادية عشر كان لابد لها من تغيير هيئتها اليوم ، لتناسب الوضع الجديد، كما أن الموظفين ملزمين بحسن الهيئة بعيدا عن الملابس المخصصة للعاملين اثناء العمل، والتي كانت ترتدبها فور دخولها محل عملها، وخلعها للعباءة السمراء المريحة لها من جميع النواحي، بعيدًا عن التزين والأناقة فهي بالفعل لا تريد لفت الانظار اليها، وقد قررت منذ تحملها للمسؤلية، الا تدع شيئا ما يلهيها عن توفير لقمة العيش بعزة، ورعاية اشقائها وكفايتهم عن اي احتياج ، حتى وان لم تنجح في ذلك الا بعض الشيء ولكن يكفي السترة والاستغناء وعدم الاحتياج لأحد اما الاَن وقد فرض عليها هذا الوضع الجديد، ولا يصح الا التغيير ، فقد ظهرت الان امامها المعضلة الكبرى في انتقاء الملبس المطلوب. وقفت بحيرة امام خزانة ملابسها ، تتأمل محتوياته من ملابس قديمة وجديدة لها، تتأملهم وحيرة تفتك بها، ماذا ترتدي؟ ماذا ترتدي؟ ملابس الجامعة التي تركتها منذ سنوات مازالت تحتل جزئًا ليس بالهين داخل الخزانة، ولكن منها الضيق بعض الشيء، كما أنه عصري ويظهر عمرها صغيرا وهي لا تريد ذلك،لقد جربت احدهم بالأمس، والذي كان بنطال من الجينز وبلوزة محكمة الى حد ما، فنالت من اشقائها التهليل والإعجاب ، وكأنها لم تكن هذه ملابسها في يوما ما، وذلك على الرغم من انها كانت ترتدي بعض منها في اضيق الحدود ضغطت بطرفي اصابعيها على جبهتها، متمتمة بيأس: – وبعدين بقى؟ يعني يا اما صغير وعصري، يا اما كبير وواسع، وانا عايزة حاجة وسط، طب اروح بإيه بس يا ربي؟ وصلها ضحكة ساخرة من شقيقتها من خلفها معلقة بشفقة نحوها: – انتي لسة برضو في حيرتك دي يا بهجة؟ يا لهوي عليا، امال لو رايحة حفلة يا بنتي، كنتي هتعملي ايه؟ ردت عنها عائشة، والتي كانت تلج لداخل الغرفة معها: – مكنتش هتروح الحفلة اصلا؟ ختمت بضحكة تشاركتها مع جنات ، حتى هتفت هي بهما: – انتو بتقولو فيها، طب والله طالعة في دماغي بجد مروحش النهاردة، واقعد من الشغل على ما ربنا يعدلها. نفضت ذراعيها في الهواء لتسقط على جانب التخت القريب منها، مما جعل الفتاتين تكفان عن المزاح، مراعاة لحالة اليأس التي تتلبسها. لتقترب منها جنات قائلة بدعم، وهي تحمل شيئًا ما تخبئه خلف ظهرها: – بيبو يا روح قلبي، انا عارفة انك مكنتيش مستعدة للترقية ولا التغيير، بس انتي بقى، ليه تحزني نفسك؟ الموضوع مش بالصعوبة دي، هوني على نفسك ، دي وظيفة عادية، يعني اي لبس محتشم وجميل حلو عليها، مدام مفيش يونيفورم رسمي . زفرت تطرد دفعة محملة بإحباطها : – يا جنات افهمي، انا مش عايزة ابقى ملفتة زي باقي الموظفات اللي بينورو في القسم الاداري عندنا في المصنع، ولا عايزة ابقى مأفورة زي اللي اسمها لورا، انا عايزة حاجة بسيطة وناعمة، تناسب قعدتي ع المكتب وبس، على ما ربنا يسهل واعرف اشتريلي حاجة كويسة، الحمد لله في قرشين متشالين يأدو الغرض، بس دلوقتي هلبس ايه وانا مش مستعدة زي ما قولتي؟ تبادلت عائشة وشقيقتها الابتسام، لتقول بزهو لا يخلو من مزاح: – بس انتي منورة لوحدك يا بيبة، نعملك ايه بقى لو لبسناكي ونورك لعلع، نوطي الفولت مثلا؟ هذه المرة استطاعت ان تضحكها معهما، فتخفف عنها التوتر، لتخرج لها جنات من خلف ظهرها، الشيء الذي كانت تخفيه: – ودي يا ستي البلوزة بتاعتي اللي اشتريتها قريب. هنظبطها على جيبة مناسبة ونعمل بس شوية تغيير، بحيث تباني انيقة وسيمبل زي ما انتي عايزة. طالعت بهجة القطعة امامها لتردف برفض: – بس دي بلوزتك يا جنات اللي نقتيها بعد تعب، وقولتي انها مميزة . – يا ستي ومالها يعني لو كانت مميزة؟ ما تغلاش على بيبو حبيبتنا، مع اني عارفة انها هتليق عليكي اكتر، بس ميهمش، انا هاخد التعويض المناسب واجيب واحدة غيرها لما نعمل جولة التسوق مع بعض، ولا ايه رأيك؟ – اه يا مستغلة. قالتها بهجة مضيقة عينيها بتصنع الصدمة، لتردد شقيقتها بما يشبه الامر : – انا فعلا مستغلة، وشرط عليكي كمان، هلفلك الطرحة بنفسي النهاردة واظبط وشك بحاجات خفيفة كدة ، بحيث انك تحضري اول يوم ع المكتب وانتي واخدة وضعك. – امممم. زامت بتفكير سريع، لتردف برأيها: – ماشي، بس متزوديش على كريم عادي او اساس، ويبقى خفيف كمان عشان ميبانش اني متغيرة ولا حلوة. شهقت جنات بدهشة، مرددة: – حلوة! لا طبعا يا بيبو مينفعش نطلعك حلوة ولا بتنوري، هو احنا ناقصين سحب كهربا. قالتها لتصدح صوت ضحكاتهن بمرح يتبادلن المزاح، والاستعداد لاداء مهمتهم. ❈-❈-❈ بعد قليل، انتهت من لف الحجاب لها بطريقة عصرية، كما نفذت الشرط بوضع زينة الوجه، ببساطة لا تظهر، ومع ذلك بدت رائعة بصورة تشرح القلب، الالوان المبهجة للحجاب وما ترتديه من ملابس، حلت بها نقوش ضيفة باللون الاخضر انعكست على بشرتها الندية تزيدها بهاءً، فصارت مثالا حيًا للبهجة. هذه اول مرة منذ فترة طويلة تتهندم بهذا الشكل، كل محاولاتها في السنوات السابقة ، كانت بعدم اهتمام، للتركيز في الأهم، اما الاَن…… فلا تعلم لما تكتنفها الرغبة القوية هكذا في التغير. – قمر، اقسم بالله قمر ، ايه الحلاوة دي يا بيبو. هذا كان رد فعل عائشة والتي كانت تتابع وضع اللمسات النهائية، بتثبيت الحجاب، لتلتف اليها سائلة بخجلها: – يعني مش مزوداها ، انا حاسة نفسي متغيرة . شهقت خلفها جنات باستهجان: – حرام عليكي يا شيخة، وهو احنا عملنا حاجة اصلا؟ دا كله يدوب رتوش. تفكهت عائشة بأعجابها: – مش ذنبنا انك قمر يا بيبو ، نصيبك بقى. بابتسامة مستترة لوحت بقبضتها كأنها ستضربها، قبل ان ترفع بصرها توزع نظرات الامتنان نحوهما، لتحسم وترفع حقيبتها متمتمة: – عقبال يارب ما نفرح بخروج ايهاب كمان، ادعو لاخوكم بالشفا، وادعولي انا بالتوفيق. – ربنا يوفقك يا بيبو وتبقى دي بداية الصعود في السلم الوظيفي . – يارب . تمتمت بها بهجة، رغم تشكهها، لسبب بسيط وهو ان شهادتها المتوسطة؛ لا تؤهلها لذلك. ❈-❈-❈ حينما خرجت من المنزل، وفور ان اغلقت الباب، اصطدمت عيناها بابن عمها، وقد كان خارج من منزل عائلته في الطابق اسفلهم، يعطي زوجته شيئا ما، قبل ان يغادر، لتجحظ عيناه برهبة، حتى سقط ما كان بيده ، ليصدر صوت التذمر من زوجته مرافقًا لهبوط بهجة الدرج: – وقعت المفاتيح يا سمير، هنزل ازاي ببطني دي ع الارض واجيبهم؟ اتفضل هاتهم انت بقى. ظل على جموده، غير منتبه لثرثرتها، حتى خطت بهجة بجواره تتخطاه، فدارت رأسه معها كدوار الشمس حين يتتبع شعاعها، لتصدر صيحة زوجته بعد فترة من صمت: – روح يا سمير، الهي رقبتك تفضل كدة معووجة وما تتعدل ابدا. استفاق من نشوته، ليعود اليها مرددا بعدم تصديق: – انتي بتدعي عليا انا يا اسراء؟ – ايوة بدعي عليك يا سمير، وهصرخ بالصوت الحياني كمان يمكن تحس على دمك وتفهم. صرخت بقهر، وقد فاض بها ومن افعاله، اما هو فقد انتفض مجفلا خوفا من سماع الجيران، ليدفعها ويلج بها داخل المنزل، يغلقه عليهما، ويتشاجر معها. بهجة والتي وصلها الصوت، توقفت فجأة تلقي خلفها بنظرة أسى لحال الزوجة، ثم تنهدت بثقل لتخرج وتغادر البناية التي اصبحت تكرهها منذ زمن بسببهم . وكما توقعتا شقيقتيها، سارت بهجة تلفت ابصار الجميع نحوها من كل اهل منطقتها بإعجاب واضح وهمهمات تصلها من الشباب التي لا تخفي انبهارها، حتى تسلل التوجس داخلها، تتسائل مع نفسها: – هي الناس دي محسساني ليه اني كنت معفنة. وفي الشرفة أعلاها ، كانت ابنة عمها سامية تتابع الجلبة التي تحدثها بمرورها في المنطقة، متجاهلة الشجار العالي من داخل منزلهم ، وصوت والدتها التي انضمت من اجل التخفيف بينهم، فقد بدا جليًا ان الزوجة قد فاض بها, وسمير كالعادة يصدمها بجفائه وعدم اكتراثه، لتزداد شحونة الأجواء، وتلك الواقفة بالشرفة لا يشغلها سوى التركيز في تلك الملعونة التي تسرق العيون رغم ارتدائها لتلك البلوزة ملك شقيقتها ، فتغمغم هي بضجر: – يعني انا مكنتش طايقاها على جنات ومستخسراها في واحدة زيها، عشان تيجي تلبسيها انتي يا ست بهجة وكأنها متفصلة لجنابك، دا ايه الحظوظ دي بس؟! اصدرت صوت مصمصة من شفتيها وقد ذهبت ابصارها نحو شقيقها والذي تسمر هو الاخر كالجميع على باب وكالتهم، ناسيًا زبائنه، لتغمغم بحنق: – ياكش تكون عملالك عمل انت التاني، جتك خيبة انت والاهطل الكبير. – طلقنى يا سمير. صرخة صدرت من الداخل، اجبرتها لترك الشرفة والذهاب نحو الشجار المحتدم، لتجد شقيقها هذه المرة متجمدًا لوقع المفاجأة، اما درية والتي كانت ممسكة بهذه المنهارة: – صلي ع النبي يا اسراء وبطلي عبط ، انتي اتهبلتي في مخك ولا جرالك ايه بس؟ وبرد فعل غير متوقع، دفعتها عنها بعنف وكأنها قد فقدت صوابها: – انا برضو اللي اتهبلت؟ ولا ابنك اللي شال من جلده حتة الاحساس، دا بقى عامل زي الحيطة اللي واقف وراها ، لو جرحتي فيها بالسكين حتى عمرها ما تتكلم ، عشان مش بتحس، لا وعاملي فيها حبيب وبيبكي ع الاطلال، ياخي اتنيل هو انت تعرف تفكر غير في نفسك ، عامل زي العيل الصغير اللي شالو عنه لعبته الحلوة، قاعد يزن ويفرك، هيموت عشان ترجعله من تاني، ما انت لو كنت تستاهلها بجد مكنتش راحت منك اصلا . صدرت الاخيرة بصرخة موجهة نحوه ، فكان الرد منه على الفور بلطمة قوية على وجنتها شهقت على اثرها والدته وشقيقته التي وضعت يدها على فمها بصدمة، والمسكينة التي تلقت اللطمة، من هول ما يحدث معها تجمدت محلها دون اي رد فعل ، تتطلع له بعيناها فقط، حتى دموع مقلتيها توقف سيلها، وكأنها ابت الخنوع او الضعف امامه. ❈-❈-❈ على مائدة الطعام وقد اجتمع جميع افرادها اليوم في تناول وجبة الإفطار مع مجيدة التي اصرت على أبنائها وزوجاتهم مشاركتها اليوم، برغبة منها تود تكرارها كل يوم ، ولكن قليلا ما يحدث، نظرا لانشغالهم الدائم كلٌ فيما يخصه او ما يعمل به: – يا خويا انتبه على اكلك، سيب البت تعرف تاكل براحتها. هتفت بها نحو ابنها الأصغر والذي عبس بوجهه يهم يالاعتراض ، عكس زوجته التي تلقفت كلماتها بترحيب: – قوليلو يا ماما، دا محسسني انى مجوعة ابنه جوا بطني. رد هو بدفاعية: – بييجي كلامها اوي على هواكي، عشان عارفة انها دايما بتغطي عليكي، لكن تفتكري انتي تعليمات الدكتور لما قالك ان حالتك خاصة، بعد اللي حصل، واهتمامك بتغذيتك وتغذية الطفل يبقى اهم اولوياتك طول شهور الحمل لااا، عشان خايفة تتتخني ولا شكلك يتبهدل، مع الراحة وعدم الشغل، انا فاهمك. فغرت فاهها باستهجان قائلة بصدمة: – نهار اسود عليا وعلى سنيني ، دي كانت جملة وغلطت بيها قدامك الشهر اللي فات يا حسن، لساك فاكرها وشيلهالي ف دماغك؟ اشار بسبابته على جانب رأسه بتصميم لها: – عمري ما اسهو عن اي جملة خرجت منك يا شهد، انا مركز معاكي اوي، ويلا كلي اللي قدامك بلاش دلع. زفرت بيأس منه، امام ضحكات الثلاثة المراقبين لهم، لتعلق والدته: – عشان تتعلمي يا خايبة، وتربطي لسانك ده ما يزلف قدامه بأي حاجة يمسكها عليكي، دا ابني وانا عارفاه زنان . تدخل امين هو الاخر: – يا عم انت كمان، بتدقق ع البنية الغلباتة، امال لو معاك فرقع لوز اللي معايا كنت عملت ايه؟ – انا فرقع لوز يا امين؟ شهقت بها لينا بصدمة هي الأخرى، لتهادنها مجيدة بتسلية متفكهة: – لا يا حبيبتي انتي مش فرقع لوز ولا حاجة، دا هو اللي مش قادر يفهم لحد دلوقتي انه متجوز اللهلوبة هههه. تمتمت بها لتصدح الضحكات، حتى لينا هي الأخرى تبسمت بخجل، حتى اذا هدأت ضحكاتهم، توجهت مجيدة نحو شهد بسؤالها: – قوليلي يا شهودة، اخبار العرايس ايه؟ اتصلتي باختك واطمنتي عليها ؟ اومأت تجيبها بإشراق: – الحمد لله ، امنية بتشكر في عصام وبتقول فيه كلام حلو اوي، ربنا يبارك فيه ، انسان اخلاقه عالية اوي . – مش صاحب ابني، يبقى لازم تبقى اخلاقه عاليه طبعا. قالتها مجيدة بزهو بإشارة نحو امين الذي دفعه الفضول للتساؤل: – يعني حالهم كويس ومبسوطين مع بعض يا شهد؟ ردت بدهشة : – ايوة يا امين، ما هي بتشكر فيه، يعني اكيد مبسوطين. – ربنا يديمها عليهم يارب. قالها بتمنى من القلب، وبداخله يتردد السؤال: – طب ولما هو مبسوط وعال العال، ماله بقى المجنون ده، كان متغير ليه بس؟ ❈-❈-❈ استيقظت من نومها على اثر هزة خفيفة بالفراش اهتز لها جسدها، لتفتح عيناها مجفلة، فتجد وجهه مطلا عليها من علو ، حيث كان متكئًا على مرفقه بجوارها، يبدو وكأنه كان يراقبها منذ فترة. لتستدرك وضعها وهذه البرودة الطفيفة التي تلامس بشرتها، وبرد فعل غريزي شدت عليها الملاءة كي تغطي بها حتى نصف رقبتها، لتثير على ثغره ابتسامة، مع مخاطبته بجدية يغمرها الارتباك: – شكلك صاحي من بدري، طب مصحتنيش ليه؟ بلطف شديد دنى يقطف من ثغرها قبلة سريعة، قائلا بتغزل: – كان عاجبني ابصلك وانتي نايمة يا ستي، لو حاسس بجوع أكيد كنت هدور ع الاكل ، مش لازم اصحيكي يعني، بس انا بقى شبعان ، وشبعان اوي كمان. قالها بمغزى فهمت عليه، من طريقته نحوها، لتغزو السخونة وجنتيها ، وتسبل اهدابها عنه بخجل شديد، بتذكرها ليلة الامس، ومشاعر العشق التي اكتسحها بها، بعيدًا عن اي افكار سوداء تعكر صفو علاقتهم الزوجية الوليدة، تتمنى لو يدوم ذلك. حمحمة بخشونة صدرت منه ليسرق انتباهها بقوله: – لا بقولك ايه، احنا من امبارح مخرجناش من اوضتنا، كدة الوقت هيسرقنا وهننسى حتى نتفسح ولا نشوف معالم البلد، قومي يا امنية عشان انا اصلا بتلكك وربنا ع القعاد. نهض بالفعل يجبر قدميه على الوقوف بعيدا عن الفراش ، فحاولت هي ايضًا التغلب على كسلها، لتنهض بجذعها بصعوبة وهي تلملم الغطاء حولها، امام نظراته المتفرسة لها، لتخاطبه برجاء: – طيب ممكن تكمل انت وتسبقني على ما أقوم أنا وأدخل الحمام، ممكن؟ اهتزت رأسه بنفي غير متوقع، ليسقط فجأة على الفراش بجوارها عائدًا اليها: – انا بقول نأجل الخروج شوية، اليوم لسة في بدايته مش هيطير يعني. اجفلت بخجل شديد وهي تجده يندس معها اسفل الغطاء الذي جذبه على حين غفلة منها، لتردد بتساؤول: – عصام انت اكيد بتهزر…. قطعت بشهقة خافتة هذه المرة، قبل ان يوقف هو كل استفسار لها يبتلعه بجوفه، ليأخذها بجولة اخرى من جولات العشق بينهم، ينسى العالم وينسى نفسه في عالمهم الخاص بهما وحدهما، بعيدا عن اي ضغوطات وتأويلات العقل التي لا تنتهي. ❈-❈-❈ وفي مقر عملها الذي دلفت اليه للتو، يتكرر نفس السيناريو الذي يحدث معها من وقت خروجها من المنزل، عمال تعرفهم وآخرين لا تعرفهم، تتركز أبصارهم بها وكأنها المرأة الوحيدة التي تمر امامهم، فتزداد هي توجسًا داخلها: – حتى انتو كمان، انا كدة كنت معفنة بجد بقى! – بهجة، ايه الحلاوة دي يا بت؟ كان هذا صوت رئيستها في القسم السابق والتي هرولت اليها فور ان رأتها، لتتلقف هي لقاءها بها كالنجدة لها؛ – ست الريسة، هو انا لدجادي متغيرة؟ تقدمت منها لتخطف قبلة من وجنتها قائلة: – انتي مش متغيرة يا بت، انتي واخدة وضعك الطبيعي اللي اتخلقتي بيه، حمد الله ع السلامة يا بهجة القمر. ابتسامة بضعف لاحت على جانب شفتيها، في رد على تغزل المرأة، والذي رسخ برأسها نفس الفكرة: – تشكري يا ريسة دى عينك هي اللي حلوة، بقولك…. انتي هتيجي معايا دلوقتي ع المكان الجديد بتاعي في الشركة هنا، ع الاقل تشجعيني. ضحكت صباح ساخرة: -،اشجعك على ايه يا منيلة؟ دا مجرد نقل، ثم كمان الاستاذ عبد الفضيل مفيش اغلب منه، راجل كبير ، وقايم بشغل المصنع بقالوا سنين، حركي رجلك واستعيني بالله، وانا هحصلك بعد شوية كدة مع البنات، اجيبهم ونباركلك ع الموقع الجديد ، عقبالنا يارب، لما نطلع كدة للدورالتالت. تبعتها تتمتم بالادعية لتتخذ طريقها نحو الجهة الاخرى الخاصة بدرج الطابق الثاني والمصعد، لتتوقف امام الاخير في انتظاره، حتى اذا هبطت وخرج فردان من الموظفين لتدلف هي سريعًا وقبل ان يصعد بها، تفاجأت يمن ينضم معها وقد كانت تلك المتعجرفة، بنظارتها التي لم تخلعها بعد، مشغولة في النظر بهاتفها ، فلم تنتبه سوى بعد برهة، لتقع عينيها على بهجة، فتقيمها بتجهم اثار القشعريرة بقلب المسكينة، والتي حاولت تلطف رغم عدم ارتياحها: – صباح الخير يا أنسة لورا. خرج الرد من تحت اسنانها: – صباح الخير، ما انتي خلاص عرفتي انسانسير الموظفين. كتمت بهجة زفرتها لترفع ذقنها للامام باعتزاز في رد لها: – مش بقيت موظفة يا فندم، يبقى اكيد الكام دور دول مش هطلعهم على رجلي. – اممم. زامت بها بنظرة مقللة، ثم قالت بضيق: – طب يا سيادة الموظفة الجديدة، حاولي بس تبقي قد الحدث، عشان اللبس اللي لابساه باين من اولها كدة انه بيئة . قالتها وانفتح باب المصعد ، لترميها بشبه ابتسامة ساخرة، ثم تخرج من امامها تتمايل بخطواتها بزهو، لتتبعها بهجة ولكن بخطوات متأنية مثقلة، تغمغم بهمس مع ذاتها: – روحي يا بعيدة، الهي يسد نفسك زي ما سديتي نفسي من اولها كدة، اووف عليكي دا انتي عقربة…… ❈-❈-❈ ابلت بلاءًا جيدًا في اول يوم عمل لها بمكتب شئون العاملين والذي لا يحتوي سوى على ثلاثة موظفين، رجل كبير بالعمر هو رئيسهم، يدعي عبد الفضيل، وامرأتان ، تعملان معه منذ زمن، يبدو من حديثهم الدائم، اندماجهما التام لدرجة عدم اخفاء احداهما ضيقها لوجود موظفة جديدة تشاركهم الغرفة، وهذا ما كان يظهر بوضوح مع تعليقاتها المبطنة نحو بهجة: – عارفة تخلصي شغلك ع الكمبيوتر، ولا حاسة بحاجة معصلجة معاكي؟ انا مقدرة ان الشغل هنا مختلف خالص عن شغل المكنة تحت. من نبرتها الملتوية علمت جيدا بهجة بمقصدها، ليأتي ردها المفحم: – تسلمي يا مدام سناء، بس انا والحمد لله دارسة، القوانين وعارفة كويس اشتغل ع الكمبيوتر، يعني الشغل هنا اسهل بكتير من القعدة ع المكنة، مع اني والله اشتقـ,ـتلها من دلوقتي. – اممم. زامت بها المدعوة سناء لتغلق فمها وتعود لما تعمل عليه، ف انتقلت ابصار بهجة نحو الأخرى، الانسة حكمت والتي تبسمت بمودة لها محفزة: – برافو عليكي يا بهجة ، انا بحب اوي البنات المكافحة اللي زيك. قولها اللطيف خفف على بهجة مع تلك النظرات المحبة من العم عبد الفضيل ، الصامت دائمًا، فلا يتحدث الا قليلًا، ولكنه يبث الطمأنينة بقلب من يرافقه، بدفء طيبته. ولكن هذا الهدوء المبالغ فيه، لم تعتاد عليه بهجة، تفتقد صحبتها مع الفتيات بالأسفل وتباسطهم في الحديث البريء والجريء في ان واحد، صداقة مرت عليها سنوات، شغفها في اخراج القطع الجميلة من القماش لاشياء جميلة يرتديها الكبار والصغار، عكس ما تدونه على هذا الحاسوب ، من بيانات واحصاءات تثير الصداع في بعض الاحيان. نفخت بملل وهي تتلاعب بازرار الحاسوب بعدما انتهت من معظم العمل المطلوب منها، تحصي الساعات والدقائق المتبقية في انتظار انتهاء اليوم الاول في هذا العمل الممل بحق. – مساء الخير عليكم، الموظفة الجديدة بهجة هنا عندكم؟ هتفت احدى الفتيات مع اخريات زميلاتها في العمل القديم، ليهللن فجأة برؤيتها فهبت هي واقفة للترحيب بهم، لتحدث حالة من الهرج والصخب. – يا حلاوة يا ولاد، ايه يا بت الحلاوة دي. – مبروك يا بهجة قعدتك ع المكتب، عقبالنا يارب. – الله يبارك فيكي، عقبالكم يا ختي. – عم عبد الفضيل ينفع توظفني معاها؟ تبسم الرجل الكبير بخجل من جرأة الفتاة، دون ان يرد كعادته، مما استفز المدعوة سناء . – من فضلكم، بلاش الصوت العالي ولا الشوشرة ، دا قسم اداري، يعني احنا معندناش كده، أنا مقدرش اشتغل ع الصوت العالي ولا الصداع، عايزين نخلص اللي في ايدينا . شهقت احداهن بالعلكة بفمها تود تقريع المرأة المتكبرة، ولكن بهجة لحقت بذكائها لتمنع الجدال من اوله: – معلش يا مدام سناء، انا هاخدهم واخرج بيهم، عشان منزعجكيش، كملي انتي شغلك. رمقها العم عبد الفضيل بتقدير لرجاحة عقلها في رأب الصدع من اوله، قبل ان يلتف بنظرة عاتبة نحو الأخرى. لتخرج بهجة بزميلاتها في الرواق ، فيتبادلن معها المزاح بحرية حتى انضم لهما عدد اخر من بينهم كان زميلها تميم والذي عبر عن حزنه في انتقالها الى هنا، رغم فرحته لترقيتها ، وهي كالعادة ترد برقة، كما تفعل مع الجميع، فمرت لحظات من المزاح وتبادل الأحاديث مع تهنئتها للمنصب الجديد. قبل ان ينقلب كل ذلك مع مجيء هذه المتعجرفة وهتافها بازدراء نحوهم: – ايه ده؟ ايه ده؟ دا بقى فرح مش قسم محترم، انت يا عامل انت وهي، سايبين شغلكم وجايين هنا القسم الاداري عاملينها زيطة، انا لازم اشوف شغلي معاكم. – لو سمحتي يا انسة يا لورا، محدش فيهم عمل حاجة غلط عشان تحاسبيهم، دول جايين يباركولي. هتفت بها بهجة بانفعال في رد لها، لتلتقط هي فرصتها في اهانتها امامهم: – يا ما شاء الله يا ست بهجة، ما كانو يعملولك فرح احسن، بقى كل ده عشان قعدتي على مكتب، دا كدة يبقى المكنة اولى بيكي بقى. صدرت بعض الهمهمات الغاضبة امام صدمة بهجة التي تلجمت لحظات قبل ان تستفيق على اعتراض تميم الذي وجه غضبه نحو تلك المتعجرفة: – والله هو فعلا اولي بيها، ع الاقل مش هتشوف هناك اشكال بتتكبر على خلق الله زي ما بيحصل هنا. برقت عيني لورا بإجفال، لتصيح به موبخة: – انا متكبرة يا زفت انت؟ طب انا هوريك بقى المتكبرة دي بتعمل ايه مع واحد زيك . – اعملي حضرتك، الرزق على الله مش بإيدك صدر الرد القوي منه، ليحتدم بينهما شجار بالكلمات فيتدخل بعض العمال مثل صباح التي كانت تحاول التهدئة، وبهجة التي انتابها الخوف على قطع رزقه، لتأتي الصيحة الجهورية توقف جميع الألسنة، – ايه اللي بيحصل هنا؟ وليه جمع العمال دا كله؟ توزعت عيناه بينهم حتى وقعت ابصاره على تلك البهجة، التي تميزت من وسطهم، لا تقوى على رفع عينها نحوه، حتى قالت بحرج: – انا اسفة يا فندم بس دول زملائي، وكانوا جايين يهنوني. توسعت عينيه بذهول في النظر اليها، وتصلب جسده بعدم تصديق، لهذه الهيئة الجديدة وقد بدت وسط المجموعة كزهرة متفتحة باختلاف جذري عنهم، وهذه الرقة في الرد عليه شتت ذهنه عن سبب مجيئه من الأساس. ولكن انقشع السحر فور ان وقعت عينيه على هذا المدعو تميم، وحديث لورا في الإشارة عليه وعلى زملائه: – رياض باشا، تعالي شوف بنفسك المجموعة اللي عاملة ازعاج دي، وانا بس عشان اتكلمت، الولد ده بيقل ادبه عليا . مالت رأسه نحو المذكور بشر مرددًا: – بيقل أدبه ! تدخلت بهجة بدفاعية نحو الشاب : – لا والله حضرتك، هو بس بيدافع عني وعن الزملا بعد الأنسة لورا ما جات زعقت فينا من غير سبب. تميم انسان في منتهى الاحترام وعمره ما يقل أدبه على حد. كز على اسنانه وهو يبصرها بحنق شديد ، يود لو يكتم على هذا الفم، ويغلقه عن التفوه بحرف واحد آخر بالدفاع عن هذا التميم ، والذي يود ان يقتـ,ـله الان بسببها. ❈-❈-❈ اجتمعتا الاثنتان بمكتبه، فتحدثت لورا تصب على بهجة وزملائها اللوم والتصرف بعدم مسؤلية في اول يوم عمل لها، لتثقل عليها بطريقتها الفجة، في اظهار دنوها وعدم نفعها في وظيفة كهذه ، لتظل هي على صمتها، في انتظار دورها، حتى اذا انتهت لورا، اصدر امره هو: – خلاص يا لورا روحي انتي شوفي شغلك . – طب وهي؟ تسائلت مشيرة بالإبهام نحو بهجة، ليجيبها هو ببساطة: – هي هسمعلها زي ما سمعتلك. بدا الاعتراض جليا على ملامحها، رغم مجاهدتها لعدم اغضابه: – ايوة يا فندم، بس احنا اتكلمنا وقولنا كتير بما فيه الكفاية، هترغي وتقول في ايه تاني. تبسم بهدوء يكاد ان يجلطها: – انا عندى مرارة اسمع اكتر يا لورا ، روحي انتي شوفي شغلك، واما اعوزك هطلبك. اضطرت بصعوبة ان تذعن لامره ، لتضرب بقدمها على الارض فور ان استدارت بغضب متعاظم، تحجم نفسها بصعوبة عن الفتك بهذا الملعونة . اما بهجة والتي اصابها اليأس مما حدث، فخرج صوتها فور مغادرة الأخرى: – رياض باشا انا بقول ارجع لشغلي الاساسي زي الاول ، منعًا للمشاكل مرة تانية، بس ارجوك متأذيش اي حد من زملائي، دول جم يهنوني بحسن نية. مالت رأسه في النظر اليها بتهكم، مشبكا اصابع كفيه ببعضهما، يظهر جمودًا نحوها، كي يخفي ما يعتريه من مشاعر في رؤيتها بهذه الهيئة المختلفة اليوم، كلمة جميلة تجحف حقها، انها حقا فاتنة، وبصورة لافتة حتى لضعيف النظر، قدر صغير من الاهتمام مع ارتداء ملابس مبهجة بالوان ناسبت الخضار الصافي بعينيها يكاد ان يفقده صوابه، – رياض باشا انا بكلمك . – هو عاد فيها باشا ولا رياض حتى . تمتم بها بداخله، قبل ان يتحمحم يجلي حلقه: – اتكلمي يا بهجة انا عايز اسمعك، قولي اللي حصل وانا بعدها هبقى اقرر ان كنتي تستمري في الشغل هنا ولا لأ. – تمام يا فندم. ❈-❈-❈ لم يفهم كلمة مما قالت، وكيف له التركيز؟ وقد تشتت عقله ما بين طلتها الجديدة التي تسلب العقل رغم بساطتها، وما بين تذكره لما حدث ورأه بنفسه منذ دقائق، هذه الفتاة ستفقده عقله، نعم هذا اقرب تخمين له. نفض رأسه، يجليها من الأفكار المتخبطة، ليلطم بكفه على سطح المكتب، يوقف استرسالها عله بالنقاش قد يستعيد التركيز، – ثواني بس عشان متوهش منك، من البداية كدة ، انتي ليه مسمعتيش كلامها لما قالتلك اصرفيهم؟ تطلعت اليه بعدم استيعاب قائلة: – امال انا بحكيلك في ايه يا فندم بقالي ساعة؟ هما اساسا كانو مستيني عشان اصرفهم، دي ناس عارفة شغلها كويس واللي مستنيها، هي اللي كانت قاصدة بقى تحرجني قدامهم من غير ما اعملها اي حاجة والله، مش فاهمة انا هي بتعمل معايا كدة ليه؟ صمت قليلًا يحدق بهذه الحمقاء التي لم تفهم حتى الاَن سبب كره الأخرى لها، ليزفر داخله بحنق تاركًا كل ما اسهبت به يجفلها بمطلبه: – بهجة ممكن متجيش الشغل تاني بالبلوزة اللي انتي لابساها دي. زعرت تنزل بعيناها نحو ما ترتديه، تتسائل بحرج: – ليه يا فندم؟ هي بلوزتي فيها حاجة وحشة، دي حتى جديدة والله. ردد بعصبية نافيا: – مفيهاش حاجة وحشة يا بهجة، انا شايف انك تيجي بحاجة رسمية اكتر من كدة، وياريت لو غوامق افضل يعني، ممكن؟ اومأت بضعف وقد كسى الحزن ملامحها الشفافة، لتزيد من ثقل ما يكتنفه من الداخل، تظنه يقلل منها، ولا تعرف بما يعتريه من عواصف وبراكين تتقاذف بالشرر تحرقه كلما تذكر تحديق الجميع بها، وبهيئتها المبهجة تلك بصورة تزعجه وبشدة. – بهجة متفهمنيش غلط ، انا مش قصدي خالص اللي في دماغك على فكرة. ردت بغصة مما تأصل بذهنها: – انا فاهمة ومش محتاج تبرر يا فندم، يبقى كدة لورا كان عندها حق وانا اللي مصدقتش بقى لما قالتلي انها بيئة ومتصلحش للشغل……. سمع منها ليقاطعها بحدة، وقد فاض به منها: – لأ مش بيئة يا بهجة، بل بالعكس ، هي حلوة وحلوة اوي كمان، هو انتي معندكيش مرايات في بيتكم. اجفلها بصيحته، لتهتز بوقفتها بارتباك يلفها، فلا تدري ان كان تغزل او انفعال بها، لتسبهل اهدابها عنه بخجل، انتبه له هو ليتدارك نفسه، فيسرع بالتصحيح، قصدي ان يبقى عندك ثقة في نفسك يا بهجة. انا لما مضيت على عقدك كموظفة ادارية عندنا، دا لانك انتى قدها واكتر كمان لما تحاولي تطوري من نفسك، عشان تاخدي مكانتك اللي تستحقيها. ارتخت ملامحها ببعض الارتياح لقوله ، لترفع ابصارها مرة اخرى اليه تخاطبه بامتنان : – انا بصراحة مش عارفة اقولك ايه؟ كلامك دا حضرتك بيصحي جوايا احلام كنت دفنتها في الكام سنة اللي فاتو. – متقوليش حاجة يا بهجة، انتي فكري وارجعي لشخصيتك اللي راحت منك من تاني. بزغت ابتسامة مفاجئة على طرف شفتيها معلقة: – شخصيتي اللي راحت كانت ضعيفة حضرتك، يعني مينفعش ارجعلها اساسًا. – خلاص يبقى ارجعي لحلمك واعرفي وضعك كويس، اللي عايز تطور ميفضلش متبت ع اللي تحت. قالها بقصد لم يعجبها لترفع رأسها باعتراض له : – بس دول زملائي اللي عشت معاهم سنين، مينفعش اتخلى ولا اشوف نفسي عليهم، دا انا ابقى قليلة اصل . تأثر بغضبها، ولكنه احتفظ بجموده ف الرد نحوها: – يعني عايزة مني دلوقتي يا بهجة؟ اعطيهم مكافأة بعد ما قلو ادبهم على مديرة مكتبي؟ جحظت عينيها باتساع نافيه: – حضرتك دي هي اللي دخلت فيهم شمال، وتميم يدوب كان بيرد عليها. – تاني تميم؟ صدرت منه ضاربا بكف يده على سطح المكتب بتعصب، اوقع بعض الملفات والأوراق على الارض بسببه، لتتلجم هي بصدمة ، جعلته يزداد غضبا بداخله، ولكنه حاول التحكم في انفعاله، لينهض عن مكتبه تاركًا كل الفوضى، ليقف مقابلها، ثم تفوه بصوت بنبرة متغيرة: – ممكن يا بهجة تخلي بالك من كلامك معايا، ومتجبيش سيرة أي حد قدامي . حديثه بهذا القرب والنبرة المختلفة، وتلك النظرة التي تشبه الرجاء، حينما التقت خضرواتيها ببندقيتيه، وحديث دار بينهما في لحظات لم تشعر بها، ان كانت طالت او قصرت، ترى ما تفسير ذلك؟ هل هو….. تبًا. نفضت رأسها تزيح بوجهها للأسفل عنه، تقطع ذاك التواصل البصري بينهما، ترفض الفكرة من الأساس، لانه لا يصح ، أبدا لا يصح. – حضرتك انا عايزة امشي دلوقتي وانا مطمنة، ارجو متعملش حاجة تاني لزملائي لو أمكن. وصلها صوت زفرته القوية، قبل ان يعود مرة اخرى لمكتبه، يرضيها بقوله: – ماشي يا بهجة اطمني، بس ارجو ميتكررش تاني اللي حصل . اومأت بهزة من رأسها، دون ان ترفع عيناها اليه ، لتستأذن في الانصراف، تتبعها نظراته حتى اغلقت الباب خلفها، يسحب شهيقًا قويا بداخله ثم يخرجه بحالة من التشتت، لا يدري ما هي، يفعل اشياء دون ارادته، وهو الذي ظل لفترة طويلة من عمره المتحكم المسيطر ، باتخاذ البرود والجمود واجهة تمكنه من ذلك . كيف لفتاة مثلها ان تذيب الجليد بأقل فعل منها ، بل بنظرة واحدة قادرة ان تفقده صوابه، كما حدث منذ قليل، لقد كبح بصعوبة ذراعيه عن ضمها اليه، وعن ثغره….. في تقبيلها . يبدوا انه في مأزق لم يحسب له حسابا. ❈-❈-❈ خربتها وقعدت على تلها، ياكش تكون استريحت يا حيلة امك. هتف بها خميس بتوبيخ نحو اكبر أبنائه، فصدر رد زوجته باعتراض؛ – وايه دخل امه بقى يا سي خميس؟ كنت انا اللي مشيتها مثلا؟ تشدق بعصبية: – لا يا درية بس كان لازم توقفيها، تجبري ابنك الاهطل ده ياخد بخاطرها، بدل ما البت خدتها من قاصرها المرة دي ووصلت الموضوع لأهلها، اهي وسعت والبت اخدها اخوها اللي مكدبش خبر هو التاني ، يعجبك كدة؟ مصمصت بشفتيها ، تردف باستهجان ردا له: – ما هو لو لقى الكبير، كان عمل حسابه وراعى الاصول، لكن انت بقى راجل مش فاضي ، محدش يلومك يا اخويا. قالتها بإشارة نحو اهتمامه بهيئته الجديدة واختفاءه بالساعات في عيادة الطبيب لتكملة المتبقي لزرع الشعر بالصلعة الكبيرة وسط رأسه – شوف الولية . تمتم بها بغيظ يكتمه، ليقارعها بطريقته: – واسم النبي حارسه ابنك كان عيل صغير بقى يا ستى ومحتاج اللي يتصدرله، ممنعهوش هو ليه بقى؟ ها يا سي سمير ، ممنعتش نسيبك إنه ياخد اخته ليه؟ حينما توجه بالاخيرة نحو ابنه الذي اجاب بعنجهية يصب اللوم عليها: – ما هو نفسه كان جاي متحمل، وكأنه كان مستنيها، بت الجزمة شكلها كانت معبياه عليا من زمان. – من حقها يا سمير . تدخل بها سامر يواصل نحو شقيقه: – البت من ساعة ما اتجوزتك وهي شايلة ومعبية وساكته، كتر الضغط يولد الانفجار، وهي جابت اخرها منك ومن عمايلك . احتقن المذكور وانتفخت اوداجه بعدم احتمال هاتفًا بشقيقه: – اتلم يا سامر ، انا مش ناقص تناحتك انت كمان، يا إما وعهد الله لا اكون مطلع عليك غلب اليوم كله. – طب قوم وريني يا حبيبي، ولا انت مقدرتش ع الحمار جاي تتشطر ع البردعة؟ هتف بها الاخر يستفز شقيقه، والذي زمجر في استعداد لخوض الشجار بالفعل، لتأتي صيحة والدهم الغاضب نحوهم بلطمة قوية على سطح الطاولة امامه؛ – نفس تاني هيطلع من اي حد منكم ، وعهد الله ما هيبات فيها . اجبرهم بتهديده على الصمت، ثم نهض الكبير ولحق به الاخر، يغادران المنزل كل نحو وجهته، فعقبت درية في اثرهم بلؤم نحو زوجها: – ايوة كدة وريهم العين الحمرا، دول ملهمش غير اللي يردهم. انتفخ صدره بزهو ، يطربه قولها، ف ارتفعت يده اعلى رأسه نحو الجزء المزروع حديثا من الشعر بصلعته، وكأنه يطمئن انهم مازالوا موجودين، لتلوي هي فمها باستنكار وضيق ، فجاء قول ابنتها المتابعة منذ البداية بصمت: – كل اللي حصل ده بسبب بوز الاخص اللي اسمها بهجة، لولا قعدتها معانا في نفس البيت، مكانش سمير فضل كدة متعلق بيها. عبس خميس ملوحًا بكف يده في الهواء بعدم اكتراث، اما والدتها ، فقد ضاقت عينيها بتدبير تديره برأسها ، تعتزم تنفيذه. في اقرب فرصة ❈-❈-❈ حينما خرجت من غرفته ، ظلت على وضعها بهذه الحالة العجيبة حتى من عدم الفهم لما يحدث معها، حتى انها لم تنتبه لهذه المدعوة لورا ولا حتى بالنظر اليها، لتعود الى مكتبها، تتلاعب بشاشة الحاسوب دون ان تفهم ولو كلمة واحدة مما هو مكتوب امامها، تعيد برأسها هذا اللقاء الذي تم منذ قليل ، رافضة وبكل قوتها هذه المشاعر التي اصبحت تعبث بغباء داخلها. – مينفعش، اكيد مينفعش ، دا ايه الغباء اللي انا في ده؟ اكيد فاهمة غلط اكيد. صارت تردد بها داخلها ، حتى تفوهت بها بفمها دون ان تشعر، لتثير دهشة من يشاركها العمل بتلك الغرفة. حتى أتى اتصال الهاتف برقم تعرفه، لتفتح سريعًا في الرد عليها بقلق: – الووو…. ايوة يا دادة، مدام نجوان……… ليه مالها ؟ رواية حان الوصال الحلقة الثانية عشر يبدع في اصدار الصفير بفمه، كأداة نداء لمحبوبته، صوت خفيض ولكنه مميز ، تعرفه هي فقط وكأنه عاد مراهقًا، في مشاكسة ابنة الجيران ، والتي أتت بخطواتها الخفيفة على أطراف اصابعها ، من داخل غرفة ابيها والتي تدخلها كاللصوص في غياب الرجل، من اجل مقابلته، داخل الشرفة المجاورة لشرفته، بعدما غافلت اشقائها وجميع من في المنزل؛ – صباح الخير يا استاذ شادي. القت بتحيتها الهامسة، تميل برأسها نحوه بشقاوة لا تتخلى عنها في حضوره مهما حاول معها . التف اليها بأعين تضيق بنظرات مفهومة لها : – صباح الخير يا استاذة صبا، يارب تكوني بخير . يضغط على حروف كلماته برسميه اضحكتها، ليلوح بقبضة يده نحوها بابتسامة مستترة قابلتها بمثلها ترتد للخلف محذرة: – خواتي الولاد في الصالة، ممكن يحسو بأي حركة ويطبوا علينا، ساعتها هيبجى منظرك زي العيال . ضغط على شفته السفلى يردد خلفها بإقرار: – وهو انتي اللي يرتبط بيكي يبقى فيه عقل؟. انا فقدت اتزاني والشعور بالعمر من وقت ما شوفتك، مش عارف هتوصليني لأيه في الاخر يا بنت ابو ليلة؟ رفعت كفها تداري على فمها تدعي شهقة مصطنعة: – انتي هتغلط كمان في الحج ابو ليلة، لااا انا مسمحلكش يا استاذ . هذه المرة لم ينطق ببنت شفاه، وفضل الصمت متأملا لها، تلك الحيوية والاشراق وجمالها الفاتن، لا يصدق حتى الاَن هدية الله اليه بها ، وقد اقترب الميعاد، وحلمه بها على وشك التحقق. – إيه ساكت ليه؟ خرج السؤال منها بتوجس لصمته، فما كان منه سوى ان يهديها ابتسامة رائقة قائلا: – ساكت عشان بفكر يا صبا، العفرتة والشقاوة دي لما تبقي معايا في عشنا بكرة وبين ايديا هيحصل ايه؟ شهقة بإجفال حقيقي صدر منها هذه المرة، وقد اكتست الحمرة وجنتيها على الفور مرددة بخجل : – يعني هيحصل ايه يعني؟ انا الحج عليا اللي سيبت اخواتي والبيت المليان بالحبايب عشان اجي اجابلك مع انك تجدر تكلمني بالتلفون، – تلفون! – ايوة تلفون، وبطل تتنمر على لهجتي يا شادي. يعلم ان هجومها سببه الاساسي هو ان تغطي على خجلها منه، فهذا اسلوبها وقد حفظه منها، واعتاد ان يجاريها بمشاكسته ايصًا: – طب واتنمر ليه بس يا بنتي وانا عجباني الكلمة اصلا؟ دا حتى تلفون لايقة اكتر على تليفون . – تاني يا شادي، طب انا ماشية وسيباك. قالتها وتحركت اقدامها على الفور، وقبل ان تغلق باب الشرفة بذهابها للداخل تمتمت بالاخيرة امام ابتسامته: – وخليك انت كدة مع نفسك يا متنمر. اطلق ضحكة مجلجلة اطربت اسماعها، وابصاره منصبة على طيفها من خلف الستار الذي اغلقته مع الباب الزجاجي للشرفة، يعلم انها هي ايضا تضحك، لحظات الترقب في انتظار اليوم الموعود على قدر صعوبتها، لكن ما أجملها: – خلاص هانت يا صبا، هااانت كلها يوم وليلة بس وتبقى في حضني . تمتم بها بصوت مسموع وصلها دون جهد، لتضع يدها على موضع قلبها تحاول تهدئة الضربات التي تتقافز به، باتساع السعادة داخلها لقرب الوصال بمحبوبها. ❈-❈-❈ ليس على طبيعته، حتى ومعاملته الرسمية تبدو امامها بصورة عادية لا يشوبها شيء، لكنها تجزم بداخلها انه متغير من ناحيتها، حتى وكتلة البرود التي يتحلى بها دائمًا تظهر عكس ذلك، لكنها ليست غافلة عن شخصيته التي تعرفها جيدا. – الورق يا لورا صدرت بصوت عالي منه تفيقها من غمرة شرودها، اثناء انتظارها لأخذ التوقيع منه على بعض الملفات التي قامت بمراجعتها، لتنتصب بوقفتها، ثم اقتربت تتناولهم منه، وعيناها منصبه نحوه تستجدي نظرة لا يريحها بها ابدا ، تبا له من قاسي. تبسمت تعيد حساباتها بتغير منهجها في التعامل معه، علُه تكسب نقطة في الطريق اليه: – رياض باشا، قبل ما امشي انا حابة اعتذرلك . – تعتذريلي عن ايه؟ تسائل مستفهما يضع القلم بجيب سترته العلوية، لتفاجأه بضعف غريب عنها وهي تقول : – حضرتك بعترف اني زودتها في الموضوع الاَخير، بس انا مكنتش قاصدة اطرد العمال ولا اهين بهجة، هو بس الصوت العالي اللي ازعجني، وكانت لحظة غضب وانفلتت اعصابي فيها. مط شفتيه بابتسامة غامضة يتقبل اعتذراها بسخرية: – مشكورة طبعا يا لورا على رقتك، بس ان جينا للحق الأسف ده من الواجب يروح لصاحبة الشأن مش انا . برقت عينيها بصدمة، لا تصدق فحوى ما يرنو اليه ، ان تعتذر لهذه الملعونة، وكأنه كان يقصد التلاعب بها ، لطف يخفف عنها بمكره: – اطمني يا لورا، انا مش هطلب منك تعتذريلها طبعا، بس ياريت تحاولي تنجنبيها، بهجة بقت شيء مهم للست الوالدة دلوقتي، بالظبط زي نبوية، وانتي عارفة اللي يخص والدتي ، بتبقى مكانته ازاي عندي مازال تأثير الصدمة يلون ملامحها، ليتها ما فعلت ولا اعتذرت من الأساس ، لقد غلبها بخبثه، جعل منها أضحوكة امام نفسها ، وقد وضح مكانة هذه الملعونة بالنسبة اليه، وهذا ما نطق به فمه، فما بالها بما يدور بداخله. – روحي على شغلك خلاص يا لورا ، انا اعتبرته موقف وعدى ، لحظة غضب زي ما بتقولي . أومأت بملامح ممتقعة، مستأذنة بصوت بالكاد خرج ، لتجر اذيال الخيبة وقد ذهبت منها النقطة التي تقصدها لصالح هذه الملعونة. اما هو فقد نهض فور خروجها، ليستقر ببصره خارج النافذة يشرد بتلك البهجة التي طغت برقتها ووداعتها تلون ظلمة قلبه الصدئ، ولا يعلم نهاية هذا الجرم الذي يفعله بنفسه، وقد اقسم قديما الا ينال منه الحب ولا يضعفه. ❈-❈-❈ عدة ايام مرت بهم معه؛ وكأنه يطير بها على خيمة وردية، تلامس طيور السعادة بيداها، يغدق عليها من عشقه حتى ترتوي من فيض حنانه وأكثر، وهو لا يكل ولا يمل من القرب منها، يشعرها بأنوثة كانت ضائعة بمفهوم ترسخ بعقلها القديم، والذي نضج حديثًا على يديه ، معه فقط عرفت معنى الكمال. كانا الاثنان في هذا الوقت يستمعتان بعطلتهم داخل مياه البحر التي يسبح بها بمهارة، وهي بملابس البحر المحتشمة تسبح محلها، بعدما سحبها معه على غير ارادتها، تحاول مجارة عبثه من تحت الماء ، حيث كان يداعبها على حين غفلة منها كل دقيقة، قاصدا مناكفتها . – بس يا عصام، وربنا هخرج لو مبطلتش. ضحك يخرج رأسه المبتل من اسفل المياه غائظا لها: – طب ما بدل ما تخرجي وتسبيني، انزلي تحت واغلبيني، ولا انتي لزقتي مكانك في المية . دفعته بكمية من الماء بيدها تنهره: – انا برضو اللي مش عارفة اعوم، ولا انت اللي عاملي زي تعبان البحر، كل ما ابلبط بدراعي حبتين الاقيك لفيت حواليا ، ومش عارفة الاقيها منك، احوش الايد والرجل ولااااا…….. سحرها بضحكته ينثر شعر رأسه الناعم بعض الشيء، يدفعه نحوها يزيدها تأفافا،: – ما انتي اللي كسلانة وبصراحة صيدة حلوة للواحد يتسلى عليها جوا المية بابتسامة مستترة صارت تدفعه عنها تتصنع الضيق وهو يتقبل منها بصدر رحب، مواصلا مشاكستها: – يا بنتي انتي بتضربي ولا بتهرشي، طب شوية كدة ع الضهر بقى، ولا تحت بطاطي هاتي احسن تحت بطاطي . استطاع بخفة ظله ان يجبرها على الضحك، رغم انهزامها في كل مرة تدخل معه تحدي. بعد قليل وحينما شعرت بالاجهاد همت ان تسبقه بالخروج قائلة: – طب انا هروح اسبقك، واحضرلنا سندوتشين ناكلهم، حكم انا جوعت اوي. – تمام وانا هحصلك على طول ، اتخذت طريقها للخروج من امامه، لينقلب هو بمهارة يكمل جولة الاستمتاع بالمياه، حتى ارتفعت ابصاره نحوها فجأة، ليتفاجأ بأحد الشباب المستهرتين من جهة قريبة الى حد ما في هذا الشاطيء الهاديء بعدد افراده القلائل. يرمقها بنظرة متفحصة وقد كانت غافلة هي بما تفعله، عن نظرات شهوانية لا يفهمها سوى رجل مثله، يضغط بأسنانه على شفته السفلى بفجر تام ، جعل الدماء تغلي بأوردة الاخر، ليخرج اليه على الفور يفاجئ هذه الشاب بهجوم مباغت، وقبضة قوية حطت على فكه ، ليصرخ معبرا عن اعتراضه بالسباب والشتائم نحو هذا الرجل الذي يتعدى عليه دون ان يعرفه: – ايه ده؟ ايه ده يا بن الكلب؟ انت قد الحركة. صدر رد عصام على الفور يجذبه من عنقه: – انا حضرة الظابط عصام يا حيوان، وهعلمك الادب كويس دلوقتي عشان تحرم تبص على اي حاجة تخصه ولا تخص غيره. سارت الهرج والمرج على الشاطيء بتجمع الافراد حولهم ، وقد الاشتباك بين عصام الذي يريد الفتك بالشاب العابس ، مهددًا بمهنته، وهذا الشاب الذي يصارع من اجل البقاء من بين يديه، بالصراخ وادعاء المظلومية امام الاشخاص التي اشتد بأسها لتخليصه من ايدي الظابط المتعجرف بوجهة نظرهم وهي التي وقفت محلها بصدمة واضعة كفها على فمها ، لا تصدق هذه العدوانية المفاجأة منه، جاهلة بالسبب الحقيقي وراء تبدله من حالة الاستمتاع معها داخل المياه الى هذا الوحش المفترس. ❈-❈-❈ – ممكن افهم يا عصام ايه اللي قلبك كدة وخلاك تهجم ع الراجل وهتموته في ايدك من غير سبب . .هتفت بها فور دخولها خلفه غرفة الفندق الخاصة بهم، بعد فترة طويلة من الصمت، طوال طريق عودتهم، لتفاجأ به ينقض عليها قابضًا على ذراعها يهدر بوحشية اهتز لها جسدها من الخوف: – انتي تخرصي خالص يا أمنية، عشان لولا نظرة الحيوان السافلة ده ليكي، مكنتش انا خرجت عن شعوري ولا حصلت الفضيحة دي على الشط، انا بقيت قدام الناس الظابط المفتري على خلق الله وانتي السبب، انتي السبب يا امنية. ارتجفت بصدمة وعدم استيعاب، تترقرق بعينيها الدموع: – انا يا عصام، طب ايه ذنبي؟ ما انا كنت معاك في البحر وهدومي حشمة عن اي واحدة هناك، انت نفسك معترضتش عليها. صاح بها يدفعها بيده: – عشان مكنتش واخد بالي، كل حاجة كانت في عيني تمام التمام لحد ما شوفت نظرته عليكي، والهدوم اللي لزقت من المية والهوا فصلت جسمك ، عقلي طار مني ، ان حد يبص لملكي ولا يلمسه انا ببقى عايز اصور قتيل – يلمسه! تمتمت بها بضعف تبتلغ الغصة التي مررت حلقها، لقد عرفت الاَن وتأكدت ان هجومه بهذه الشراسة على هذا الشاب، لم يكن سوى غضب مكبوت ينفس عنه، وقد رأى بهذا المتعوس صورة الفاسد سبب كل ما يحدث معها الاَن. لتشيح بوجهه عنه، بل وتعطيه ظهرها، لتزرف الدموع بصمت ، مما زاد من جذوة غضبه ليهدر حاسمًا، احنا من النهاردة نلم هدومنا، انا كرهت القعدة هنا ومش قاعد فيها، جهزي نفسك. صرخ بالاخيرة ليدلف نحو المرحاض يتركها تسقط على الفراش تندب حظها وتغرق في موجة من البكاء الحارق ، لماذا تعطيها الدنيا السعادة مغموسة بألاَم الماضي؟ لماذا لم يكن هو نصيبها من البداية؟ لماذ؟ ❈-❈-❈ اصدر القاضي حكمه بما توفر لديه من اوراق وبراهين، هذا ما بيده وما يتم الحكم على اساسه، لا يعلم ان خلف حكمه تضيع في بعض الاحيان حقوق وتطمس على اثره حقائق، بفضل شياطين من الإنس تجيد تزوير الدلائل بل وقلبها ناحية المظلوم ، يعميها حب المال فتتخذ من المهنة دفاع لمن يدفع، وليس لمن يستحق. هذا ما تم في الجلسة حينما قلب هذا المحامي الفاسد الموازين وجعل القضية لا تزيد عن خصومة وشجار ، فلا يوجد من يثبت حقيقة القتـ,ـل قديما، ولا شهادة محققة عن الخطف، سوى كلام الخصم. وهذا ما لعب عليه بدقة متناهية ، ولكن مهما طال الزمن او قصر حق الله اَت لا محالة . لتصدح اصوات الزغاريد وتعج القاعة بالصخب فور انتهاء الجلسة: – مبروك يا ابراهيم، ربنا ظهر الحق يا قلب امك . تفوهت بها سميرة تمسك بالسياج الحديدي للقفص المحبوس بداخله، وفمها هي وعدد من النساء والرجال من أقاربها والمعارف لا يكفون عن الصيحات بحيا العدل بحيا العدل ليعقب اليها ابراهيم والذي صار يضحك بعدم سيطرة مع تهاني الرجال ومباركتهم له : – الله يبارك فيكي ياما يا غالية، فينه ابويا يعرف ان الحق ظهر، وانه كان ظالمني، وربنا ما هفوتها له دي، – يا خويا خلي قلبك ابيض، كفاية اهو نفعنا بفلوسه وخلاص، انت عايز ايه اكتر من كدة قالتها سميرة بتباسط ليتدخل معها المحامي المغوار بزهو: – اه يا ست سميرة، واديكي عرفتي ان الفلوس مترمتش في الارض ، طلعتلك ابنك براءة من حنك السبع ، عشان تعرفي اني قد الكلمة اللي باقوله. تمتمت له هي بامتنان ليضيف عليها ابراهيم بفرح : – ايوة انت عمنا وسيد الكل، انا مش هسيبك ابدا، مدام بتعرف تجيبها كدة. سمع المذكور ، يزداد انتشاءًا بكلماته اما هو فغمغم بداخله: – ومدام بقى ليا ضهر طول ما الفلوس موجودة، اعمل انا اللي على كيفي بقى، ❈-❈-❈ داخل الشرفة الواسعة، وقد كانت جالسة بالقرب منها تراقب اندماجها على جهاز اللوح اللاليكتروني، حيث كانت تحرك اصبعها على الشاشة، تحارب بالبطل الرئيسي في تلك اللعبة في محاوله منها لأن تهزم الاشرار، بعد ان تعلمتها من شقيقتها عائشة، والتي زاد تعلقها بها ، حتى تجعلها تصر على الذهاب اليها كالاطفال ، كما حدث منذ ايام حينما جعلت الدادة نبوية تهاتفها اثناء العمل وتطلب منها الذهاب معها ضروري الى عائشة بعدما نفذت طاقتها من الحاحها. تنهدت بقنوط تربع ذراعيها مستسلمة لنسمات الهواء العليلة والتي كانت تطير حجابها كل لحظات وهي تحاول السيطرة عليه ، حتى وقعت عينيها في الأسفل، نحو موكب السيارات التي توقفت امامها، وهو يترجل من احداهما، وابصاره في الأعلى نحوها، وكأنه يعرف انها في انتظاره، وقد تعودت عليه هذه الايام ، يأتي في ميعاد محدد بعد استلامها لنوبة عملها، تلتقي عينيها به ، رغم محاولاتها الحثيثة للهروب منه، لا تريد الاستسلام لهذه المشاعر التي اصبحت تجتاحها بوجوده، لقد اغلقت على باب قلبها بمفتاح صديء منذ سنوات عديدة، منذ فسخ خطبتها بابن عمها الذي لم تعرف معه معنى الحب من الأساس، لا بل قبل ذلك، منذ مراهقتها ومشاعر الاعجاب العادية من الفتيات نحو الشباب ، ابدا لم تصل لهذه المرحلة ودقات القلب التي اصبحت تعزف الحانًا له هذه الايام، لا يجب ولا يصح، ولكن لا تستطيع منع نفسها عن التفكير به، ولا عن افعاله التي تبدو مكشوفة في بغض الاحيان، مثلما حدث منذ يومين حينما التسعت يدها من كوب الشاي الذي كانت تعده لتفسها في المطبخ، وانفلت من يدها ليقع على الرخامة ومنه ما وصل لظهر يدها، فصدح صوت صرخة منها كرد فعل طبيعي منها، في غياب العاملين في المطبخ بذهابهم لمنازلهم على موعد التاسعة. وقبل ان تستقيم بجسدها جيدا وجدته امامها بلهفة يسألها: – بهجة ايه اللي حصل؟ حرقتي نفسك ازاي بس؟ صدر سؤاله الاَخير بعدما انتبه لحرق يدها، – الشاي، الشاي انكب عليا تمتمت بها كإجابه ، فلم ينتظر ثانية بعدها، ، ليتناول يدها على الفور فيقربها نحو صنبور الماء ، – ااه اه، خلاص خلاص، خلاص يا فندم. رمقها بنظرة لن تنساها، ليظل ممسكا بها حتى هدأت قليلًا، ثم اغلق الصنبور، وتحرك بها ، ليجلسها على احد المقاعد المرتصة نحو الطاولة الصغيرة بالمطبخ، يخاطبها بحنو غريب عنه: – معلش استحملي شوية. اومات باستجابة رغم اتجاف يدها بالوجع، فذهب من جوارها، ليأتي لها ببعض الاسعافات بعد لحظات قليلة، يضعهم على الطاولة، ثم يجلس هو الاخر مقابلا لها، يجفلها بتناول يدها مرة اخرى دون استئذان، لتلجمها الدهشة عن الاستفسار، بعدما باشر في اسعاف يدها بتجفيفها من الماء برقة متناقية، يطمأنها بنبرته الدافئة، يشير على احدى علب العلاج: – الكريم دا سحري ، انا جايبة معايا من رحلتي في السويد ، عايزك بس تتحملي الخطفة الاولى . – يعني ايه؟ ما كانت تتفوه بها حتى باغتها بوضع كمية على موضع الحرق صرخت على اثرها، حتى كادت عيناها ان تدمع. – اااه ااه اااه دا بيحرق ….. دا بيحرق اوي. حاولت جذب يدها ولكنه تشبث بها يهادنها: – معلش…. اتحملي هي ثواني بس يا بهجة. امام اصرارها اضطرت ان تتحمل هذه الثواني، والتي لم تدوم كثيرا كما قال، وقد اصبح الالم يخف تدريجيا، حتى سكنت مقاومتها ، ليلاحقها بسؤاله: – هدأ الالم دلوقتي صح .. اومأت بهز رأسها دون ان تتمكن من الرد، فتابع بباقي الاسعافات ليلفها بالشاش الطبي بلطف مبالغ فيه، يبثها الامان بقوله: – من هنا للصبح ان شاء الله مش هتحسي بأي حاجة، حمد لله ان حرق خفيف، وانتي اكيد حمولة يا بهجة ولا ايه؟ ابتعلت رمقها امام هذا القرب، والذي لم تشعر به سوى الاَن، يدها المحتجزة بين كفيه، رغم انتهائه من مهمته، وهج بندقيتيه اللتان تحدقان بها ، بطريقة عجيبة تأسر من أمامها، – ما هذا الذي يحدث؟ – وما ذلك الشيء الذي تتأثر به جميع حواسها حتى تشعر به داخل معدتها؟ لقد صار الوضع اكثر من تحملها ، لتحاول نزع يدها بخفة منه ، ولكنه ابى متابعًا حديثه: – لو حاسة بألم حقيقي قولي متتكسفيش، مش معنى ان بشكرلك في العلاج يبقى لازم اكون انا على حق. – لاا يا فندم، انت فعلا والله على حق، رددت بها بارتباك، لتتمكن هذه المرة من نزعها منه مستطردة – وانا لازم امشي دلوقتي…. اه صدر تأوه منها مرة أخرى، لتتطلع له باستفسار اثار تسليته: – الحركة العنيفة هي اللي خليتك تتألمي يا بهجة مش الكريم. اطرقت بحرج، لتثبت يدها عن الحركة هذه المرة بحرص، فتابع موجهًا لها بالامر : – هتروحي النهاردة مع عم علي من غير تقاش، هجيبلك في الطريق معاه شوية ادوية من الصيدلية ، تساهم اكتر في الشفا بإذن الله. حينما ظلت صامتة اردف بتشديد: – سمعتي انا بقولك ايه يا بهجة ولا نعيد تاني؟ اومأت بحرج متزايد ، تريد الهرب من سطوته ، تريد الافلات بقلبها من شيء لا تريده، نعم لا تريده، ❈-❈-❈ وفي ناحية اخرى بعد عودته من العمل وسماعه الخبر المشؤوم، لم يطق الانتظار حتى موعده الرسمي ليقود سيارته ، ويأتي اليها على عجالة كي يطمئن عليها، ليتوقف الاَن على مدخل الغرفة ، يتهامس عن حالتها مع والدته: – هي كدة على وضعها من ساعة ما سمعت الخبر؟.. ردت مجيدة بأسى: – اه يا كبد امها، انا حاولت معاها، ولينا كمان في التليفون مسيبهاش كل شوية تتصل، حتى امين كمان وعدها انه هيفتح لها ملف القضية من تاني ومش هيسكت غير لما يرجعه السجن ابن امه ده، بس هي مفيش فايدة. تمتم ردا لها بغيظ شديد: – ابن ال…… كانت ناقصاه هي….. خلاص يا ماما روحي شوفي انتي ايه اللي وراكي. ربتت مجيدة على كتفه بدعم ، ثم تركته يدلف الى زوجته، كي يهون عليها مصابها: – شهد. هتف مناديا بإسمها، ليجيرها على الإلتفاف اليه، ولكنها انتظرت للحظات حتى جففت دموعها قبل ان تلتف اليه برأسها، فوجدته سقط خلفها على الفراش، يضمها الى صدره مهونا: – متخبيش عني دموعك يا حبيبتي، انا حاسس بوجعك قالها ف انطلقت هي في موجة حارقة من البكاء وكأنها كانت في انتظاره: لتردد بعد فترة من الشهقات المتتاليه: – حق ابويا يا حسن، حق ابويا ضاع، لتكمل بنشيج حارق قطع نياط قلبه، ولكنه استمر في طمأنتها: – حق باباكي راجع غصب عن الكل يا شهد، صدقيني يا حبيبتي مهما طال الزمن او قصر، حقه راجع ، دا غير ان امين اكدلي انه حاطط الموضوع في دماغه، ومسيره يرجع الكلب دا السجن من تاني، هو والمحامي الفاسد بتاعه. هدنت قليلًا لتتجاوب في الحديث معه؛ – فاسد ولا شريف، المهم انه قدر يخرجه من القضية ، ويضيع حق الميت ويحصرنا اخنا ولاده عليه، دا يرضي مين دا بس يا ربي؟ يعني اروح اشتري مسدس واخد تار ابويا بإيدي، ساعتها الحكومة هتسيبني بقى، ولا تفتكر تنفذ القانون عليا انا بس ، اللي بدور على حق المظلوم . حاول ان يخفف عليها بدعاباته: – مسدس ايه يا بس يا عم الخط، استهدي بالله يا روح قلبي وخلي تكالك على الخالق، دا لوحده القادر القهار،يعني ولا مية محامي هيقدر ينجيه من عقاب ربنا ، في الدنيا قبل الاخرى ان شاء الله ، خليكي واثقة في كدة، واللي ظهر حقيقته بعد كل السنين دي، اكيد يعني مش هيبقى صعب عليه يجازيه بعمله – ونعم بالله ونعم بالله . صارت تردد بها وهي تندس بحضن زوجها، تنشد الراحة، لقلب احترق بنيران الظلم التي تنادي بالانتقام. ❈-❈-❈ – عائشة عائشة – يا دي النيلة عليا. تمتمت بالكلمات بهجة ، خلف الاخرى والتي تصر عليها الاَن الذهاب الى شقيقتها، لتحاول معها لاقناعها: – بكرة ان شاء الله هاخدك ليها بس النهاردة …… – عائشة عائشة. قاطعتها تردد بنفس الاسم ، في رسالة واضحة لعدم التقيل، لتزفر بهجة بيأس ضاربة بقدمها على الارض: – طب احلها ازاي دي بس وانتي مش قابلة حتى تسمعي. – ايه اللي حصل يا بهجة؟ ومالك ومتعصبة كدة ليه؟ شهقت ملتفة عنه بحرج، فور ان انتبهت لحضوره، كيف يأتي في هذه الاوقات الحرجة لها – يا مصيبتي. لاحت ابتسامة عابثة على شفتيه لهيئتها تلك ، ليلملمها سريعًا في استجداء الجدية: – بهجة انا بكلمك على فكرة مينفعش تديني ضهرك. اغمضت عينيها لتعود اليه بوجهها الذي اصبح كتلة مخضبة بالإحمرار،: – انا اسفة يا فندم، عشان بصراحة مقدرش اخدها النهاردة اصل معزومة على حنة . – حنة مين؟ سألها بفضول اثار دهشتها ولكنها تغاضت تجيبه: – ابن عمتي شادي، اللي شوفته قبل كدة في الخناقة، خطيبته عزمتني احضر معاها الحنة انا واخواتي. وعلى عكس ما توقعت ، جاء رده بعد فترة قصيرة من التفكير : – بس انتي عارفاها مدام اصرت يبقى انسي تشيل من دماغها ولا نوقف، ايه رأيك حتى لو نص ساعة تشوف الجو الجديد،، وبعدها تروح مع عم علي….. او…… ممكن اعدي انا بنفسي واخدها، هبقى اتصل بيكي توصفيلي المكان لماذا تشعر ان خلف اقتراحه يوجد شيئًا ما من اللؤم.؟ ولكن ماذا بيدها؟ القت بنظرها نحو نجوان التي زاد الاصرار ملامحها، لتتنهد بيأس: – ماشي يا فندم ❈-❈-❈ خرجت دورية من غرفتها بعدما تجهزت وتزينت من اجل حضور الحفل، لتفاجأ بدخول ابنتها المنزل عائدة من الخارج، بهيئة صاخبة اثارت استهجانها لتتسائل مقيمة لها من اعلى الى اسفل:.. – ايه يا بت د؟ روحتي هيبتي دا كله فين؟ وامتى لحقتى؟ اجابتها بثقة وهي تتلاعب قي خصلات شعرها. – لحقت وعملت بسرعة ياما ، عشان كنت حاجزة من امبارح ومجهزة نفسي، بصي بقى على هيئتي كويس اجنن صح، بصراحة انا قاصدة، عايزة ابقى احلى واحدة في الحنة النهاردة، حتى العروسة. التوى ثغر دورية بضيق عبرت: – ولما في الحنة وعاملة كدة، امال في الدخلة هتعملي ايه؟ اتحركي يا سامية خلينا نخرج في ليلتك المهببة دي، مقطعة نفسك على حاجة مفيش منها فايدة، زبك زي اخواتك…. قالتها وتحركت تسبقها الى باب الخروج، لتتمتم هي في اثرها: – واش عرفك انه مفيش منه فايدة، مش يمكن يحصل ولا يتم المراد حتى بعد ما يتجوز، واديني بتسلى، هو انا هخسر ايه يعني؟ ❈-❈-❈ عقب مغادرة الاثنتان دورية وابنتها، أتت سيارة العم علي تتوقف امام المبنى، وقد اصبح اهل المنطقة يعتادو عليها بمعرفة ان بهجة تعمل مع صاحبتها، والتي ترجلت بفرحة تغمرها تتلقى استقبال عائشة التي كانت في انتظارهم: – نوجة صاحبتييي. تم اللقاء بعناق حار اجبر بهجة للتوقف امام مشهدهم، ان كان فرح شقيقتها بلقاء المرأة التي تسبقها في العمر اضعاف، نابعًا من براءة طفولتها او يمكن تذكرها بحنو الولدة التي لم تراها من الأساس، نظرا لموتها في ولادتها. فن فرحة نجوان فهي ما تثير الدهشة بحق، هل ترى فيها بالنصف عقل المتبقي لها صديقة تشاطرها اهتمامها، ام هي الأخرى تجد بها تعويضًا عن كل ما تفتقده من حب، بعد رحيل زوجها وهوسها بعشقه، كما عرفت – براحة، براحة شوية يا شوشو الست مش حملك جاء التعقيب لصاحب الصوت المعروف من خلفهم، ليجبرهم على الالتفات اليه، وقد اكتملت مرحلة زرع الشعر لتعطيه الثقة الاَن في الحديث امامها، تلك الفاتنة ذات السلاسل الذهبية والتي كانت تتطلع اليه الاَن بنظرات فسرها بداخله ، انها اعجاب بهيئته الجديدة، وقد ابتاع ايضا ملابس عصرية الى حد ما، لتناسب السن وطبيعة الجسد المتكور: – عاملة ايه يا هانم؟ يارب تكوني بخير، انتي شكلك خلاص بقيتي من اهل المنطقة. بالطبع لم يجد ردا منها، وقد اعتلت الدهشة تعابيرها، لتزفر بهجة بنزق لهذا المشهد الذي اصبح يتكرر معهما منه، فتسحبها من يدها وتتحرك بها قائلة له بمودة زائفة وكلمات مقصودة:: – للمرة المية هقولهالك يا عمي، نجوان هانم مبتسلمش على حد . اعترض يدب قدميه على الارض امامها؛ – وهو انتي بتديها فرصة اساسًا، ما كل مرة بتسحبيها بمجرد ما اقرب ارحب بيها ، مش كدة يا بنتي الله، مالت رأسها نحوها باستهجان ناظرة له، متمتمة له بابتسامة صفراء: – فرصة ايه يا عمي بس؟ ما قولتلك ترحيبك وصلها، هي كدة مبتحبش الرغي من اساسه، عن اذنك. جذبتها من امامه تسرع بخطواتها نحو منزلهم، فتوقفت عائشة مزبهلة بالنظر الى الجديد به، لتسأله بفضول: – عمي هو انت حاطط باروكة فوق الصلعة؟ انتفخ صدره ليجيبها بزهو: – لا طبعا مش باروكة ولا كلام فارغ، انا زرعت ! – زرعت! – ايوة زرعت شعري، مسمعتيش انتي عن زرع الشعر؟ تبسمت بشقاوة تتطلع اليه لعدة لحظات ، لتنطق اخيرا: – طب حاول بقى تسقيها كويس وتراعيها لتنشف ويقع منها شعرك من تاني. ختمت بضحكة تهرول من امامه، لينتفض هو يلمس على الجزء المزروع متمتمًا برعب حقيقي من حدوث ذلك بعد دفعه للمبلغ الضخم في سبيله – يوقع في عينك بنت قليلة الادب ، قال يوقع قال، وجع بطنك. ❈-❈-❈ وفي شقة العروس وقد اجتمعت النساء من اهلها الذين أتو من الصعيد والجيران والمعارف هنا لحضور الحناء، تلك الليلة المميزة في قلب كل عروس، بتباسط النساء ورقصهم معها. وكالعادة كانت ساحرة بجمالها الخاطف بالاضافة لزينتها المتقنة ، وقد غيرت بارتداء فستان باللون النبيتي واضعة حلى من الذهب في تقليد يسير عليها وعلى باقي افراد العائلة، لتتباهي المرأة بما يأتي به اهلها له، ويدها وقدميها تزينت بالحناء الاسوانية، مع فرقة النساء التي تُحي هذه الليالي بحرفية متوارثة عبر الاجيال سعيدة وتضحك من قلبها، ترسل كل دقيقة رسالة لحبيبها القابض على جمر النار ، بحرمانه من هيئتها المثيرة تلك ، لتغيظه وتشاكسه، ثم تشارك الجميع برقصها واغنية محمد منير الشهيرة كانت تدوي الاَن: ايوو شمندورة منجنا بهر جاسكو مينجنا سجرى مالا واينا مورتنا نا واينا ع الشط أستني رايحة فين دانا ليكي بغني غنوتين غنوة عن الآهة والحنين وغنوة لعنيكى ياحنين آه يا شمندورة لابسة توب يا اجمل من الصورة دوب يا دوب يا اسمر يا سمارة دوبت دوب يا عيون قدارة ع القلوب آه يا شمندورة صبري طال ردي و جاوبيني ع السؤال اندمجت نجوان ترقص مع عائشة والفرقة النوبية وكأنها طفلة مثلها، بمشهد اثار الحنين بقلب بهجة، التي بدأت تشعر بالتعلق نحو هذه المرأة النقية فلا تستغرب هروبها الى عالمها الخاص، بعيدا عن الواقع المرير – واقفة لوحدك ليه يا بهجة؟ ما تدخلي ارقصي مع البنات . كان هذا صوت رحمة ابنة عمتها وشقيقة العريس، التي تحضر اليوم مع الفتيات لتعيش هذه الليلة الجميلة، بفرحة تناشدها منذ سنوات طويلة لشقيقها، ليأتي اليه العوض الان بأبهى صوره . اعترضت بهجة برقتها وابتسامة مودة لها؛ – يا حبيبتي ربنا يتمم بخير، انا خليني واقفة هنا ومبسوطة بالفرجة، الرقص نسيته من زمان. – لا رقص ايه اللي تنسيه؟ والله لا ترقصي معايا دلوقتي، ولا اجيبلك طنط زبيدة تحلف عليكي والله لا ترجصي، ياللا يا بت مفيش اعتراض النهاردة. سحبتها غنوة لتضعها وسط الفتيات فتجبرها على الرقص بينهم ومشاركة نجوان التي رحبت مع شقيقتها يشاركنها اللحظة. والعروس نفسها معهم. وفي زاوية لهما وحدهما، لكزت دورية ابنتها مغمغمة من تحت اسنانها:. – شايفة المحروسة بنت عمتك بتعمل ايه مع الزفتة بهجة، اللي ما قدرها ربنا حتى تشدنا معاهم مجاملة، مع انك انتي الاولي ، على الاقل انتي اخت جوزها. جاء رد ابنتها بغليل يسري داخلها لما يحدث امامها: – اسكتي ياما سبيني في حالي، انا على اخري اساسا ومش متحملة، اااه يا ناري . ❈-❈-❈ انتفض في جلسته وسط مجموعة من الشباب التي جاء اليوم يتناول معهم بعض المشروبات المسكرة، من اجل ان ينسى همومه معهم، ليفاجأه هذا الشاب المدعو اشرف بحديثه: – بتقول ايه ياض؟ مين دي اللي عايز تتجوزها؟ اجابه الشاب بأسلوبه الفج، غافلا عن غضب الاخر: – اسم الله ع السمع يا حبيبي، بقولك بهجة بنت عمك، موزة الشارع والمنطقة كلها، يالهوي ياما، دا انا قلبي بيرفرف كل ما اشوفها، ولا النهاردة كمان وهي متزوقة وخارجة مع الست اللي بتشتغل عندها،….. اي ده؟ ملكة جمال يابا؟ بعدم تحمل انقض عليه سمير صارخًا بهياج: – وكمان في بتقولها في وشي ، دا انا هخلص عليك يابن الكلب – هو انت حد غلط فيك يا عمنا؟ طب انت بقى اللي ابن ستين كلب. صاح بها اشرف لتندلع معركة حامية ويتدخل بقية الحاضرين للفض بينهم. ❈-❈-❈ توقف ينتظرها بالسيارة اسفل المبنى الذي وصفت عنوانه، حتى خرجت اليه ترافق نجوان حتى ادخلتها لتنضم معه في السيارة بعد عناء ومحايلة ، فلم تستجيب الا بتأثير من عائشة، والتي كان يتعرف عليها لاول مرة، ليعبر عن دهشته: – انتي بقى عائشة؟ يا نهار ابيض ، دي صغيرة اوي يا بهجة. ضحكت له الاخيرة متمتمة: – هي صغيرة اه بس عقلها اكبر من سنها، بدليل انها بقت تأثر على الهانم اكتر من اي حد فينا. تدخلت عائشة بجرأة معقبة: – عشان صاحبتها ، والأصحاب دايما يببقي دماغهم واحدة، ولا ايه يا نوجة؟ توجهت بالاخبرة نحو المذكورة ، لتجذبها من يدها وتقربها اليها مرة اخرى، لتعيد عليها عائشة بوعودها باللقاء في اقرب وقت واللعب معها . فتوقف هو يطالع بهجته بابتسامة لا تخلو من انبهار لهيئتها الجديدة عليه تلك؟ – دي اول مرة اشوفك كدة بالمكياج والفستان يا بهجة، كنت فاكر ان الحاجات دي من المستحيلات عندك باغتها بجرأته لتردد مبررة بحرج: – ما دي حنة بنات يا فندم، يعني بناخد راحتنا فيها، مكياج ولبس . – اممم زام بفمه ثم تمتم بما زاد من دهشتها: – كويس انها حنة بنات وبس عشان تاخدو راحتكم، بس ياريت ما تاخديش راحتك اوي معاهم يعني. – هااا – ارتفعت رأسها مغمغمة بها بذهول قابله بابتسامة لم تفهمها، ليلتف نحو سيارته، يستقلها كي يغادر، ثم يرميها بنظرة اخرى بغموضه الذي اصبح يثير بداخلها التساؤلات. – هو قصده ايه بكلامه ده؟ ❈-❈-❈ بعد مدة من الوقت، بغيظ يفتك بها، وقفت في الشرفة تراقب عودتها من ذاك الحفل اللعين الذي حضرته معها، تتهادى بخطواتها بكهن مدروس، تلفت ابصار الحوش من ابناء حارتها الأغبياء، وشقيقها الابله يتتبعها كالمنوم مغناطيسيًا، يتحين الفرصة للحديث معها تبًا لها، لقد افسدت كالعادة فرحتها بعدما خرجت من صالون التجميل ملكة على الارض ، بفستانها المموج وشعرها الذي استغرق تصفيفه العديد من الساعات وزينة الوجه التي دفعت فيها مبلغًا من المال لا بأس به، حتى دلفت مع والدتها تنتشي بهيئتها المبهرة، وتملق العديد من الفتيات والسيدات لها واهتمام الشباب ، حتى أتت هذه الملعونة بهيئة اقل من البسيطة برفقة شقيقتها سليطة اللسان ، لتسحب منها البساط لا تدري ما السر بها وهي ترى نفسها الأجمل والارقي بمال ابيها، عكسها هي العاملة بأجرتها . – مالك يا بت بتاكلي في نفسك كدة ليه؟ كان هذا صوت والدتها التي انتبهت على هيئتها تلك ، لتلتف إليها بغليلها: – وما كُلش ف نفسي ليه بقى؟ والست بهجة الزفت مخلية ولادك الاتنين يتمنو رضاها؟ يا عيني عليكي ياما، جوزتي الاول عشان يبعد عنها، قام ساب مراته وحن لها من تاني، بعد اخوه الصغير كمان ما اتشعلق فيها . قالت الأخيرة وهي تشير بسبابتها نحو الأسفل ، لتستشيط درية، مدمدمة بحنق شديد، يا نهار مزفت ومطين بهباب ، هو انا مش هخلص منها البت دي. زادت سامية بفحيحها تحركها نيران الغيرة: – طب اقولك ع التقيلة ياما، اوصلي كدة لحد باب البيت واديها بصة ، ادي دقني اهي، ان ما كان الأهبل الكبير هو كمان قاعد مستنيها، دي مش هتستريح غير لما توقعهم في بعض. – وقعة تاخدها هي وأخواتها كلهم، هتفت درية بالكلمات وهي تتحرك بعجالة نحو ما اشارت لها ابنتها لتفاجأ بصدق ما تفوهت، بوقوف ابنها البكر في مدخل المنزل في انتظار أحدهم بالفعل، فوقفت هي الأخرى تراقب وف الأسفل ولجت بهجة لداخل البناية لتفاجأ به امامها بهيئة غير مبشرة على الإطلاق يبادرها الحديث دون انتظار او تمهيد: – حمد الله ع السلامة يا برنسيسة، ما كنتي اتأخرتي شوية كمان تلميلنا شوية عرسااان استغرقت بهجة وقتا لتستوعب ما سقط من هذا الاحمق، قبل ان ترد بجرأة، تسبق شقيقتها الصغرى والتي أوشكت على شتمه. – وانت مالك؟ اتأخر برا ولا متأخرش، والم عرسان ولا ملمش؟ ايه يخصك؟ صاح بها : – يخصني انهم بيجوا يطلبوكي مني، اكيد دي حركات مقصودة منك عشان تغيظيني – وانت تهمني في ايه عشان اغيظك يا بني ادم انت . تدخلت عائشة تتخصر بذراعيها نحوه قائلة بازدراء: – دا باين شكله عايش في الدور، فوق يا عمنا، دا انا اختي رمت طوبتك من زمان، وبقيت في نظرها زيك زي الحيطة اللي وراك. صرخ بها هذا المعتوه وقد اوشك على ان يفقد صوابه: – لمي نفسك يا عائشة، لاضربك قلمين، انا عامل اعتبار بس لاختك ، – لا متعملش اعتبار، وفكر بس تعملها يا سمير . صاحت به بهجة بدورها، ليدخل على الصوت الشقيق الاصغر سامر ، يدلي بدلوه هو الاخر، بعدما فهم الموضوع من نظرة واحدة: – ليه بتزعقي يا بهجة؟ وانت يا سمير لم نفسك ووسع الطريق لبنات عمك . سمع الاخير ليزداد اهتياجًا: – اه يا حبيبي انت كمان، اعملي فيها الحنين ، ما انا عارف غرضك. قالها بمغزى وصل جيدًا لتمتقع ملامح بهجة، ويثير استفزاز شقيقه، والذي ما ان شرع بالرد الحازم حتى قطع عليه صياح والدته المراقبة من اول الشجار: – ايوة ايوة يا ولاد خميس، ولعوا في بعض واعملوها خناقة وفضيحة، ما هو دا غرض المحروسة، تفتنكم في بعض. جحظت عيني بهجة بقهر تعمق داخلها، مع انتباهاها لعدد من افراد الحارة تشاهد المشهد ، فجاء الرد من الصغيرة سليطة اللسان بشجاعتها كالعادة: – تفتن مين يا حجة؟ قبل ما ترمي بلاكي علينا، شوفي عيالك الملزقين وابعديهم عننا، احنا اساسا مش ناقصين. شهقت درية بإجفال لوقاحة الملعونة الصغيرة ، فعقب سامر بعتب: – انا كمان حسبتيني ملزق يا عائشة، الله يسامحك. قلبت عينيها بسأم، تذكره ان الوضع لا يحتمل التهاون، ليعود لوالدته يخاطبها بجدية: – من غير كلام ولا فضايح ياما ، قولي لابنك يوسع الطريق لبنات عمه عشان يطلعوا شقتهم، انا مش عايز اتعصب عليه وهو شارب دلوقتي، ليخلص في ايدي . هم سمير ان يعترض بحماقته، ولكن نداء درية كان الاسبق: افتحلهم الطريق يا واد، وتعالالي الشقة، لا اطين عيشتك الليلادي، اخلص . بأنفاس لاهثة اذعن سمير يتنحى عن الطريق لتعبر بهجة التي تمتمت بحزن دفين: – حسبي الله ونعم الوكيل تبعتها عائشة والتي رددت بسخربة – ايوة كدة وسع وسع، ناس متجيش الا بالعين الحمرا، يا ابن درية المستقوية ❈-❈-❈ عاد الى غرفته قرب منتصف الليل ،والظلام يخيم على الارجاء، لولا ضوء القمر الذي يأتي من الجزء المكشوف من ستار الشرفة، لطالما وصفه بالجو الشاعري في اليالي الماضية، وسعادته الجمة في وصالها اما الاَن فقد بدى على ملامحها الباكية وهي متكورة على ذاتها، مدى الحزن وذرف الدموع قبل ان يغلبها النوم على هيئتها تلك، لا يعلم كيف فعل بها ذلك، هي لم تخطيء ليقهرها بالذنب القديم، ولكن ماذا كان بيده؟ وغليل رأسه لم ينتهي بعد، فكرة النظرة الى شيء يخصه لا يحتملها فما باله بمن…… تنهد يرفع رأسه للسماء مناجيا الخالق بالرحمة من هذا العذاب الذي ينخر برأسه ، ما ابشعها من افكار . عاد اليها وقد رق قلبه لها ، ليخلع عنه حذاء قدميه، ثم ملابسه ، قبل ان يندس بجوارها يسحبها الى حضنه، حتى شعرت به، تردد باسمه ما بين الغفو والاستيقاظ: – عصام، – ايوة انا يا امنية، نامي نامي. وكأنه القى بتعوذيته السحرية، لترتخي سريرتها، وتربح رأسها على صدره مستسلمة لنوم عميق ، فيُقبل رأسها هو، ثم يغمض عينيه، متنعمًا بدفء حضنها القادر على ان ينسيه همومه وافكاره السوداء حتى لو مؤقتًا رواية حان الوصال الحلقة الثالثة عشر مرت من امامه اثناء ذهابه الى غرفة مكتبه، والتي بنفس الطابق الذي يضم القسم الذي تعمل به، ومع ذلك لا يراها الا نادرا، نظرا لعدم صلتها المباشرة بعمله، لكنه دائمًا ما يصبر نفسه بلقائها في منزله على موعد مناوبتها او يسعده الحظ برؤيتها صدفة كما يحدث الاَن، لتفتح شهيته على اليوم بأكمله. – بهجة. هتف بأسمها امام عدد من افراد الموظفين المارة غير مباليًا بوضعه ولا بهيبته التي تثير الرهبة في قلوبهم أجمعين، ولكن معها ، هناك دائمًا استثناء. برد فعلي طبيعي استجابت تغير وجهتها نحوه ثم لتتبعه، بعدما اشار لها بيده نحو غرفة مكتبه، كي تلحق به، لتمر على لورا التي وقفت بالتحية له ، حتى اذا وقعت عينيها على بهجة، خبئت ابتسامتها ولم تعلق على دخولها خلفه لغرفة المكتب، وهل تجرؤ في حضرته؟ ❈-❈-❈ – افندم يا رياض باشا كنت عايزني في حاجة؟ صدر منها السؤال فور دلوفها، ليجلس هو خلف مكتبه على كرسيه بهدوء يجيبها: – خير يا بهحة متقلقيش. صمت برهة ثم تبسم مستطردًا امام ترقبها: – ما قولتلك خير يا بنتي، انا بس استغربت لما دادة نبوية بلغتني بغيابك النهاردة عن مجالسة الهانم الكبيرة….. ردت بلهفة: – ايوة يا فندم، ما انا بلغتها عشان النهاردة معانا فرح ابن عمتي شادي اللي حضرت حنة خطيبته امبارح. – اه اومأ بهزة من رأسه، ثم اردف سائلًا: – وهو الفرح مينفعش بعد ما تخلصي يا بهجة؟ ولا هو هيخلص على عشرة ؟ برقت خضرواتيها في اندماج واضح للرد عليه، جاهلة عن استمتاعه بوهجها المضيء وعفويتها في موضوع محسوم من الأساس ولكنها حجة للحديث معها: – لا طبعا يا فندم، مينفعش بعد ما اخلص، امتى هلحق اتجهز انا واخواتي، دا مشوار القاعة نفسه محتاج وقت. – وضع كفه بتسلية سائلًا: – ليه بقى؟ وهي دي تبقى فين على كدة؟ اخبرته بطيبتها عن اسم القاعة وعنوانها بالتفصيل الدقيق، وهو يتحاور معها وكأنه من الحضور: – ياريتني كنت معزوم معاكم يا بهجة، بصراحة انا من زمان نفسي احضر حاجة شعبية كدة، خصوصا وانتي بتقولي ان اهل العروسة صعايدة، يعني هتبقى ليلة. – ايوة والله عندك حق يا فندم ، اصل شادي ابن خالي تعب كتير في حياته وصبر على عيا والدته، ربنا عوضه بعروسة أدب وجمال ، هو يستاهل كل خير….. – خلاص يا بهجة. صدرت منه بانفعال وعدم احتمال، فقد تبدل مزاجه في دقيقة، وكأنه لشخص آخر، ليتمالك بعدها بابتسامة ملطفا بعدما شعر بحرجها: – انا قصدي بلاش كلام ع العريس نفسه، وخلينا في الفرح، هيبقى مزمار بقى وحصان ، لو كدة اعتبريني حاضر من غير عزومة. ضحكت بخجل نافية: – والله ما اعرف يا فندم، انا اخري معزومة زي اي حد، بس انت اكيد تشرف اي حد بحضورك. – تسلمي يا بهجة على زوقك. قالها بهدوء وتباسط لتتدارك هي للوقت، فتحمحمت تستأذنه في المغادرة: – طب انا كدة بقى اخرج اروح على شغلي ولا في حاجة تاني؟ نفى بهزة رزينة من رأسه: – لا يا بهجة مفيش حاجة تاني، اتفضلي روحي على شغلك. اومأت تهديه ابتسامة ساحرة، قبل ان تستدير وتغادر الغرفة، لتتركه في حالة من الانتعاش لا تكتنفه مع سواها. اما هي وقد خرجت من عنده ودقات قلبها تعزف الحانا ونغمات تطرب اسماعها، دغدغات بمعدتها، مؤجلة صوت العقل وما يخبرها به دائما عن استحالة حدوث هذا الأمر ، وان ما يصلها لا يزيد عن لطف من الرجل لا اكثر. التقت عينيها بخاصتي لورا والتي تفاجأت بهدوئها المريب هذه المرة، رغم عدم ارتياحها لنظراتها العدائية دائما نحوها، فتواصل هي طريقها تغمغم داخلها: – لا حولا ولا قوة الا بالله، ولا اكني قـ,ـتلتلها قتيل. ❈-❈-❈ أما عن لورا، فقد مطت شفتيها بابتسامة خبيثة تطالع اثر بهجة في الذهاب، وهي تعيد برأسها، حديثها بالأمس حينما التقت ببهيرة شوكت في النادي الاجتماعي مع والدتها عن قصد حتى اذا التقت بالمرأة، بالطبع سوف تسألها عن رياض. مساء الأمس، (( – اخبار رياض ايه بقى في الشغل؟ انا بسمع عنه من مصطفى اخبار كتيرة تبهر. – بالفعل هو كدة يا طنت، ما شاء الله في الفترة الصغيرة اللي مسك فيها المصنع عمل انجازات تأهله يبقى الاول ع الجمهورية ، وع الشرق الأوسط كله كمان في السنوات اللي، بس ااا…… – بس ايه يا بنتي؟ هو لسة تعبان مع نجوان؟ سألتها باهتمام لتتنهد هي بقنوط، فيعتلي الأسى ملامحها: – ما هي طنط نجوان دايما تعباه، من ساعة والده ما مات وهي تعباه، ورغم ذلك عمره ما أثر على شغله، دايما بيرفكت وبيعرف يفصل كويس بين مشاعره والشغل، لكن بقى… – لكن ايه يا بنتي؟ ما توضحى اكتر عشان افهم، اللي حاصل مع رياض؟ صمتت هذه المرة لبرهة بسيطة ، ثم تلتقط فرصتها على الفور: – بصراحة بقى هو الموضوع له صلة بطنط نجوان…. البنت اللي شغالة مع نبوية في رعايتها…… ، مالها؟ – بيعاملها معاملة خاصة. قطبت بهيرة تتراجع برأسها للخلف مستفسرة: – تقصدي ايه بمعاملة خاصة مع واحدة بتشتغل عنده؟ جيبي من الاخر يا لورا.. تراقصا مقلتيها باضطراب تقصده، لتواصل بث فحيحها: – انا مش عارفة الوضع بالظبط، هناك عند طنت ايه ظروفه معاها، دي واحدة بتتشارك معاه البيت في غياب نبوية، وطنت نجوان دي في دنيا تانية، يعني الله اعلم بقى بتعمل معاه ايه، المهم انه بقى متعلق بيها ورقّاها في المصنع من عاملة على مكنة لوظيفة مكتبية، رغم عدم وجود مؤهلات، بصراحة يا طنت انا بقيت خايفة ان قصة عمو حكيم الله يرحمه مع السكرتيرة بتاعته تتكرر كمان مع رياض والبنت دي….. برقت عينيها بغضب دفين، تطرق بعصاها على الارض بعنف قائلة: – وتتكرر الفضايح للعيلة من تاني ، انتى ازاي ساكتة دا كله ومبلغتنيش؟ اسبلت اهدابها عنها وبصوت خفيض مزجته بالمسكنة ردت تجيبها: – يعني انا في ايدي ايه بس يا طنت؟ لا انا خطيبته ولا ليا صلة مباشرة بيه عشان اتدخل ولا اشكي، انا يادوب موظفة عنده، وهو اساسًا مش مديني فرصة على الاعتراض، دايما بينصرها عليا، من غير ما يراعي فرق المكانة ولا الترتيب الوظيفي ولا حتى القرابة اللي بتجمعني بيه. احتدت عيني بهيرة، ناظرة للأمام ، وقد اشتدت خطوط وجهها بتجهم غير مبشر بالخير على الاطلاق، لتطرق بعصاها على الارض قائلة: – يبقى انا لازم اشوف الموضوع ده بنفسي. )) ❈-❈-❈ دلفا الى منزلهما الجديد عائدين من رحلة المنتجع الساحلي وقضاء اسبوعين عطلة شعر العسل، ليضع الحقائب على الارض ، وينطق فمه اخيرا بعد فترة طويلة من الصمت. – انا هروح اطمن ع الست الوالدة واطمنهم بوصولنا، ع العموم الشقة فيها كل حاجة، يعني لو حبيتي تاكلي الاكل جاهز فى الثلاجة، ولو ليكي غاية للطبخ، كافة شيء هتلاقيها في المطبخ ، عبير قامت بالواجب قبل ما نوصل. – كتر خيرها، انا مليش نفس وهروح انام. خرجت منها بصوت ضعيف يكتنفه الحزن، لتستدير متوجهة نحو غرفة النوم، فزفر هو متهدل الاكتاف فور رؤيتها على تلك الحالة، ولم يقوى على منع نفسه هذه المرة من ايقافها وجذبها اليه، يحتضنها مشددًا بذراعيه، يحتويها بغمرته، حتى بللت دموعها قميصه بصمت ابلغ من الف كلمة، فيستدرك هو بحجم جرمه: – للدرجادى زعلانة مني يا أمنية؟ طب انا اسف يا حبيبتي، ممكن بقى تصفي؟ رفعت وجهها المغرق بالدموع قائلة: – انا عمري ما اشيل منك يا عصام، كل اللي مزعلني هو زعلك، واللي بيدور في دماغك وتاعبك من الداخل، نفسي نعيش حياتنا طبيعي، بعيد عن اي ماضي ولا شيء راح وولى، التفكير في اللي فات مابيجيش من وراه غير كل الهم ووجع القلب، ليه توجع قلبك يا عصام وتوجعني معاك؟ زفر يتأملها بقلب يتمزق لحالتها تلك، فرق قلبه، ليطبع قبلة رقيقة فوق عينيها متمتمًا بصوت متحشرج: – بعد الشر عليكي من الوجع يا امنية، انا لو مش بحبك مكانش دا هيبقى وضعي، بس حاضر، هحاول من هنا ورايح اشيل من راسي عشان نعيش حياتنا ومنوجعش بعض. تبسم محياها بالفرح، لتشب على أطراف اصابع قدميها، فتباغته بقبلة على وجنته مغمغمة بامتنان: – ربنا يخليك ليا يا عصام، لو انت بتحبني ف انا بموت في التراب اللي بتمشي عليه. – يا قلب عصام. خرجت منه، قبل ان يدنو فجأة ويرفعها بين ذراعيه مردفًا: – لا احنا كدة نعمل معاهدة صلح ع السريع، الكلام ع الواقف كدة مينفعش. لاحقته ضاحكة: – طب مش هتخرج تطمنهم بوصولك؟ قطف ثغرها بقبلة شغوفة سريعًا، ثم تحرك بها مرددًا: – معاهدة الصلح اهم في الوقت الحالي يا امنية، اي حاجة تيجي بعدها؟ ❈-❈-❈ دوى صوت المزمار في قلب الحارة بصخب، ليتجمع معظم افرادها في الطرقات وشرفات المنازل ، لاستقبال هذا المتعجرف، والذي ترجل من السيارة يستقبل التهاني والمباركات وكأنه المظفر بالنصر بعد هزيمة الخصم، تصاحبه اصوات الزغاريد من النساء ووالدته التي كانت تصيح بأعلى صوتها. – عقبال عندكم يا حبايب، ربنا نصفه بعد ظلمه، ندرًا عليا لاكون عاملة ليلة كبيرة الكل ياكل فيها لحمة، حلاوة ان ربنا فك كربته وظهر الحق؟ زغرتو يا حبايب وفرحوا قلبي . صدحت الزغاريد مرة اخرى بعد مطلبها، وتنطلق المباركات للمرأة ودعوات التمني: – عقبال فرحه يا سميرة ، وتعملي ليلة اكبر منها . – ان شاء الله يا حبايب، ان شاء الله يارب، يلا يا واد ارقص وفرح قلبي بيك . تلقى منها ابراهيم لينطلق مع مجموعة الشباب من افراد حارته ليرقص ويتمايل معها على انغام المزمار، مندمجًا في الدور، وعيناه تدور باحثة عن والده، الفرد الوحيد الغير موجود ، ليكتم غيظه بداخله، الا يكفيه امتناعه عن زيارته طوال مدة سجنه، ليكملها الاَن بعدم اهتمامه امام افراد المنطقة. تمتم بالعبارات المتوعدة من داخله، لكن سرعان ما تحول كل ذلك الى مرح، حينما وقعت ابصاره على ابنة خالته رؤى، والتي كانت عائدة من جامعتها في هذا الوقت، لتكن المفاجأة من نصيبها. ليزيد هو من تمايله امام الشباب مرددًا بعبارات الكيد: – رقصني يا عم الزمار وعلي الصوت، خلي الناس كلها تعرف بخروج ابراهيم وفك حبسته، دا الحرية حلوة اوي يا جدعان، رقصني يا عم خلينا نكيد الاعادي. انضمت معه والدته في وصلة فجة بالابتهاج المبالغ فيه ، وقد فهمت لمقصده، تنقل ابصارها نحو ابنة شقيقتها: – ايوة يا حبيبي خلينا نكيد الاعادي.. اما عن رؤى فقد ضاعفت من سرعة خطواتها، تخترق صفوف البشر، دون ان تعير اي فرد منهم اهتمامها، رافعة ذقنها للأمام بإباء كي لا تظهر ضعفها ولا تأثرها ، حتى اذا وصلت لبنايتها ودخلت منزلها ، زفرت معبرة عن قهرها: – الهي تنكادوا انتوا يا بُعدا، وما تشوفوا الفرح ابدا، قادر ربنا يخسف بيكم الارض ويوريني فيكم يوم. – بتدعي على مين يا بت . صدر صوت والدتها من جهة المطبخ، لتخطو سريعًا فتصل اليها هاتفه بغضب: – بدعي على اختك وابن اختك اللي عاملين ظيطة وهوليلة في قلب الشارع وعمالين يرقصوا ولا اكنه بريء بحق، صدق نفسه ونسي ان ربنا يمهل ولا يهمل. – صوت مصمصة خرج من شفتي والدتها دون ادنى تعقيب منها، تدعي الاندماج في تقطيف ورق الملوخية الخضراء امامها على سطح طاولة المطبخ، مما استرعى انتباه ابنتها للتساؤل: – نعم يا ست ماما، لتكوني انتي كمان صدقتي وعومتي على عومهم، والله ما هستغرب لو سمعتها منك. التوى فمها لتقلب عينيها بتململ قبل ان يخرج صوتها بما ليس مستبعد منها: – يا ختي انا لا بقول ولا بعيد، اديني مرزوعة مكاني اهو في المطبخ، لا خرجت ولا حتى بصيت من البلكونة، بس اهي الحكومة برئته والمحامي طلع بالدليل انه ما موتش المرحوم الله يرحمه، يبقى ندعي عليه ليه بقى؟ ونحمل نفسنا ذنوب؟ – يالهوي عليا وعلى سنيني السودة، والله كان قلبي حاسس. صرخت بها رؤى، تستطرد بغيظ شديد: – يعني مكدبة اخواتي البنات الاتنين واللي سمعوا اعترافه بودانهم، وصدقتي ابن اخوكي البلطجي المجرم وامه اللي شبهه……. افتر فاهها تتوقف عن الكلام امام سلبية والدتها المفرطة لتختم بتعب: – انا بكلمك ليه اصلا؟ وانتي مفيش فايدة من الكلام معاكي……. انا رايحة على اوضتي وسيباكي ياما. قالتها وخرجت تنجي نفسها من شلل مفاجيء قد يأتي لها رغم سنها الصغير، فوالدتها قادرة على ذلك بشخصيتها المتذبذبة وبقوة. ❈-❈-❈ خرجت من دوام عملها ، تسرع بخطواتها، متخذة طريقًا مختلفًا عن العادي ، لتقف في الوجهة المختلفة من الطريق تشير بيدها لسائقي السيارات الأجرة حتى يقف لها احدهم . فتفاجأ بإحدى السيارات تقف امامها ، حتى كذبت نفسها في البداية ان تكن تلك التي تعلمها، ولكنه أكد لها حينما انزل زجاج النافذة بهيئته المهيبة يخاطبها: – عاكسة طريقك ليه النهاردة يا بهجة؟ وراكي مشوار؟ شعرت بالحرج من خلف سؤاله، رغم بالونات المرح التي كانت صارت تراها تزين الأجواء من حولها لاهتمامه: – لا ما انا مش مروحة ع البيت دلوقتي، المستشفى اتصلوا عليا وبلغوني بتصريح الخروج لايهاب، انا الفرحة النهاردة مش سايعاني وعايزة ألحق اروح اجيبه على طول. – خلاص تعالي اركبي معايا اوصلك . – نعم ! تمتمت بها بعدم تصديق ، ولكنه عاد يكرر مشددًا: – بقولك تعالي اوصلك معايا في طريقي، وبالمرة اتصلك بعم علي يوصلكم ع البيت بعد كدة. هذه المرة اعترضت بارتباك شديد: – لا يا افندم اتفضل انت مينفعش. سمع منها ليصدر رده بأمر غير قابل للنقاش: – اركبي يا بهجة وبطلي عبط، انا مش بكرر كلامي كتير. اضطرت مذعنة لطاعته، لتنضم في الامام بجواره، منكمشة على نفسها، شاعرة بكبر المقعد عن حجمها الصغير ، او انه ليس بمكانها، بداخلها رهبة منه لا تنكرها ، رغم تلك المشاعر التي تعبث بها بحضوره، لتدخلها في صراعات لا نهاية لها، لك الله يا بهجة. وكأنه كان قارئًا لافكارها، فور ان انهى اتصاله بالعم علي تحدث بتباسط، كي يخفف عنها: – تلاقي الفرحة النهاردة مش سايعاكي عشان خروج ايهاب. سمعت منه لترد على الفور بلهفة انستها التوتر وما كان يكتنفها منذ لحظات: – اه والله يا فندم، انا فرحانة كمان عشانه، لاني سألت الدكتور، قال انه ممكن يخرج ويروح مطرح ما هو عايز، اهم حاجة يحرص على نفسه ويلبس الكمامة لحد ما يخف نهائي. انا ممتنة ليك اوي يا رياض باشا. جاء رده بروتينية: – مفيش داعي للشكر ولا الكلام دا من اساسه يا بهجة. – لا يا فندم ازاي بس؟ قالتها تبتلع رمقها، مرددة: – انا مصرة برضو انى اسدد تمن المستشفى، اخويا طوّل هناك، ودا اكيد جر فلوس كتير اوي، مش معقول يعني كل ده تتحمله لوحدك؟ تطلع نحوها بنظرة غامضة وملامح مغلقة كعادته، ولكنها طالت حتى اخجلتها لتحيد ببصرها نحو الطريق امامها حتى وصلها رده: – احنا اتكلمنا في الكلام ده قبل كدة وقولتلك بعدين، يبقى خلاص يا بهجة بقى، المهم دلوقتي ممكن تكلميني عن الفرح اللي هتحضريه؟ قطبت باندهاش سائلة: – هكلمك في ايه تاني يا فندم؟ هو انا لسة حضرته من الاساس؟ – خلاص يا بهجة، يبقى انا كدة في انتظار انك تحكيلي عنه بعد ما تحضريه. رغم تفاجأها إلا انها لم تجد امامها سوى الموافقة بإماءة من رأسها، يكتسحها خجل جميل، زين وجنتيها بالورود، وتوهجت له خضراوتيها، لتزيدها سحرًا فوق السحر. ❈-❈-❈ – خرج ! تمتم بها بعدم تصديق، فور ان سمع بالاخبار الجديدة من صديقه عقب لقاءه به، ليؤكد عليه الاخر : – المحامي الفاسد يا عصام، قدر بأساليبه الملتوية، يجمع ادلة وبراهين مزورة مكنته يقدمها للقاضي ويحكم بخروجه، اصناف قذرة. توقف امين بعدما رأى بأم عينيه، تصلب وجه الاخر، وخطوط وجهه التي اشتدت بغضب دفين، ليوضح محذرا: – اسمع يا عصام، البني ادم ده تشيله من مخك مهما كان الخلاف ما بينكم، سيبني الله يرضى عنك اتكتكله وادور وراه براحتي، ما انا مش هسيبه. – ولا انا هخليه يفلت من ايدي. طالعه امين معترضا بتشدد: – القضية دي بتاعتي من الاول يا عمنا، خليك انت في حالك ومتدخلش الامور الشخصية في الشغل. ضغط يطرق بقبضته على سطح الطاولة بينهم مرددا: – اوعدك اني مش هدخل الامور الشخصية بينا، بس بلاش تبعدني عن القضية دي. تحدث امين برفض قاطع: – وانا رافض يا عصام، احسنلك تنفذ امر رئيسك وتنشغل في القضية المسؤول عنها، وانا لو عوزتك هبقى ادخلك تشتغل معايا. ❈-❈-❈ خرجت من حمام غرفتها، تجفف شعر رأسها بالمنشقة الصغيرة، لتتوقف امام المراَة تتأمل وجهها المتورد بالسعادة، بعد تلك الساعات التي قضتها معه في عقد معاهدة الصلح، ما أجمله من رجل في ساعة الصفا، في جموح عشقه لها ، في كلمات الغزل التي يلقيها على اسماعها يدغدغ انوثتها ويدللها، خرجت تنهيدة قوية منها تتمنى لو يظل على هذا الحال ولا يتغير ابدا. القت بالمنشفة تهم بتمشيط شعرها، لكن وما أن شرعت ان تفعلها حتى دوى صوت الهاتف بالاتصال ، ف اقتربت على الفور تجيب الرقم الغريب، لربما تعرفه: – الوو…. مين معايا؟ – الوو يا قلبي، انت لساكي برضو محتفظة بالرقم القديم……. انتفضت تلقي الهاتف من اذنها على الأرض، وكأن عقرب لسعها بهذا الصوت الغريب، لا تصدق ما وصل لأسماعها.. – الوو يا أمنية، انتي روحتي فين بعيد عني؟ اغلقت على الفور المكالمة تتبعها بحظر الرقم من الأساس، وقلبها يضرب بفزع، وهي مازالت تكذب احساسها، حتى حسمت تتناوله مرة اخرى، تتصل هذه المرة بشقيقتها: – الوو يا رؤى…… كويسة يا حبيبتي والحمد……. معلش بس انا كنت عايزة اسألك عن الزفت ابن خالتك ابراهيم……… انا كمان سمعت؟!، سمعت ايه مش فاهماكي……. يا نهار اسود خرج….. ازاي يا رؤى؟! ❈-❈-❈ عاد من الخارج وحالة السعادة برؤيتها مازالت تغمره، كلماتها الرقيقة وخجلها حينما يضيق الخناق عليها بأسئلته الفضولية، هذه الصفة ليست به من الأساس، ولكنه يكتشفها الان معها هي فقط، تسمرت قدميه فجأة، منتبهًا للحاضرين الجدد لمنزله، وتلك الجالسة بشموخ امامه في زيارة لا تكررها الا كل شهور تقريبا، رغم قرب المسافة ولكن تملك الحجة بمرضها ، إذاً ما سر الزيارة الغريبة؟ – بهيرة هانم عندنا! طيب مش كنتي تتصلي ولا تبلغيني يا خالتو! قالها مرحبا، ليقترب منها يقبل وجنتها بخفة قبل ان يجلس مقابلًا لها بجوار والدته المنكمشة على نفسها بمقعدها: تبادلت معه التحية مرددة: – انا لقيتك مش سائل، قول اجي اطمن انا بنفسي عليك وعلى اختي الحبيبة، واللي قاعدة قدامي دلوقتي خايفة ولا اكني هاكولها. امتدت كفه على نحو والدته يلمس عليها بحنان لتهدا، وهو يبرر ملطفا: – لا يا خالتو ايه الكلام دا بس؟ هي ماما مش عارفاكي يعني، يا نبوية. هتف بإسم المرأة جليستها، وما ان خرجت اليه حتى تفاجأ بشقيقتها معها، ليعبر عن دهشته: – ايه ده؟ دي دادة وصيفة كمان معاكي! – ايوة يا رياض باشا، شوفت بقى المفاجأة؟ تبسم باضطراب يتقبل ترحيب المرأة ومزاحها قبل ان يأمر نبوية بسحب والدته لغرفتها، ثم توجه باستفهام نحو بهيرة والتي لم تتعبه في الانتظار: – انا جايبة وصيفة تساعد مع نبوية في رعاية نجوان، بلاها من اي حد غريب احنا مش واثقين فيه. مازال التوجس سيد الموقف بداخله ليواصل استفهامه: – غريبة يعني انك تستغني عنها دلوقتي، انا عارف بمعزة وصيفة عندك، بالظبط زي نبوية عندنا. ابتسامة ماكرة لاحت على محياها مبررة بكلمات مقصودة: – دا حقيقي، بس في حاجات بقى بتجبر البني ادم انه يضحي، ع العموم انا عندي من الخدم كتير وكلهم تحت امري، الدور والباقي بقى على نجوان… توقفت تخرج تنهيدة من العمق مستطردة؛ – مسكينة الحب ضيعها، ياريتها سمعت كلامي ولو مرة واحدة ، دي كانت اجمل بنات العيلة، اجمل مني انا شخصيا، كل الشباب كانوا بيتمنوا رضاها وسبحان الله هي ما اختارتش غير اسوأهم، عشان تعيش معاه مهووسة بحبه مهما يعمل فيها ، وفي الاخر تكتشف بعد فوات الأوان، بعد ما تنقلب بيه العربية مع عشيقته اللي يتضح بعد كدة انها زوجته، والمسكينة تفقد عقلها….. -لزومو ايه الكلام ده يا خالتو ؟ هتف بها بانفعال ورأس مشتعل، بعدما عبثت بمكرها، داخل هذه الدائرة السوداء برأسه، والتي دائما ما يجاهد للخروج منها، وعدم تذكرها، لتواصل هي بمراوغة: – انا مش قصدي حاجة طبعا يا حبيبي، بس تقدر تقول كدة افتكرت…… بنظرات يملأؤها الشك، صار يحدجها يصعد ويهبط بانفعال لا يخفيه، ف استطردت هي بتملق: – حبيبي يا رياض انت عارف اكيد بمعزتك عندي، طول عمري اقول انك ابني التالت، لا ورثت العاطفة المبالغة من والدتك ولا غدر وفشل والدك الله يرحمه. احتدت عينيه حتى صارت كلهيب جمر محترق، فواصلت هي بالطرق على الحديد الساخن: – انا حتى بشبهك بمصطفى لولا بس عيبه انه اتجوز الممثلة دي اللي متناسبناش في اي شيء، بس نفعاه ع الاقل بعلاقاتها وشهرتها، مش ناوي بقى تشاركه وتكبر مصنعك؟ ضرب بكف يده على ذراع الاريكة باعتراض وتشدد: – بس انا مش عايز مساعدة من حد يا بهيرة هانم ، حتى لو كان مصطفي نفسه، مصنعي هكبره لوحدي، واسمي هيبقى ماركة مسجلة في الشرق الاوسط وفي العالم كله…. تبسم ثغرها باتساع وقد وصلت لمبتغاها لتردف: – هو دا اللي انا بتمناه وواثقة انك هتعمله يا رياض، وساعتها يبقى اللي ناقصك حاجة واحدة بس، هو النسب اللي يشرف، واحدة كدة زي ميسون مرات عدي، نسب يشرف وولادك يفتخروا بيه لما يجوا ع الدنيا، مش يلوموك على سوء اختيارك! هكذا وبكل سهولة استطاعت بفحيحها، النبش في ذاك الجرح الغائر بدواخله، ذاك الذي مهما مرت عليه السنوات لا يندمل ولا يشفى أبدا، مهما تناول له من ادوية او حتى مسكنات. ❈-❈-❈ صدحت زغروطة كبيرة من صباح ، جلجت في قلب الحارة فور استقبالها لبهجة وشقيقها العائد اخيرا لمنزله بعد رحلة العلاج: – يا الف الحمد لله ع السلامة يا هوبا، نورت بيتك ومطرحك. قابلها الاخير بابتسامة ملوحًا بكفه لها بالتحية في الهواء، الله يبارك فيكي يا خالتي ، دا انتى اللي منورانا والله . – لا يا اخويا منوراك دا ايه؟ انا صاحبة بيت. قالتها بتباسط وهى تضم بهجة وتهنئها بعودة شقيقها، لتردف بعد ذلك بأمر: – ولا ايه يا بت انتي، صاحبة بيت انا ولا واحدة غريبة؟ جاء رد بهجة ضاحكة: – لا يا خالتي دا احنا اللي ضيوف عندك. توقفت فجأة تطالع المنزل ونظافته لتعقب بمرح؛ – بس انتي تعبتي نفسك ووضبتي البيت ليه؟ كان يكفي بس اوضة ايهاب اللي هيريح فيها . – يا بت ما قولنا اني مش غريبة، الله. قالتها صباح بمرح لتتناول منها ذراع ايهاب وتتجه به نحو غرفته مرددة لها: – روحي انتي بس اطفي من ع النار وانا هدخل ايهاب على اوضته . – يالهوي عليا، انتي كمان طبختي! تمتمت بها بهجة في اثرها بحرج شديد، لتهرول سريعًا نحو المطبخ، تطفيء نار الموقد الغازي، وتطمئن على الطعام قبل ان تلحق بهما داخل غرفة ايهاب الذي كان يتسطح على الفراش وهي تسحب الغطاء عليه، مخاطبة له بحنان: – ريح شوية يا حبيبي من مشوار المستشفى على سريرك، ربنا ما يغيبك عن اخواتك ابدا تاني. – يارب يا خالتي، انا فعلا عايز اريح شوية عشان افضي للمذاكرة المتأخرة عليا. – ربنا يعينك يا بني. قالتها وخرجت تغلق الباب عليه بخفة حتى لا تزعجه، لتجد بهجة هي الأخرى في طريقها اليها بعد مغادرة المطبخ، قائلة: – خرجتي بسرعة يعني؟ هو ايهاب لحق ينام؟ جلست صباح على مقعد السفرة تشير لها على المقعد المجاور: – انا اللي قولتله يريح، تعالي انتي عشان عايزاكي في كلمتين. اقتربت تنفذ الامر وتسألها باهتمام: – كلام ايه يا ست الريسة؟ في حاجة في الشغل. نفت صباح بهز رأسها وبوجه واجم سألتها: – قبل كل شيء انا عايزة اعرف، اخواتك البنات بيغيبوا لحد الساعة كام كل يوم كدة؟ ردت بهجة قاطبة بدهشة: – على حسب مواعيدهم، جنات حسب المحاضرات، وعائشة حسب المجموعات اللي بتاخدها، ممكن يجوا بدري وممكن ييجو متأخر، بس هو الخميس دا عندنا معروف، جنات بيبقى يومها مزحوم بالمحاضرات وعائشة بتاخد دروس لبعد العشا. – يعني انتي بس اللي بتيجي على ميعادك الساعة التلاتة، بما ان ايهاب كمان في المستشفى يعني. اهتزت رأسها بمزيد من التشتت: – ايوة يا ست الريسة، لزومها ايه الاسئلة دي؟ زفرت المرأة الواضعة يدها على وجنتها، لتنطق اخيرا بما اجفل بهجة: – بسأل يا غالية عشان اعرف الحاجة اللي لقيتها مرشوشة دي قدام البيت مين المقصود بيها، واديني اتأكدت انها انتي . – انااا؟ ….. حاجة ايه ؟ انا مش فاهمة حاجة يا ست الريسة. تحدثت صباح توجهها بتحذير: – من الاخر كدة يا بهجة، انا لما جيت هنا البيت، على حسب اتفاقنا، عشان اسبقك قي توضيب اوضة ايهاب وتعقيمها قبل ما توصلي انتي بيه من المستشفى، خدت بالي يا غالية من مية غريبة مرشوشة على عقب الباب، لولا اني مجربة الالاَعيب والوساخة دي من قرايب جوزي الله يرحمه، كانت هتعدي عليا ومكنتش هاخد بالي. – يا نهار اسود. تمتمت بها بهجة ضاربة بكف يدها على صدرها تردد بجزع وصدمة: – يعني كان ممكن تضري فيها انتي كمان، او اي حد من أخواتي، طب اتصرفتي فيها ازاي؟ ولا هي لساها موجودة؟ قاطعت صباح هذيانها بلمسة من يدها توقفها: – مفيش حاجة موجودة اطمني، بقولك الحاجات دي لان ياما عدت عليا من قرايب جوزي، يعني اكيد عرفت التصرف الصحيح معاها ازاي؟ المهم انتي يا حبيبتي، تخلي بالك كويس اوي ، اللي عمل العملة دي عارفكم كويس اوي وعارف خط سيركم ومواعيدكم بالظبط. تابعت بإشفاق: – انتي طيبة اوي يا بهجة، بلاش تخلي حسن النية اللي عندك يضرك، المرة دي جات سليمة وربنا صدرني اشيل الاذى من طريقك، المرة الجاية مش مضمونة، حطي عينك وسط راسك يا بنتي، أخواتك ملهمش غيرك، وانتي ملكيش غير نفسك. اطرقت بهجة بحزن تهدلت له اكتافها، لتمتم بقهر: – طب ليه يحصل معايا كدة؟ هو انا اذيت مين عشان يأذيني كدة؟ ربتت صباح بكف يدها على ذراعها بحنو تخبرها: – شيلي من على قلبك يا حبيبتي، وهو اللي يتجرأ ويعمل الوساخة دي محتاج تبرير ولا مستنيكي تأذيه عشان يعملها؟ لا يا بنتي، اللي بيعمل كدة، دا بيكون قلبه مليان بالحقد والسواد ناحيتك، حصني نفسك انتي واخواتك والبيت كله، داومي على أذكار الصباح والمساء وزي ما قولتلك، برضو تبقى حريصة، وقادر ربنا يرد كيدهم في نحرهم الاوساخ اللي بيعملوا كدة. اراحتها بكلماتها ، لتطالعها بامتنان شعرت به صباح، لتشاكسها مغيرة دفة الحديث: – المهم سيبنا من الهم ده وخلينا في الفرح، قوليلي هتلبسي ايه النهاردة في زفة ابن عمتك؟ اشرق وجه بهجة وقد أسعدها فعل المرأة، لتجاري محاولاتها للترفيه عنها، فتخبرها بلهفة عن ما تنتوي فعله…….. ❈-❈-❈ في المساء، دلفت داخل القاعة بصحبة شقيقاتها عائشة وجنات اللتان تزينتا مثلها بالجديد ، بعد تيسر حالتهم الى حد ما بمبلغ النقود الذي اكتسبته بهجة من عملها الجديد كجليسة بمنزل رياض . وقد ظهرت اليوم في ابهى صورة، بذلك الفستان الذي ابتاعته بعد فترة من الانقطاع، لتعيش عمرها الطبيعي بتلك الهيئة الانثوية التي خطفت بها الانظار كعادتها، لتثير في قلب الحاسدين المزيد من السخط والكره. – يا بت اللذين…… تمتمت سامية والتي سقط العصير من فمها فور ان وقعت أنظارها على ابنة عمها ، لتلكز والدتها المندمجة في الحديث مع احدى النساء، فتلفت انتباهها. – شايفة ياما البت بهجة واللي عملاه في نفسها النهاردة بعد ما كانت راسمة دور الحجة، اقطع دراعي ان ما كانت جاية وراسمة تلقط لها عريس من البهوات قرايب العروسة. مصمصت درية بغل وقد ارتكزت ابصارها على ناحية اخرى: – ياريت يا ختي يحصل، ع الاقل تغور الصعيد وتريحني من خلقتها، أخواتك الاتنين عيونهم هتطلع عليها، دول مش بعيد يقـ,ـتلوا بعض عشانها، يا خيبتك السودا يا درية هو العمل مشتغلش ولا ايه؟ غمغمت بالاخيرة بصوت خفيض وكأنها تحدث نفسها، ولكنها وصلت الى ابنتها التي اقتربت منها متسائلة بعدم فهم في البداية قبل ان تلقطها بذكائها؛ – عمل ايه؟…… هو انتي عملتلها عمل ياما؟ قرصة بخصرها تلقتها على الفور من والدتها التي همست تكز على اسنانها بتحذير: – وطي صوتك يا زفتة ولمى لسانك، هتجيبلنا المصايب. صمتت سامية ومن قراءة سريعة لملامح والدتها الجديدة، ايقنت بصحة ما سمعته، لتتبسم بانتشاء مطيعة لها: – عيوني ياما هخرس خالص، بس هنكمل كلامنا في البيت. التوى ثغر دورية ولم تعلق لتعود بأبصارها نحو مصدر همها، أبنائها الاثنان ومحاولاتهم الحثيثة في التقرب من هذه الملعونة ابنة عمهما، بصورة تفضح ما بداخلهما نحوها، لتتوعد هي بداخلها: – ماشي يا بهجة، ان ما اشتغلش ده، فيه غيره، انا مش هستريح غير لما اخلص منك. ❈-❈-❈ اما عنها فقد كانت مستمتعة بفقرات الحفل التي على وشك البدء، في جلسة تجمعها على طاولة واحدة مع رحمة ابنة عمتها وشقيقة العريس مع بعض الافراد من عائلة العروس من نساء، ليتعارفوا بها، فتندمج هي بالحديث معهن، لتتغاضى عن محاولات ابناء عمها في التقرب اليها بحجج واهية ونظراتهم المسلطة نحوها تثير ازعاجها وتشعرها بالاختناق، لتعقب عائشة بفراستها ساخرة مما تراه امامها: – عيال عمك الملزقين فاضل بس يقعدوا ع الطرابيزة جمبنا يا بهجة عشان يهمدوا من اللف حوالينا، ولا عمي خميس.. عايش الدور بعد ما لبس شبابي وزرع الصلعة، عينه مش سايبة بنت ولا ست ، يارب يعملها عشان اشوف درية وهي بتولع . تمكنت بطرافتها ان تثير ضحكات شقيقتها، ورحمة التي لم تقوى على التوقف مرددة: – يخرب عقلك يا عائشة دا انتي بلوة . ردت بهجة هي الأخرى: – انتي شوفتي حاجة، دي على رأي ابويا الله يرحمه سحبوها من لسانها. – الله يرحمه مكدبش. قالتها رحمة لتلتف نحو مصدر الموسيقى والإضاءة التي تغيرت للفقرة الرئيسية بالحفل، بتوقف شقيقها في انتظار عروسه والتي دلفت بصحبة احد اشقائها، ترافقها موسيقى واغنية حسين الجسمي للزفاف إدخلي عمري بخطوتك اليمين إضوي أيامي وعتمات السنين قرت عيوني بشوفك مقبلة يا الملاك اللين العذب الرزين إسمعي نبضي وراء صوت الدفوف من لمحتك ضيع الشوق الحروف إسمعي نبضي وراء صوت الدفوف من لمحتك ضيع الشوق الحروف نورتي نورة حياتي دنيتي يا ضيا عيني وأغلى ما تشوف تابعت صبا بهيئتها الملوكية الساحرة، لتنتقل من يد شقيقها الأصغر، ثم للأكبر عمرا وهكذا من يد الى يد حتى وصلت الى ابيها الذي طبع على رأسها قبلة حانية قبل ان يسلمها لعريسها الذي كاد أن يفقد رزانته اليوم برؤية جنيته الساحرة، بمشهد اثر ببهجة واصابها بالتحسر على فقدان والديها، وحرمانها بالتأكيد من هذه اللحظة التي اثارت القشعريرة داخلها بالتوق لها، لتستعيد رشدها بعد لحظات وتستغفر ربها ، ثم تندمج في فقرات الحفل والرقص على المزمار كما توقعت في الصباح في حديثها مع مديرها رياض….. يا الهي، ترى ما نهاية حكايتها معه هو الأخر؟ ❈-❈-❈ اما عنه، فقد كان يتقلب على فراشه في هذا الوقت، وكأنه على جمر مشتعل ، رأسه يكاد ان ينفجر من التفكير ، يعمل في كل الاتجاهات، منذ متى صار بهذا الصعف؟ كيف تغيرت خطته والطريق الذي رسمه منذ سنوات لا يذكر عددها للوصول إلى هدفه؟ يعلم ان خلف زيارة بهيرة شوكت طرف دفعها لذلك، ولكنه لا ينكر صحة قولها ، لقد واجهته امام نفسه، لتعيده الى ذاته، في ظل سيطرة هذه البهجة على تفكيره، لا ينكر سطوتها عليه رغم ضعفها، رغم لطفها ورقتها ، ولكن لابد له من ايجاد الحل، لا يمكن استمراره على هذه الحالة، لابد من الحسم؟ انتفض يعتدل بجزعه، حازمًا امره في تنفيذ ما طرأ بعقله دون تراجع، وكما قال المثل العربي القديم، وداوها بالتي كانت هي الداء. لا يوجد حل سوى بها؟ علٌه بعد ذلك يستريح من هذا العذاب. ❈-❈-❈ داخل الفندق الذى تم عمل ليلة الزفاف بقاعته، ثم حجز هذه الغرفة كهدية له ولعروسه، بصفته انشط الموظفين به، جلست هي تنتظره على تختها بالفستان الضخم، حتى ينتهي من المباركات والتهاني من اصدقائه، والذين عملوا على خدمته، لما تجمعه من مودة بينهم. ليلج اليها بخطوات متأنية متمهلة، يسترق النظر حتى وقف امامها تماما يتأمل خجلها وتلك الابتسامة المستترة خلف شقاوة يعلمها تمامًا، حتى في هذه اللحظة! مال برأسه نحوها يسألها بنظرات كاشفة: – بقالي ساعة بسلم ع الزمايل برا وبتقبل التهاني منهم، وانتى قاعدة هنا على سريرك، مغيرتيش فستانك يا صبا؟ ردت تجيبه ببساطة: – عادي يعني، لفيت على صور السيشن بتاعتنا، ع التليفون، وخدني الوجت ونسيت. زام بفمه بمكر مرددًا: – يعني خدك الوقت ونسيتى الليلة والفرح وكله….. ارتفع كتفيها وانخفضا بابتسامة متلاعبة، ليفاجأها بخلع سترته على الفور، ثم يشرع في خلع قميصه مرددًا : – خلاص يا قلب شادي افكرك انا . برقت عسليتيها بإجفال متسائلة: – انت بتعمل ايه؟ – بفكرك يا قلب شادي. وما ان انهى جملته حتى القى بقميصه على التخت، لتنتفض بخجل منه ناهضة لتهرول نحو المرحاض، وقد اصبح امامها عاري الجذع. لحق بها يرفعها من خصرها والفستان الضخم سائلًا بجوار اذنها: – ايه يا صبا، على فين يا قلبي؟ خرج ردها بصوت مهتز، وتراجع واضح عن التلاعب به: – هغير هدومي يا شادي، ودي محتاجة سؤال . قهقه بصوت عالي يديرها اليه: – لا ما دا كان الاول يا صبا، انما دلوقتي….. – ايه؟ – سألته ببرائة لتتلقى الرد عمليًا، حينما حطت شفتيه، ترتشف من شهد ثغرها، مشاعر مختلطة عصفت بها لا تدري لها مسمى، فلا هي بقادرة على منعه، ولا بقادرة على مجاراة جموحه، لتظل على هذا التخبط حتى افلت نفسه عنها بصعوبة يتأمل خجلها الشديد، وهي غير قادرة عن مبادلته النظر بعيناها، وكأنها اصبحت قطة وديعة بين يديه، ليعقب: – ياااه يا صبا، دا انا نفسي نسيت، وشكلنا كدة هناخد وقت كتير على ما نفتكر…. وما كاد ان ينهيها حتى رفعها بفستانها متابعا بمزاح امام صمتها : – ايه يا صبا؟ القطة اكلت لسانك . لم تقوى على الرد سوى بقبضة منها تدفعه بصدره، ليقهقه عائدًا بها نحو التخت: – هو دا اللي ربنا قدرك عليه مش بقولك هناخد وقت كتير عشان نفتكر. ❈-❈-❈ في اليوم التالي صباحًا، وفور ان ترجلت بهجة من وسيلة النقل الحكومي، وصارت في اتجاه عملها وصلها اتصال برقمه، فردت تجيبه على الفور باندهاش: – ايوة يا رياض باشا، نجوان هانم فيها حاجة؟ – لا يا صبا دا انا اللي عايزك ، غيري طريقك وتعالي ع الجهة الشمال، انا قاعد مستنيكي في العربية. – عربية ايه؟ تمتمت سائلة ، لتنفذ متخذة الطريق الاخر، فتجد سيارته امامها بالفعل ، فتسائلت بتوجس: – طب انت قاعد ليه في العربية ، ما الشغل قريب ، تقدر تقعد في مكتبك. اجابها بحزم : – بقولك عايزك في حاجة ضروري يا بهجة ممكن . اضطرت لطاعته، حتى اذا اقتربت تنضم معه، تحرك سريعا بسيارته ليختفي بها من قلب المكان، فسرى القلق بداخلها، لدرجة جعلتها تندم، ولكنه فجأها بالتوقف، يباغتها بقوله: – انا عايز اتجوزك يا بهجة. صمتت قليلًا تستوعب ما التقطته اسماعها، لتردد بعدها بلحظات بعدم تصديق: – تتجوز مين حضرتك؟ هو انت بتهزر يا رياض باشا؟ بجدية شديدة جاء رده: – قبل ما تحكمي اني بهزر ولا بتكلم جد، ممكن تسمعي مني الاول؟ ضاقت عينيها قليلًا بتوجس، قائلة: – اتفضل حضرتك انا سمعاك….. رواية حان الوصال الحلقة الرابعة عشر تسحبت على أطراف اصابعها حتى وصلت لتقف خلف مدخل باب غرفة والدتها، لتتصنت على مكالمتها عبر الهاتف، بصوتها الخفيض كالهمس، حتى لا يصل لخارج الغرفة: – ايوة يا ست مبروكة، العمل باينه مشتغلش، خلي الشيخ يعملي غيره شالله يسترك………. يووه…….. يا ولية بقولك العيال على حالهم، لا دا كمان شكلهم زايد اوي النهاردة من ساعة ما شافوها امبارح في فرح ابن عمتهم وهي متزوقة،……… لا يا ست مبروكة هو قالي ان العمل هيشنغل في اليوم نفسه، بس دا محصلش، يبقى الفلوس اللي دفعاها انا وقعت في الارض على كدة……. يا ستي عارفة اني تعبتك معايا ، بس انتي المساعدة بتاعته ولازم تبلغيه يتصرف بحاجة تانية، حرام اكون دافعة ومكلفة وفي الاخر ميجبش فايدة………. تاني هتحدديلي ميعاد ؟ يبقى فيها دفع فلوس تاني يا مبروكة انا عارفة……… خلاص يا ست متتعصبيش حدديلي ميعاد، انا لولا بس واثقة في كرماته ومجرباه قبل كدة، كنت قولت انه نصاب…….. خلاص مش هزعل الاسياد ولا اللبخ، بس انتي استعجليلي ميعاد مقابلتي بيه، متلطعنيش ، انا عايزة اخلص من البت واطمن ع العيال الموقوف حالهم………، كدة طب انا على ما اجي بقى تكوني حضرتي الحاجة مع الشيخ…….. تسلمي يا غالية تسلمي، هجيب حلاوتك معايا حاضر………. انتي تؤمري. ختمت بتنهيدة مسهدة فور ان انهت المكالمة ، لتلتف بجسدها، وتصطدم ابصارها، بتلك الملعونة ابنتها ، مستندة بظهرها على إطار الباب، تطالعها بنظرات كاشفة وابتسامة ماكرة تخبرها انها سمعت كل الحديث: – يعني ظني طلع صح……. احبك يا درية لما تخططي وتكتكي في الكوتيمي. زفرت والدتها تحدجها بغيظ شديد، لتقترب فجأة وتجذبها قابضة على عضدها بعنف لداخل الغرفة فتحذرها كازة على اسنانها؛ – اسمعي يا بت انتي، الكلام ده حسك عينك يطلع لحد، ولا حتى بينك وبين نفسك، يا اما يا سامية قسما بالله لاطلعه على جتتك… قابلت ابنتها العاصفة الهوجاء منها بتباسط وابتسامة لم تتخلى عنها ، لتطمئنها: – ياما متقلقيش سرك في بير، انا برضو بنتك والمصلحة واحدة، بس كنت عايزة اعرف بقى، العمل عملاه على اساس ايه؟ يجيلها المرض وتموت بيه؟ ولا تغور في داهية بعيد عننا؟ التوت شفتي درية تمصمص بشفتيها مستنكرة التجني عليها: – مرض ايه وهباب ايه يا زفت الطين انتي، شايفاني قدامك قتالة قـ,ـتلة يا بت، دا انا واحدة بتخاف ربنا ، واللي بعمله ده عشان مضطرة، عيالي هيروحوا مني بسببها اقف متكتفة بقى؟ لا طبعا، انا بس موصية الشيخ يطلعها جاموسة ولا قرد في عيونهم، عشان يكرهوها أو يغورها عننا بأي نصيبة، بس كدة . – بس كدة ياما؟ رددت خلفها بتشكك، لتردف درية بتأكيد: – بس كدة يا هبابة، واقطمي بقى عشان الرط يجيب مشاكل ويكشف المستور، واحنا بنقول يا حيطة دارينا. أومأت سامية تهز رأسها بحماس مرددة: – من عيوني ياما، ما انا قولتلك سرك في بير، بس انا سمعاكي بتقولي انك مجرباه، كنت عايزة اعرف، في ايه بقى جربتيه قبل كدة وعرفتي بكرماته؟ الى هنا ولم تتحمل درية، وقد فاض بها من تدخلها، لتكزها بقبضتها، تنهرها بوعيد: – وانتي مالك يا زفتة؟ عايزة تحشري نفسك كمان في اللي فات، بقك دا يخرص خالص، وإياكي تنطقي بالكلام ده تاني، لا قدام غيري ولا قدامى، وابعدي بقى خليني اشوف اللي ورايا جاتك الهم . دفعتها من كتفها وتحركت مغادرة لخارج الغرفة ، لتتبع اثرها ابنتها وبداخلها حماس لا تخفيه، بعد اكتشافها سر هذه القوة الخفية التي تمكن والدتها من فعل ما تريد، وشيطان رأسها يوسوسها للمضي في نفس طريقها. ❈-❈-❈ بصدمة تعلو ملامحها تستعيد الحديث بذهنها وتكرره عدت مرات عل استيعابها الضعيف يصل لشيء اخر، غير هذا الذي فهمته: – نعم يا رياض باشا، يعني انت عايز تتجوزني في السر، دا حقيقي ولا انا فهمت غلط؟ تحمحم يبرر بملامح جامدة وكأنه يخبرها شيء، عادي: – انا مش بطلب منك حاجة عيب ولا حرام عشان تتعصبي كدة يا بهجة، لأن دي مش من اخلاقي اصلا، انا عايزك وعايزك بشدة، ولذلك ملقتش قدامي غير حلال ربنا. عايزك وعايزك بشدة، تكررت في ذهنها عدة مرات، يبرز الامر لها، انه لا يتعدى الرغبة، يعني ليست تلك المشاعر التي كانت تنشدها، لكن يا ترى هل بالفعل هي هكذا؟ ام انه ينكر احساسًا داخله، يصلها في كل همسة وكل كلمة وكل نظرة منه، قلبها الصادق لا يخطيء ابدا، لكن ما الفائدة وهو في كلتا الحالتين اظهر لها وجهه الحقيقي ونظرته الدونية لها، ولكن ما العجب، الم تكن تلك قناعتها من البداية! تنهيدة مثقلة خرجت منها قبل ان تعقب على قوله: – بصراحة انا مخضوضة من جرأتك يا رياض باشا، بتبلغني برغبتك فيا كدة من غير تزويق ولا لف ودوران…… قاطعها مردفًا: – انا راجل عملي يا بهجة، وقولتلك اني مليش في الحرام، ليكي عندي ان ءأمن مستقبلك بمبلغ محترم يغنيكي انتي واخواتك عن الاحتياج….. قاطعته بدورها: – على كدة بقى مصاريف مستشفى ايهاب من ضمن الحساب؟ زفر نافيا بهزة من رأسه واعتراض واضح: – دي ملهاش دعوة يا بهجة . – لأ ليها دعوة يا باشا، مدام الموضوع كله حساب في حساب . صدرت منها بقوة لا تدري من اين أتت، كما انها تندهش لصمودها حتى الاَن امامه، بل ومواجهته بحدة، لتستفز هذا الجزء المتعجرف داخله: – وان وافقتك وقولت امين هتقدرى تسددي التمن وانتي رافضاني؟ سألها ليرى تأثير قسوة السؤال على ملامحها التي امتقعت بقهر نبع بداخلها، ليشفق ملطفًا: – احسنلك تخرجيها من الحسبة يا بهجة ، عشان يبقى قرارك من غير ضغط ، انا بحط قدامك المميزات بجوازك مني، لا عايز اضغط ولا امسكك من ايدك اللي بتوجعك، فكري كويس واعرفي فين مصلحتك.. – افكر في ايه؟! تمتمت بها وجرح مزق قلبها لأجزاء ، لتردف بصراحة كاشفة بوجهه: – طول ما الدين بتاعك مطوق رقبتي، يبقى حضرتك مش سايبلي اختيارات، كان عندها حق لورا لما صدمتني بالحقيقة في وشي، انا اللي كنت غبية وكالعادة غلبتني السذاجة اللي ورثتها من والدي ، عشان اصدق ان حضرتك فعلا بتعمل كدة لوجه الله او كرم منك، يا خسارة. خرجت كلمتها الاخيرة بصوت بح من فرط ما يكتنفها من الداخل، ورغم الالم الذي كان يجتاحه لهيئتها تلك، الا انه أبى الا يظهر ضعفه امامها، ليواصل بجمود يتقنه: – تمام يا بهجة، لو حابة تخلي الموضوع كدة، رغم انه على غير رغبتي، انتي حرة، انا بحاول أوسعها في وشك على قد ما اقدر، بس انتي مصممة تاخديها بدراما انا نفسي متفاجيء منها، ع العموم كدة باقي ردك. اوما بكف يده في الهواء امامها، يوقفها ألا تتعجل التفوه بما لا يعجبه، فور ان افتر فاهاها لتهم بالرد، ليسبقها بحنكته: – انا مش عايزك تردي في لحظة انفعال دلوقتى….. حاولي تفكري كويس وتعرفي فين مصلحتك، معايا مش هتخسري حاجة بل بالعكس، انتي هتكسبي كتير وكتير اوي كمان. صمتت للحظات تطالعه بنظرة قادرة على الإطاحة بكل ثباته، ليخر راكعًا امامها يطلب الصفح ويستجدي موافقتها، وبالصورة التي تريدها، ولكن ما الفائدة؟ وقد سبق السيف العزل، ولابد من مواصلة الضغط، لتحسم هي بالترجل من السيارة دون استئذان، تصفق الباب بقوة وتغادر دون ان ينطق فمها ببنت شفاه. ليزفر هو طاردًا من صدره دفعة من هواء مشبع بإحباطه، والم ينغز بصدره كلما تذكر صدمتها به. ❈-❈-❈ بحث بعيناه داخل ارجاء الشقة بعد استيقاظه، ليجدها الان داخل المطبخ، تعد فنجان قهوتها على ماكينة القهوة، ف اقترب بخفة ليفاجأها بلف ذراعه حول خصرها من الخلف، يطبع قبلة على كتفها مرددًا: – مصحتنيش ليه عشان اشرب قهوتي معاكي؟ تبسمت مستمتعة بغمرته لها تجيبه: – محبيتش ازعجك، خصوصا وانت راجع متأخر امبارح. – امممم. زام بفمه بعدم رضا يعقب على قولها بسخرية : – عندك حق، ما انا جيت لقيتك سهرانة مستنياني. ضحكت تزيد من غيظه وهي تلتف نحوه واضعة كفيها على صدره: – وانا اعملك ايه؟ ما انا فعلا قعدت مستنياك لقريب واحدة على فيلم السهرة، بعدها محستش بنفسي غير الصبح وانا على فرشتي ونايمة جمبك، وعقلي قعد ساعة يسألني ، انا جيت هنا ازاي؟ زام بفمه مرة اخرى، يجاري لعبتها، فهو على علم تام انها شعرت بحمله لها حتى وضعها على الفراش، مما شجعه في محاولة ايقاظها بعد ذلك، ولكنه فقد الأمل حين لم تستجيب: – اكيد بتمشي وانتي نايمة. ضحكت مما استفزه ليضربها بخفة على جانب رأسها ، متوعدًا: – وليكي عين كمان تضحكي، دي جزاتي اني سيبتك تنامي وتاخدي راحتك. واصلت ضحكاتها ، لتلقي برأسها فوق عظام صدره، وتلف ذراعيها حوله قائلة بامتنان: – انا فعلا كنت عايزة ارتاح امبارح، تعب السفر والسهر كوم عليا، نمت زي الجثة. شدد بذراعيه عليها، وفضوله يدفعه للتساؤل: – بعد الشر عليكي يا روح قلبي، انا مقدر لاني انا كمان كنت تعبان ، لكن اعمل ايه بقى في الجماعة اصحابي، واصرارهم الغريب في الاحتفال بيا والسهر معاهم ، ياللا بقى، المهم بقى انا بقول نقضي النهاردة اليوم عائلي ، ايه رأيك نقضيه عندكم . ارتفعت رأسها فجأة سائلة باستفسار لا يخلو من قلق: – عندنا فين بالظبط؟ تبسم يداعب طرف ذقنها: – عندكم اللي هو بيت العيلة، مع مامتك واختك، هي عيلتك عندها كام بيت؟ ابتلعت رمقها برفض مبررة: – ونبتدي ليه ببيتنا؟ ما نروح عند عبير وبابا عزوز. اضطرابها الصريح ومراوغتها في الحديث معه، جعلته يتأكد من صحة ظنه بعلمها بخروج هذا الفاسد من محبسه، ليردف لها حازمًا: – بس انا عندي غاية النهاردة ادوق اكل الست والدتك، وان كان على والدي وعبير، فدول هنروح منهم فين؟ تابع قاطعًا فرصة الجدال معه: – اتصلي برؤى وبلغيها عشان تعمل حسابها ع الغدا او العشا، اللي يريحها، انا فاضي ولسة في أجازتي، يعني معايا الوقت كله. ختم قاطفًا قبلة سريعة من ثغرها، ثم غادر بخطواته الشامخة، ليتركها في تخبطها، وتساؤل عن المغزى من خلف زيارة المنطقة في هذا الوقت، وهي تعلم تمام العلم انه علم بخروج ابراهيم من السجن، ترى هل يقصد الاحتكاك به؟ ❈-❈-❈ خرج من غرفته بعد سماع الجلبة، والصوت الجهوري المميز في مخاطبة والدته، لتقع عينيه عليه جالسًا على مائدة الطعام، يتناول وجبته بنفس شهيته كعادته، بعد اختفائه بالأمس عن الترحيب به واستقباله كباقي افراد الحارة ، انه حتى لم يكلف نفسه بالسؤال عنه، بل والعجيب انه هو من اشتاق اليه، رغم كل ما يحمله من ضغينه نحوه، ارتفعت ابصار الاخر لتلتقي به، يخاطبه ببرود: – حمد الله ع السلامة. – الله يسلمك. تمتم بها ابراهبم متهكمًا، ليخطو ويقف قباله معقبَا: – ياااه، اخيرا طلعت منك، كتر خيرك يا عم ورداني، جيت على نفسك ليه يا راجل؟ ما كان بلاها احسن. سمع منه عابد الورداني ، فواصل تناول طعامه دون اهتمام منه ان يجيبه، ليزداد الحنق بداخل الاخر، حتى انتفخت اوداجه وازداد اللهيب المستعر بداخل عينيه، لتلحق سميرة بذكائها فتجلسه على احد المقاعد، مبررة بلؤم: – اقعد يا ابراهيم متبقاش حمقي، ابوك كان عنده بيعة مهمة امبارح برا البلد، يعني مكانش فاضي لاستقبالك ، فهمت بقى. زادت حدة ابراهيم في توجيه الغضب نحو ابيه مرددًا: – افهم ايه ما انتي قولتي الحجة دي من امبارح، وانا بلعتها بمزاجي، انما اصحى دلوقتي الاقيه بيبصلي ببرود ولا اكني بايت في حضنه، جرا ايه يا عم؟ دا انا لو عدوك هتفرح بخروجي من حبستي، الناس دى ايه قلوبها اللي عاملة زي الحجارة دي ؟ خرج عابد عن صمته ليباغته بسؤاله: – وتفتكر بقى عشان خدت البراءة يبقى انت بريء بجد؟ ولا فاكرني صدقت انا بلعبة المحامي ابن الحرام اللي امك دفعتله من فلوسي عشان يخرجك؟ شحب وجه ابراهيم متفاجًئ من حدته ، ليستطرد عابد: – بلاش نتكلم ونفتح لبعض يا ابراهيم، انت شايل مني عشان مستقبلتكش، وانا قلبي مش راضي عليك من ساعة ما اتأكدت من مصيبتك. انتفض عن كرسيه يلوح بسبابته امامه: – تقدر تضحك ع الناس كلها وتفهمهم انك بريء، بس انا لا يا بني، عشان اللي ربى خير من اللي اشترى، وانا مش بس مربيك، لا دا انا خاتم على مصيبتك وحاططها في قلبي وساكت، دفعت من حر مالي عشان اخرجك ، لكن عمري ما هنسهالك، انك تخسرني صاحب عمري بقلبك الاسود وعمايلك المهببة، الا لو ربنا هداك، يمكن ساعتها انسى. دفع بيده الطعام مستطردًا: – وادي الاكل سايبهولك انت وامك، على الله بس تشبعوا. قالها ثم انصرف تتبعه ابصار الاثنان، بذهول اخرس السنتهم، فهذه لاول مرة يكشف لهم عن سر امتناعه وغضبه الدائم عن زيارة ابنه الوحيد. ❈-❈-❈ بعد تململ وفترة من التقلب على فراشه، فتح عيناه للضوء الذي تسلل من الجزء الصغير المكشوف من زجاج الشرفة المغلقة، ليستوعب وضعه في الغرفة الجديدة، ليعود اليه الوعي فور ان استفاق لذراعه التي تضمها ، فيتطلع اليها جيدا، ويتبين انه لم يكن يحلم، إذن تلك الصور الجميلة التي راودت عقله لم تكن حلمها بل واقع وحلق في سمائه منذ ساعات قليلة، الجميلة الساحرة بين يديه، تلك التي قبلت به رغم كل الفروق بينهم، وفضلته على من هو اوسم وأغنى وارقى منه، ما الذي يحدث معه؟ ما تلك السعادة التي تضخمت بقلبه حتى كاد ان ينفجر صارخًا، معلنًا بعشقها على الملأ، هي العوض، لا بل هي الهدية الجميلة التي منَ الله عليه بها، يريد التأكد كل لحظة وكل دقيقة انه لا يحلم، وما الذ من التنفيذ عمليًا. مال بعدم تصديق يقصد تقبيلها، ولكن وقبل ان يدنو منها جيدا ، فاجأته بفعلها، حينما عبست ملامحها بضيق، تدفع سبابته التي حركها بغرض إزاحة خصل الشعر التي تغطي نصف وجهها عنه، ليتبسم بمرح لفعلها، مقررًا التكرار بمداعبة طرف انفها، فعادت هي للعبوس مرة أخرى تدفع الهواء وكأنه ذبابة تحوم حولها. ليزداد استمتاعًا ويضاعف من مشاكستها حتى اجبرها للاستيقاظ، تفتح عيناها للنور بضجر، فتلقفها بالتحية وقبلة خاطفة: – صباح الجمال. تجمدت لحظات في اللا وعي هي ايضا حتى استوعبت، لينتابها الخجل ، فتسبل اهدابها عنه دون رد، وقد لاح بذهنها كل ما حدث بالأمس. فهم عليها ليزداد سعادة، مقبلا جفن عينيها بحنو: – يا قلب شادي، بقيتي قطة وديعة يا صبا، امال فين الخربشة وروح الشراسة اللي بحبها فيك يا صعيدي انت يا مجنني؟ ارتفعت عيناها اليه مرددة بجرأة تتصنعها في رد له: – ومالهم الصعايدة على اول الصبح، انت غاوي تجلب الوجه الجبلي عليك في صباحيتك يا شادي؟ جلجلت ضحكته الصاخبة تدوي مقهقهًا يردد: – اوي يا صبا، انا حابب اوي اشوف الشراسة اللي كنت متوقعها. أكمل بجرأة يفاجأها: – أصل انا بصراحة كنت راسم صورة مخالفة خالص، افتكرت بقى هيبقى في خناقات، هجوم ودفاع، صد ورد، لكن الرقة دي مكنتش متوقعها ابدا من صبا. ضاقت عينيها بغيظ منه ومن وقاحته، لتدفعه بقبضتها في رد له: – طب بَعد. تبسم باتساع رافضا التزحزح: – ابعد ايه بالظبط؟ مش فاهم ، ممكن توضحي اكتر؟ اردفت بغيظ اشد تحاول الفكاك من حصاره: – بطل غلاسة يا شادي ، احنا لسة في اول اليوم متجفلنيش منك. – ايه؟ تمتم بها ليقع من الضحك فيزيد من ضمها، هذه المشاكسة، تدعي الضيق والتأفف حتى تخفي خجلها منه كالعادة، ولا تدري بأنه يحفظها: – صبا انا هموت منك بجد جننتيني…. – بعد الشر عليك متجولش كدة . قاطعته بها تجذب انتباهه وهذا القلق الذي اعتلى ملامحها، ليواصل مناكفتها: – ليه يا قلب شادي؟ خايفة عليا؟ جاء ردها بقبضة قوية وجهتها لكتفه مردفه بحنق: – ودي محتاجة سؤال؟ بعد عني يا شادي عشان انا اتخنجت منك بجد. عصبيتها في توجيه الخطاب له، وقد احمر وجهها بانفعال جعله يلطف، مرخيًا ذراعيه عنها قائلًا بعشق: – انا اسف يا قلب شادي لو زعلتك، معلش بقى قدري اني لسة غشيم فى التعامل مع القمر اللي معجون بعصبيه الصعايدة. تبسمت لغزله، فدنى يدفن رأسه في تجويف عنقها ، يستنشق عبيرها، ثم يمرر شفتاه على بشرتها حتى وصل لثغرها ليعود ويتذوق شهدها من جديد، شاعرًا باستجابة منها على استحياء، ليردف بتأوه: – ااااه ، يا لهوي عليك يا شادي، دا انت هتشوف الويل مع بنت ابو ليلة . ❈-❈-❈ توقفت سيارة النقل العام بالقرب من الطريق المؤدي لمنطقتها، لتترجل منه عائدة الى منزلها، فلم تملك من الطاقة ما يجعلها تمارس عملها داخل المصنع والذي هو ملكه من الأساس. ما السبيل وحتى رزقها يأتي عن طريقه، ان استغنت عن مجالسة والدته، كيف تستغني عن عملها في المصنع؟ وهو المصدر الرئيسي لإعالتهم، انه لا يطوق عنقها فقط بالدين، انما يمتلك قوت يومها، تبا له من مغرور ومستغل. – راجعة بدري ليه عن ميعادك يا بهجة؟ وصلها الصوت المعروف لتغمض عينيها بتعب، فهي لا ينقصها الاَن من سماجة ابناء عمها، لتواصل متجاهلة الرد عليه، لتفاجأ به يتصدر امامها ويوفقها : – جرالك ايه يا بهجة؟ انا بكلمك، لتكوني سرحانة! وكأنه ضغط على زر الانفجار، صاحت به مرددة: – يا سيدي وما اكون سرحانة انت مالك؟ هو انا هلاقيها منك يا سامر، ولا من اخوك اللي مزهقني برزالته في الرايحة وفي الجاية ، ما تحلو عني بقى ، دا انا كرهت الشارع وكرهت البيت اللي ساكنة فيه عشان خاطركم، اولع في نفسي عشان استريح منكم يعني؟ أومأ بصدمة لرد فعلها المبالغ فيه، ليتراجع مرتدًا للخلف بأقدامه، ملوحًا بكل يده امامها: – خلاص يا بنت عمي، انا اسف والله لو سألتك، سامحينى ان كنت قلقت عليكي ولا على حد من اخواتك ، انتي حقك تعملي اللي انتي عايزاه وانا ابقى مش محترم لو كررتها تاني . كان قاصدا الضغط على عاطفتها، لعلمه جيدا بشخصيتها، والتي اكتنفها تأنيب داخلها لتلطف بتعب ممسكة بطرفي أصبعيها على أعلى انفها قائلة: – معلش يا سامر، بس انا مخنوقة وتعبانة ومش قادرة حتى على الكلام، اعذرني في حدتي عليك . – طب هو انا ممكن اسألك عن سبب الخنقة ؟ رمقته بحدة جعلته يتراجع على الفور: – بلاش الخنقة، قوليلي ع اللي تاعبك وانا رقبتي سدادة، لو محتاجة دكتور او شيء انا تحت امرك . زفرت بنفاذ صبر ترفض عرضه بزوق: – لا يا سيدي كتر خيرك اوي، انا ماشية امدد جسمي ع السرير وان شاء الله محتاجش لأي دكتور، عن اذنك بقى عشان مش متحملة الوقفة . وبدون انتظار رده، تحركت ذاهبة من امامه على الفور، لتمضي في طريقها، متجاهلة النظرات المصوبة نحوها من اهل الحارة والمتسائلة لعودتها من عملها في هذا الوقت من الصباح . لتسرع بخطواتها حتى وصلت الى منزلهم، لتدفع الباب بهدوء بعدما فتحت بمفتاحها، ثم تدلف على أطراف اصابعها حتى لا يسيتقظ شقيقها الذي كان نائمًا في هذا الوقت ، بعد ليلة طويلة من السهر واستذكار دروسه، فتخطو بخفة حتى ولجت داخل غرفتها ، تخلع الحذاء، قبل ان ترتمي بجسدها على الفراش، تطلع العنان لدموع تحتجزها منذ لقاءها بهذا المغرور . ❈-❈-❈ به شيء هذا اليوم مختلف ، صفحة البرود التي يتحلى بها دائما تغيب عنه بصورة مزعجة، مع تلك النظرات التي يصوبها نحوها الاَن وهي تدلف اليه بمجموعة من الملفات المطلوب البت بها، وهو جالس يهزهز كرسيه بملامح مغلفة لا تنبيء بشيء: – حطيهم هنا. قالها يشير بيده على سطح المكتب بجانبه، دون ان يلتقطهم منها ويعمل عليهم على الفور كما يفعل دائمًا، ثم يفاجأها بمطلبه: – اتفضلي اقعدي يا لورا عايزك. قطبت بعدم فهم، تظن انها قد فهمت خطأ، ليزفر بصوت عالي يشير لها مؤكدًا: – بقولك اقعدي يا لورا ، هو انا بتكلم بلغة مش مفهومة. جلست على الفور متمتمة بارتباك: – لا طبعا انا بس استغربت. وضعت ساق فوق الاخرى مردفة بابتسامة ناعمة تلمس بكف يدها على شعرها: – اممم انت تؤمر يا رياض باشا. ضيق عينيه قليلًا يطالعها بصمت زاد من اضطرابها وتضاعف، حتى داعبتها الأماني والأحلام، لربما حدث وقد ما تتوق اليه وبشدة في القرب منه. لتسبهل اهدابها بخجل تتصنعه، تتحمحم برقة: – رياض انت مقولتش لحد دلوقتي عايزني في ايه؟ – اسمي رياض بيه يا لورا، كذا مرة انبهك متخلطيش بين القرابة وبين الشغل. اجفلها برده الجاف حتى ارتفعت عينيها اليه بإجفال ، ليواصل بجموده، غير مكترثًا بإحراجها: – قوليلي صحيح يا لورا، هو انتي بقالك كام سنة شغالة معايا؟ كتمت زفرة الاحباط بداخلها، لتجيبه برسمية بحتة كما يريد: – تقريبا من اول ما مسكت انت المصنع بعد المرحوم حكيم، بتسأل ليه حضرتك؟ مال بجسده يسند مرفقيه على سطح المكتب يجيبها بغموض، واضعًا بندقيتيه صوب خاصتيها وكأنه يغوص بأغوارها: – بسأل عشان اتأكد يا لورا ، بصراحة قاعد بعيد في دماغي، لو كنت في يوم من الايام، خلطت علاقة العمل ما بينا وبين القرابة. امتقعت ملامحها لتعقب بحنق يسري بداخلها منه: – حضرتك عمرك ما عملتها، بدليل الموقف اللي حصل من دقايق. لقد اوقعها في الفخ، هذا ما تأكدت منه فور تبدل ملامحه فجأة ليردف بصوت غريب عنه، وفظاظة تثير التساؤل: – ولما هو كدة، ومفيش ما بيني وبينك غير الشغل، بتبلغي بهجة بمصاريف المستشفى بتاعة اخوها ليه؟ انا كنت طلبت منك ذلك؟ بهتت فاغرة فمها بازبهلال، وكأن المفاجأة شلت أطرافها، لتأخذ لحظات من الاستيعاب، استغلها هو في توجيه التوبيخ لها مضيفًا: – كون انك قريبتي دا ميدكيش الحق ابدًا في انك تتدخلي في شئوني، سواء بتصرف صح او غلط ، انتي ميخصكيش. خرجت الاخيرة بصيحة جعلتها تستفيق لنفسها، مستعيدة بعضًا من دهائها: – حضرتك بتلومني وكأنك متأكد، انا بقى عايزة اعرف، هي ليه تبلغك بالكلام ده؟ لو بتحاسب على اختلاط علاقة القرابة مع الشغل، يبقى نحاسب البنت دي اللي دخلت البيت تبث سمومها ولا اكنها بقت من اصحابه. اجابها ببساطة ناسفًا كل اغراضها مما سبق: – من اصاحبه او غريبة عنه، برضو انتى مالك يا لورا؟ انا حر في ممتلكاتي وحر اعمل اللي عايزه، انتي ملكيش في حياتي الا المسافة اللي محددها، ياريت بلاش تتعديها، عشان متخسريش شغلك قبالها، اكيد تعرفي كويس اني معنديش تهاون . كان قاسيًا لدرجة افقدتها النطق للحظات، حتى اتجهت لسلاح الانثى الاخير، لتذرف الدموع متمتمة بمسكنة تجيدها: – انت بتقولى انا الكلام ده؟ سمحت لواحدة زي دي تشوه صورتي قدامك، انا دلوقتي بس ندمانة لصفة القرابة اللي ما بينا، ع الاقل لو بشتغل عند حد غريب، هيراعي اكيد انه يعدل ما بين موظفينه، انا بشتغل عندك بقالي سنين ، عارفني كويس وعارف اخلاقي، مش واحدة شغالة عندك من شهور قليلة، ياريتني مت قبل ما اتعرض للظلم ده منك، ياريتني مت. نهضت من امامه مواصلة فقرتها: – حضرتك كمان تقدر ترفدني، ولو عايزها تيجي مني، انا مستعدة اقدم استقالتي برضو مش هعترض….. عن اذنك…… ختمت بشهقة لتكتم بكف يدها على فمها، وتركض من أمامه، منهية وصلتها، على امل التأثير بقلبه المتحجر، والذي تجمد محله، يطرق بقلمه بأعين فارغة كالزجاج، فاقدة للأحساس، حتى لو به شيء من تأنيب الضمير ، تغلبه دائما طبيعته عن التراجع، هذا هو رياض الحكيم، الذي قضى نصف عمره في بلاد الثلج مع قوم لا تهتم ولا تعطي قيمة للعواطف، والجزء الثاني كان بالصدمات المتوالية ، حتى كبر زيادة عن عمره سنوات، وزاد بقلبه الجفاء. ❈-❈-❈ توقفت السيارة اسفل البناية التي يوجد بها منزلهم، لتخرج هي اولا بحلتها الجديدة وقد صارت انثى بالمعنى الحقيقي، تشرح القلب بطلتها، لتتلقى الترحيب بلهفة من شقيقتها التي كانت تنتظرها في شرفة المنزل، لتلوح لها بكفيها في الهواء، فقابلتها هي بابتسامة رائعة، قبل ان تلتف رأسها فتلتقي ابصارها بذلك الذي برقت عينيه بذهول، لا يصدق ان تلك امنية التي كان دائما يراها عادية واقل من عادية، بوجهها الممتليء وجسدها الذي كان يظهرها اكبر من عمرها رغم اغرائه. كل هذا ذهب الاَن، الوجه اصبح منحوتا يظهر جمال الملامح التي كانت مدفونة، وجسدها مازال مغريا ولكن برشاقة الابطال، وهذه الهيئة الجديدة والملابس بدلتها تماما. افترت زاوية فمه بابتسامة جانبية قابلتها بازدراء لتواصل طريقها، بعدما القت بنظرها نحو ذلك الذي كان يقود السيارة حتى ركنها في موقع جيد قبل ان يخرج، بحلته الأنيقة التي تليق به، وعضلاته البارزة تكاد تمزق السترة التي يرتديها ، بهيبة تجعل الجميع يحسبون حسابه، ثم هذه النظارة السوداء على عينيه، لتزيده غموضًا حينما وقف امام الاخر للحظات ، وكأنه يريه من هو، قبل ان يتحرك بعد ذلك يلحق بزوجته، ليتمتم ابراهيم ف اثره بعدما جفف الدماء بعروقه : – يا بن ال….. جاي تنفش ريشك عليا وتوريني عضلاتك، ماشي، ماشي يا سيادة الظابط….. ماشي يا امنية. ❈-❈-❈ في إحدى النوادي الاجتماعية الخاصة بالرجال، كانت جلسة الاثنان، بعدما اصر عليه كارم للخروج معه، ليستعلم ولو قليلًا عن سر جموده، وهذا الحالة الغريبة التي تتلبسه منذ لقاءه به، حتى امتنع عن مواصلة العمل، وهذا شيء من النادر أن يحدث، اتى اليه بعبوة المشروب البارد ليلكزه مشاكسًا: – ايه يا عمنا؟ فوق كدة واشرب وفك عن نفسك . تناول منه يتنفس زافرا ببعض الهدوء ليرتشفها متذوقًا لذعتها ، ليتأفف معبرا عن ضيقه: – ايه ده يا كارم دي حراقة اوي، مش تجيب حاجة اخف. تجرع منها الاخر بتلذذ قائلا: – وهو في احلى من الحراق؟ دي حتى طعمها يهبل ومش مسكرة على حد طلبك. اومأ رياض مستسلمًا دون اعتراض، مما دفع فضول الاخر للتساؤل: – بس مش غريبة دي يا رياض، ان رغم عشرتك للخواجات العمر دا كله ومتكونش بتحب البيرة ولا حتى تشربها تفاريح. ابتسامة ضعيفة لاحت على جانب فمه قبل ان يجيبه: – اللي يعاشر الغرب خصوصا في السن الصغير بتاعي ، أكيد هيمشي على نظامهم، وانت عارف بقى والدي ووالدتي كانوا منفتحين ازاي؟ توقف يطرد من صدره دفعة هائلة من هواء ساخن، تشبع بحزنه بعد ذكره للإثنان، ليتمالك بعد ذلك مردفًا: – بس طبعا انا لما دخلت الجامعة واشتغلت ، شوية شوية بقيت افتح دماغي اكتر وامقت الحاجات دي من نفسي…….. وعلى رجوعي مصر كنت بطلت خالص، والتفت لشغلي. اومأ كارم مقدرًا صعوبة الكلمات وهي تخرج من فمه، ليربت بكفه على ركبته بخفة، ثم سرعان ما غير دفة الحديث بتساؤله: – طب قولي بقى، ايه اللي قالب حالك كدة؟ حينما ظل على صمته، واصل كارم بفراسة: – هو انا ليه قلبي حاسس، ان ورا قلبتك دي في واحدة ست. اعتلى الإجفال وجه الاخر، مما أكد الظن لديه، ليردف بإلحاح: – يا عم احنا رجالة زي بعض، قولي بس لو عندك مشكلة مع واحدة منهم، صاحبك له خبرة برضو مع الصنف. – صنف؟ تمتم بها بعدم استيعاب، ليقهقه ضاحكًا بمرواغة كي يخفي توتره، فهذا الماكر، لديه من الذكاء الحاد والقدرة على كشف اغواره: – وربنا انت مشكلة يا كارم، ع العموم يا سيدي لما احتاج مساعدة مش هروح لغيرك، مدام انت راجل عندك خبرة. بادله كارم الضحك والمزاح، يحترم تحفظه، ليردف مرحبًا بمساعدته: – وانا جاهز في اي وقت يا سيدي، وقت ما تعوزني بس أشر بإيدك. اومأ بامتنان له: – ماشي يا باشا. ❈-❈-❈ والى بهجة التي غفت على فراشها ، بعد وصلة من البكاء والحزن، حتى استيقظت على صوت دفع الباب واقدام احدهم تلج اليها، ثم تخرج سريعًا بخطوات مرتبكه، حتى ارتطم شيئًا ما على الارض ، مما جعلها ترفع رأسها وجذعها سريعًا لتستكشف هوية الشخص الذي صار يصلها صوت اقدامه، لتخرج من غرفتها على الفور، وتفاجأ بفتح الباب الخارجي من المنزل، قبل ان يصفق سريعًا بخروج الشخص، فلاح أمامها سريعا طيف اللون الاخضر. لتهرول كي تلحق بمن ظنته لصًا، ولكنها تفاجأت بظهر هذه المرأة التي كانت تعطيها ظهرها وتحاول الهبوط على الدرج ببعض السرعة الحريصة….. وترتدي عباءة منزلية خضراء! فهتفت بها توقفها: – كنت بتعملي ايه في البيت عندنا يا مرات عمي؟ انتفضت المذكورة وتشنج ظهرها برعب من كشف مصيبتها، لتجبر على الالتفاف لها، تقبض بيداها على هذا الشيء الذي اخدته من الرجل الدجال ( عمل) وقد كانت تنوي اخفاءه بين اشياءها كي يعمل هذه المرة جيدا وينفذ المطلوب، واضعة برأسها ان هذا موعد عملها، لم تحسب ابدا انها ستجدها امامها على الفراش. ابتلعت ريقها، ترتدي قناع الجمود سائلة: – انت بتكلميني انا يا بهجة؟ خرجت لها بهجة من مدخل المنزل تضرب كفا على ظهر الاخر مرددة: – امال بكلم خيالي؟! انا شايفاكي بعيني دلوقتي وانت خارجة من باب البيت. انتفضت دورية تاخذها العزة بالاثم متهكمة بفجر: – وايه اللي هيخليني ادخل بيتكم يا عنيا، بدور على الكنز ولا اسرق الفلوس المتكومة يا حسرة؟ ما تصحي لكلامك يا بهجة وبلاش هلفطة خايبة منك. صاحت بها مرددة؛ – هلفطة خايبة فين؟ انا بقولك شايفاكي بعيوني الجوز وانت خارجة من بيتنا، اما بقى عن السبب، فدا اللي انا عايزة اعرفه منك، ايه اللي يخليكي تدخلي بيت في غياب اهله؟ صوتها العالي جعل شقيقها يخرج من غرفته ليقف بجوارها بتساؤله، وفي الأسفل ايضا دفع سامية الى الصعود لمساندة والدتها التي كانت ترتجف من الزعر عكس ما تدعيه من قوة: – في ايه يا ست بهجة؟ مالك يا ختي صوتك عالي ليه؟ – نقطتينا انت بسكاتك. صرخت بها بهجة في وجه هذه الماكرة، والتي جاء تدخلها بنفعه لوالدتها التي استقوت بها: – تعالي يا بنتي شوفي بعينك واشهدي على امك اللي نازلة من شقة ابنها في امان الله، تقوم تخرج لها دي من غير سلام ولا كلام، وقال ايه، انا دخلت عندهم، يكش يكون عندكم الابعدية وانا مش دريانة! دعمتها ابنتها في السخرية، تتخصر امام ابنة عمها: – عندك حق ياما والله، قال ندخل بيتهم قال، دا انتو بتكملوا عشاكم نوم . – انتى مش محترمة وقليلة الادب. خرجت من ايهاب يسبق شقيقته، وقد استفزه قلة حياءها والسخرية من وضعهم المادي، لتصيح متمتمة بالسباب، وكأنها تنوي الهجوم عليه، فتتمسك بها والدتها من التقدم: – بقى انا قليلة ادب، وديني لكون موصلة الموضوع لاخواتي خليهم يربوك يا عيان يا ساقط في هدومك. رد بقرف وشقيقته هو الاخر تمنعه من التقدم نحوها: – كان عرفوا ربوكي انتي الاول، بدل ما هما سايبينك على حل شعرك. – هما مين اللي سابينها على حل شعرها، ما تنقي كلامك يا إيهاب. جاءت هذه المرة من شقيقها الاكبر والذي وصل على صوت الشجار الذي تجمع له العديد من البشر يتابعون ما يحدث. لتلتقط سامية فرصتها تخاطبه بمسكنة: – تعالى يا اخويا الحقنا، بنت عمك بتتبلى على امي انها دخلت بيتهم، واخوها بيقل ادبه عليا انا، ويقول اني مش متربية، انااا بنت عمه بيقول كدة اهيء اهيء. تذرف الدموع الكاذبة ووالدتها تجاريها ايضا في رسم الدور، لتتجه ابصاره هو نحو بهجة التي علمت انه لا نفع من الجدال مع هاتين العقربتين، ولن تأخذ من المواصلة معهم سوى المزيد من الفضائح. ليأتي صوته هو ملطفًا، بنظرات هائمة تبغضها: – اكيد هما ما يقصدوش واللي حصل سوء تفاهم مش اكتر، ولا ايه رأيك يا بهجة؟ انا بقول نقعد مع بعض ونشوف المشكلة فين. شهقت درية وابنتها لهذا الرد الخانع وقبل ان يأتي توبيخها، صدر الرد من بهجة التي صرخت بقهر ونفاذ صبر: – مش عايزة حاجة من خلقتكم، لا عايزة اعرف المشكلة ولا حتى اصلها، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل . صارت تردد بها وهي تسحب شقيقها لتدخله معها ، ثم تصفق الباب بوجههم، لتدلف مع شقيقها الذي صار يردد بتساؤلات عدة تعجز عن الرد عليها، ماذا ستخبره؟ وقد تجمعت الخيوط برأسها، من بداية حديث عائشة حينما اخبرتها بترجيح دخول هذه المرأة الى المنزل وهي كذبتها، ثم هذا الماء المسحور الذي وجدته رئيستها صباح على باب المنزل، وعلمت منها انها المقصودة، ثم دخولها الاَن الى غرفتها ف ميعاد عملها بالمصنع . لتذهب الى غرفتها، تضرب بذراعيها على الفراش بانهيار ، هذا اكبر من طاقتها، وقد نفذت طاقتها، الا يكفي ما يثقل ظهرها من هموم قادرة على كسرها لتأتي هذه المرأة بأفعال السحر والشعوذة والله الاعلم بغرضها . ظلت تفرغ قهرها بالبكاء حتى استفاقت تتذكر حديثها في الصباح معه، وما قد تسبب به من الم داخلي لها زاد من اوجاعها، ولكنها ابدا لن تستمر على هذا الحال، ابدا، اعتدلت بجذعها تجفف دمعاتها بعنف باطراف اصابعها، لتلتقط الهاتف، وتطلب رقمه، جاءها الرد سريعًا بنبرته الهادئة الباردة: – الوو يا بهجة، انا معاكي. استجمعت شجاعتها ليأتي ردها على الفور: – انا موافقة. – نعم؟ تمتم بها بعدم تصديق ليأتي التأكيد منها: -،بقولك اني موافقة على عرضك، بس عندي شروط. صمت قليلًا ليصلها صوته بعد ذلك: – وانا موافق على كل شروطك يا بهجة. جاء قولها بحدة: – مش لما تسمعها الاول بعد كدة تقرر؟ رواية حان الوصال الحلقة الخامسة عشر قطر الحياة يسير رغم انفنا، لا يتوقف لمرض، ولا يحزن لوفاة، ونحن العالقين بداخله، ماضين في طريقنا معه، رغم كل ما نواجهه من ويلات، يدفعنا الامل في الوصول بالمثابرة والتحمل . حتى تجبرنا الظروف على أشياء كنا نستنكرها قبل ذلك، بل ونمقت من يفعلها ، فتدور الدائرة ونجد أنفسنا بين شقي رُحى، إما التنازل والتكيف مع الواقع، وإما ان نصارع طواحين الهواء؛ في حرب بذل الجهد بلا نتيجة تذكر، او ربما هزيمة تصيبنا بالدهس تحت عجلاته. ترى هل سيأتي ذلك اليوم ويتوقف بنا في محطة السعادة، ام هي النتيجة الحتمية والمتوقعة، ولا ينتظرنا سوى المحطة الوحيدة التي نعلمها جميعا، علّ بها نجد الراحة الأبدية من كل شيء. بنت_الجنوب بداخل احد المطاعم الفاخرة. وقد اتى بها بعد اتصالها مباشرةً به، لتجلس امامه الاَن مقابلة له، على طاولة جمعتهما وحدهما في ركن مميز ومنزوي عن البشر، حتى تأخذ حريتها وتتحدث دون خجل: – ها يا بهجة، تحبي اطلبك ايه؟ بادرها بالحديث، ينتشلها من شرود اكتنفها، وكأنها سبحت بعالم اخر، بتأملها لتلك التفاصيل الصغيرة، والمعبرة عن شيء مضاد تماما عن مغزى الجلسة، الاضاءة الخفيفة وهذه الشموع التي تزين وسط الطاولة، والموسيقى الهادئة، وكأنه يسخر منها بهذه الأجواء الرومانسية. ابتسامة جانبية لاحت على زاوية فمها، لتلتف اليه قائلة: – شكرا يا باشا، انا مش عايزة اي حاجة، خلينا ندخل في الموضوع اللي جينا عشانه. اومأ ملوحًا بيده امامها كي تتريث قليلًا، لينظر للنادل الواقف بالقرب منهما، يخبره بإسم اجنبي للمشروب الذي يريده له ولها. لتزفر هي متغاضية عن الاعتراض، وانتظرت حتى انتهى، ليعطيها اهتمامه بالكامل قائلا بابتسامة هادئة اثارت استفزازها من الداخل: – انا طلبت لنا احنا الاتنين نفس المشروب، لأني متأكد انه هيعجبك، وان كان ع الكلام، احنا لسة في بداية القعدة. سحب شهيقًا طويلاً قبل ان يزفره، في فعل فضح توتره، رغم اتزانه المبالغ فيه، ليستطرد: – يلا يا ستي اتفضلي قولي شروطك. تطلعت اليه ببعض الجمود وكأن العدوى اصابتها، لتجيبه بثبات: – أولًا عشان نبقى واضحين من اولها، الجواز حتى لو في السر مش هيتم غير على ايد مأذون. تحمحم يحك جانب فكه الشمال في لفتة اظهرت إعتراضًا هم بالتعبير به، ولكنها سبقته قاطعة، ناجزة، تجاهد غضبها من الداخل: – لا حضرتك دا مش محتاج تفكير، لأن انا مبعترفش بأي حاجة تانية غيره، لا ورقة عادية ولا حتى مسجلة في الشهر العقاري، حتى لو كانت مباحة، في شرعي انا اسمها زنا وانا عمري ما كنت خاطية. قالتها بانفعال جعلته يبرر بأسف: – محدش قال الكلام دا يا بهجة، انا دارس برا وبشوف الحاجات عادية جدا، يعني بس….. هم ان يتابع لإقناعها ولكن امام حدتها اضطر للإذعان يوميء على مضض: – اللي تحبيه يا بهجة، كدة خلصنا من الاول، اللي بعده بقى. لانت ملامحها بعض الشيء لعدم تشدده في هذه النقطة وموافقته السريعة، لكن سرعان ما عاد جمودها في التفوه بالاخر: – ياريت المدة متزيدش عن شهر ولا شهرين، عشان منعطلش بعضنا كتير، وكل واحد يمارس حياته في….. – استني هنا وقفي. قاطعها سائلًا بضيق لا يخلو من ريبة: – هو ايه اللي شهر ولا شهرين، هو احنا رايحين رحلة؟ – امال يعني هنتجوز جواز طبيعي؟ تمتمت بها، تجفله بصراحتها، لتواصل بإفحامه: – حضرتك من الاول حددت انها رغبة وقولتها في وشي بدون تزويق، واظن يعني الرغبة دي مهما كانت قوتها مبتزيدش عن كدة، يبقى لزومو ايه العطلة ع الفاضي؟ عض على نواجزه، يكتنفه غيظ شديد، لا تعجبه هذه الصراحة الفجة منها، لماذا لا تسهل عليها وعليه الامر؟ ضاقت عينيه بزفرة قانطة ينهي هذا البند: – اللي بعده يا بهجة خلينا نخلص. دارت مقلتيها بتفكير سريع تجيبه: – اللي بعده يعتبر مش شرط، اصل مدام بانتهاء العقد هينتهي شغلي في المصنع…. قاطعها سائلًا بإجفال: – شغل ايه اللي هينتهي؟ وتسيبي الشغل ليه اصلا؟ ردت ببساطة : – عشان مهينفعش اكمل في مكان انت موجود فيه. تبًا، لما يشعر بالقسوة خلف كلماتها، ولما هذا الضيق المفاجيء الذي يجثم على انفاسه لمجرد الفكرة، ليكن الصمت هو رده فتابعت هي: – ومدام كدة كدة هكمل الشهر او الشهرين دول في الشغل يبقى ارجع لقسمي القديم مع زملائي اللي قضيت معاهم احلى سنين…. – لأ. خرجت منه سريعًا برفض تام، وقد لاح على الفور وجه هذا الفتى الذي يعمل معها وينتظر موافقتها على الزواج، والذي قد يحدث فور انفصالها عنه، بعدما تتيسر حالتها المادية، اللعنه. تلك الافكار طرأت سريعًا بعقله لتعبث به، فيشدد هو بتعصب تام: – رجوعك لقسم التفصيل تاني، انسيه خالص يا بهجة، عندي اقبل بكل شروطك إلا دي، اقلبي يلا ع اللي بعده خلينا نخلص. زفرت بحنق يسري بداخلها من هذا المتسلط، يريد فرض امره حتى في شيء صغير كهذا . – هتفضلي ساكتة كتير؟ ولا اعتبر كدة انتهينا؟ – لا طبعا مانتهيناش. صدرت منها في رد له، بعدما اجبرها لذلك، لتبتلع ريقها ، مردفة شرطها الاخير بحرج: – انت قولت هتأمن مستقبلي انا واخواتي بمبلغ….. – دي مسأله مفروغ منها يا بهجة، المبلغ هيتحط في حسابك مجرد ما توافقي ونحدد الميعاد. – طبعا ما بيعة وشروة وانت تاجر شاطر ومحدش يغلبك . غمغمت بها وكأنها تحدث نفسها ، لتثير بداخله الفضول بسؤالها: – بتبرطمي بتقولي ايه يا بهجة؟ سمعيني . – مش ببرطم ولا ازفت. رددت بها نافية بخشونة، ليعتلي التوتر ملامحها بعدها، وتردف بأمنيتها الاخيرة: – بس انا كنت عايزة حاجة تاني غير الفلوس……. يعني لو…… – لو ايه يا بهجة؟ قولي. تشجعت تجيبه: – لو تقدر تشوف لنا بيت لينا انا واخواتي، يكون فيه جنينة، مش عايزاه كبير، كفاية يكون محندق علينا، وبعيد عن اي جيران تأذينا، حتى بعدها، مش عايزة فلوس في البنك ولا اي حاجة تاني، المهم يبقى أمان، بس كدة. نبرتها الضعيفة اثارت التكهنات بداخله ليسألها بتوجس وغضب لا يعرف سببه: – ليه يا بهجة؟ انتي حد بيضايقك في المنطقة اللي ساكنة فيها؟ – مش لازم حد يضايقني، انا عايزة امشي وخلاص رددت بها بنفي قاطع اصابه بالإحباط، والغيظ ايضا لتكتمها الشديد في أمر كهذا يعتبره يخصه، ليعض على باطن خده من الداخل يردف: – عايزة حاجة تانية غير البيت؟ لو هنشيل فرض الفلوس من اساسه. اومأت برأسها بملامح تبدلت تمامًا ، بلمحة من اشراق اعتلت تعابيرها: – نفسي في وكالة بدل اللي ضاعت من ابويا . ❈-❈-❈ والى سمير الذي مازال يتابع بأسئلته ، ينتابه الشك في حديث والدته وشقيقته واللتان لم يكفا عن القاء اللوم نحوه. – ايوة برضو مش قادر اعقلها، ايه اللي يخلي بهجة توقف امي وتتبلى عليها؟ دي اكتر من سلام ربنا ما بتزودش غير لما احنا نلح عليها. – يعني قصدك ان انا اللي بتبلى عليها؟ طبعا وانا هستنى ايه منك يا خلفة الندامة، دا انت وقفت قدامها وريلت زي الدهول في عز ما الخناقة قايمة، بدل ما تدافع عني وتيجبلي حقي. دعمتها ابنتها تتهكم بسخرية: – لا ياما ايه الكلام اللي انتي بتقوليه ده؟ هو يجيب حق السنيورة اولى، اصلها مظلومة يا عيني، واحنا الناس المفترية. كز على اسنانه ينهرها بغضب: – اتلمي يا سامية بدل ما اديكي كفين يعدلوكي، انا على اخري منك يا بت. شهقت فاغرة فاهها بمبالغة تقارعه بما يشبه الردح الشعبي: – تضربني دا ايه يا عنيا؟ كنت ابويا انت ولا كنت ابويا ، ولا هو مقدرتش ع الحمار جاي تتشطر ع البردعة . – مين الحمار يا حمارة؟ صاح بها مندهشًا لوقاحتها، فتدخلت والدته توقفه عن الفتك بها: – خلاص يا بت اهمدي بقى، وانت يا خويا روح لها وقويها على امك، يمكن تحن عليك وترضى، مش خدت غرضها وخربت بيتك انت عشانها . – بيت مين اللي خربته عشانها؟ غمغم بها بعدم استيعاب، ليضرب كفا بالاخر يردف بالحوقلة: – لا حول ولا قوة الا بالله يارب، دا انتو هتخرجوني من هدومي. – هما مين دول يا واد اللي هيخرجوك من هدومك؟ جاء الصوت الاجش من مدخل المنزل، وقد تسائل به والده، والذي دلف بصحبة ابنه الاصغر سامر، تتنابه الريبة هو الاخر: – هو انتو متخانقين ولا ايه؟ امتنع سمير عن الرد ينفض سترته بغضب ، فلا ينقصه تدخل شقيقه اللزج، والذي قد يستغل الفرصة لصالحه، اما سامية ووالدتها فقد تشتت تركيزهم، مع عدد الاكياس التي دلف به خميس ، يرتدي ملابس جديدة بهيئة متأنقة وكأنه اتى حالا من صالون الحلاقة للرجال . . انتفضت سامية سريعًا تتناول الاكياس، لتفتش عن محتوياتها بفضول: – ايه الاكياس دي كلها؟ هو انت جبت حاجات جديدة يابا؟ تبسم يتفاخر ، رافعًا بنطاله الذي يسقط دائما منه للأعلى، لتمصمص بشفتيها زوجته، معقبة بسخرية: – ايوة ياختي ما يشتريش ليه؟ هو صغير؟ دا كمان وشه منور ومحلو ، ايه يا خميس؟ يكونش يا خويا بتعمل ماسكات عند الحلاق وتخفف حواجبك زي العيال اللي طالعة؟ عبست ملامحه بتعالي عن سخريتها يقول: – وماله لما اهتم ببشرتي يا جاهلة؟ دي حاجة تفيدني مش تعيبني، قال زي العيال اللي طالعة قال…. على اساس اني عجزت اصلا!…… جاهلة . بصق كلماته وتحرك نحو غرفته ذاهبًا، حتى اذا دلف اليها اتجه الى المراَة يتأمل هيئته الجديدة بزهو : – يا سلام عليك يا واد يا خميس، رجعت عشرين سنة لورا، قال والبومة بتتريق عشان منور عنها ، ااااه، ياما نفسي القمر يرجع من تاني للحارة ، هي بطلت ما تيجي ليه بس ؟! ❈-❈-❈ نهض عن مائدة الطعام، يرفع كفيه بامتلاء مرددًا: – ياااه دا انا كنت محتاج الاكل الدسم ده اوي ، تسلم ايدك يا حماتي. ردت شربات بانتشاء وقد أسعدها اطراؤه: – يسلم عمرك يا قلب حماتك، بس انت اكلتك ضعيفة، دا برضو كلام؟ كمل اكلك كويس يا حضرة الظابط. جلجلت ضحكته الصاخبة مرددًا لها: – كل ده وصغيرة، ولا انا بطني اساسا بقى فيها مكان للميا حتى، قوليلي الحق ادور على حاجة للهضم. جاء الرد هذه المرة من رؤى: – لا يا حضرة الظابط معلش بقى استني شوية على دوا الهضم على ما تاكل الحلو عشان يبقى بالمرة . – كمان في حلو؟ يبقى استني، الحمام فين بقى عشان اغسل ايدي؟ – كدة شمالك على طول يا عصام، ولا استنى اروح معاك احسن. قالتها امنية، لتلحق به وتحضر له المنشفة، حتى اذا انتهى طلب منها الانتظار بداخل غرفتها، وهي كالعادة اطاعته. لتلج به داخلها، ترحب به: – اهي يا سيدي اوضتي، اللي قضيت فيها طفولتي وشبابي . خطا داخلها يتأمل كل ركن بها بأعين متفحصة، يعلق بمرح على بعض الاشياء الانثوية بها، ويسخر من بعضها كي يثير غيظها حتى جلس على تختها مرددًا بخبث: – حلو السرير ده، خشبه متين ويتحمل . – يتحمل ايه؟ سألته ببرائة ، لتجد الرد منه بغمزة وقحة صائحة به: – انت بقيت قليل الأدب اوي يا عصام. عض على شفتيه، يشير بسبابته على فمه متمتمًا بهمس: – عيب يا بنت، صوتك يطلع برا ونتفضح، وتعالي يلا من سكات . قال الاخيرة مشيرا لها بيده، لتعترض هي ضاحكة: – لا وحياتك ما يحصل، بعد ما عرفت نيتك اجي برضو؟ دا انا ابقى عبيطة. لتتحرك نحو الشرفة، تفتح شراعيها متابعة: – وادي كمان البلكونة فتحتهالك، عشان تلم نفسك بالمرة. عض على شفته السفلى بغيظ في رد لها: – ماشي يا امنية، لينا بيت يلمنا. ضحكت متكتفة الذراعين شامتة به، لينهض مكررا لها بالوعيد، واقدامه تتقدم نحوها ، حتى دلف داخل الشرفة يسبقها في النظر للخارج، عيناه تدور في كل زاوية بالحارة وكأنه يقيمها، حتى وقعت ابصاره على المقصود ، وقد كان جالسًا يدخن الشيشة على احد مقاعد القهوة المقابلة لهم، ف انتبه له الاخر، ليغمغم بحنق، من بين دخانه الكثيف الذي يخرجه بفمه: – وبعدين بقى في رزالة امك دي ع المسا، غاوي تجر شكلي ولا ايه؟ دا انا على اخري. أما امنية والتي انتبهت هي الأخرى للحرب الباردة بين الطرفين، درءًا للمشاكل سحبت زوجها من ذراعه تعود به للداخل قائلة: – عصام يا حبيبي، بلاش تخليني اصدق ظني في انك قاصد تجر شكله. رد بتعالي يليق به: – وهو مين دا كمان عشان احطه في مخي؟ فسحي يا امنية خليني ادوق الحلو، حكم نفسي انفتحت اوي عشان احلي. تابعت ذهابه امامها تتنهد بيأس ، تتضرع الى الله كي يمر الامر على خير. ❈-❈-❈ بداخل السيارة التي كانت تقلها في طريقها للعودة الى منزلها، وقد كانت صامتة معظم الوقت، على عكسه هو الذي لم يمنعه صمتها في الحديث وسؤالها حتى على اشياء تافهه، فتجيبه باقتضاب، وكلمات محددة، ليس لديها طاقة لأي شيء. عيناها لخارج النافذة، شاردة فيما يحدث وما آل اليه حالها كي توافق على شيء كهذا، مع رجل أملت فيه خيرا ان يعيد ثقتها في جنس الرجال اجمعهم، ليعيدها بموقفه الى نفس النقطة بل اكثر، وان كانت وافقت على بيع نفسها له، من اجل الامان لها ولأخوتها، فهي تبصم بالعشرة انها لن تكرر هذا الأمر بالزواج من غيره. – أكمل بيكي لحد فين بالظبط يا بهجة؟ انتبهت لقوله، لتستدرك قرب مرور السيارة من منطقتها، فهتفت به بجزع: – لا وقف هنا طبعا، وقف حالا يلا . امتثل لرغبتها وتوقف حيث اشارت، ليلتف اليها بابتسامة مطمئنًا: – خلاص يا ستي وقفنا متقلقيش. اومأت تهم بالترجل، ولكنه منعها ممسكًا مرفقها: – استني يا بهجة، على طول كدة ماشية! نزعت يدها ناظرة له باستفهام: – وهستنى ليه؟ – تستني يا ستي عشان تسمعيها مني، وتعرفي اني مبسوط اوي بموافقتك، مبسوط لدرجة اني مش عارف اعبر بالكلام. قالها بصوت غريب عن بروده المعتاد، نبرة تتخللها الحرارة، حرارة الاحساس ، ياللعجب. هذا ما تهكمت به داخلها، فكان ردها إيماءة على مضض، قابلها بابتسامة عابثة وكأنه قرأ أفكارها: – انا عارف ان انتي لسة مشتتة، وعقلك بيروح في مية حتة، بس احب اكدلك، ان عمرك ما هتندمي على قرارك، خليكي واثقة في كدة. هذه المرة قابلت قوله، بابتسامة صفراء مرددة له: – ماشي يا باشا، عن اذنك بقى؟ مش عايزة اتأخر على اخواتي. ❈-❈-❈ دلف الى المنزل ليفاجأ بأصوات التذمر من والدته، وتحايل الدادة نبوية لها، هي وشقيقتها؛ – حبيبتي طب كُلي الاول وبعد كدة اعملي اللي انتي عايزاه. – يا مدام نجوان حرام عليكي نفسك بقى؟ – ايه في ايه؟ هي مالها؟ تمتم بالأسئلة فور اقترابه منهم، ليصعق بهيئتها المزرية، وهي منكمشة على نفسها، بحزن تجمدت به قسماتها، وقبل ان يعاود استفساره، جاءه الرد من نبوية : – تعالى يا رياض يا بني وشوفها بنفسك، من امبارح قالبة الدنيا على بهجة اللي غايبة عنها بقالها يومين، حتى وصيفة اللي كانت بتحبها زمان، رافضة اي تعاون منها، كل اللي على لسانها بهجة او عائشة ، انا بصراحة احترت معاها. تدخلت وصيفة بحزن هي الأخرى: – شكلها مش متقبلاني بدل اللي اسمها بهجة دي، ياريتني ما سيبت مكاني ولا جيت من اساسه، وانتو برضو استعجلتوا على طرد البنت. انتبهت نجوان على العبارة الاخيرة، لتلتف نحو ابنها بنظرة متسائلة بغضب، قابلها هو نافيًا: -اهدي يا ماما ، انا مطردتهاش، بهجة متطردتش يا جماعة، هي بس كان عندها ظروف منعتها تيجي النهارده. عادت لتلتف اليه فتطوعت نبوية باقتراحها: – طيب ممكن تتصل بيها تيجي دلوقتي؟ وقبل ان يرد زامت والدته بتذمر تضرب الارض بقدمها: – عائشة، عائشة. – اه دي عايزة العيلة كلها بقى. عقبت بها وصيفة ساخرة ليأخذ هو القرار على الفور، ليهاتفها، فجاءه الرد بعد مدة من الوقت، بنبرة متسائلة لا تخلو من ضيق: – الووو….. ايه في ايه تاني؟ لملم بصعوبة ابتسامة لاحت على جانب فمه، ليستجدي الجدية في الرد عليها : – معلش يا ست بهجة هنتعبك معانا، بس احنا عايزينك في طلب ضروري. زاد التوجس داخلها، لتردد متسائلة: – طلب ايه؟ ❈-❈-❈ في غرفتها السابحة في الظلام منذ ساعات لا تذكر عددها، كانت منزوية بها، تعيش كاَبتها بعد الذي حدث منه، على امل اتصال منه، او ترضيتها عن قسوته في توبيخه لها، ولكن طال الانتظار دون جدوى، لتهبط عزيمتها ولا تجد سبيلا امامها الا بالنوم كحل جيد للهرب؛ لتأتي الاَن والدتها محملة بطاقة من الغضب، تزيح الستائر بقوة ، حتى تدخل ضوء النهار الى القلب المظلم ، قلب ابنتها؛ – اصحييييي، اصحي بقى، ايه؟ دا كله ولسة مشبعتيش، نوم؟ هتفضلي فيها لحد ما تموتي وتعفني مكانك؟ تذمرت ترفع رأسها عن الوسادة، تغطي بكفها على عيناها: – طب خففي الضي دا شوية الاول، عيني مش عارفة افتحها. رفضت المرأة بتصميم تام تجلس على جانب فراشها: – لا يا حبيبتي مش هخفف، انا عايزاها كدة قوية، تدخل عينك تشيل الغشاوة اللي عليها، او تنزل لجوا قلب وتنضفه من كل الرواسب المعلقة فيه. تمتمت لورا بإحباط، لتعود للنوم ضاربه بقبضتها على الوسادة: – رواسب ايه بس يا ماما؟ انا الغلطانة اللي حكيتلك. قالتها بإشارة عن موقفها مع رئيسها في العمل رياض الحكيم، لتنتفض المرأة بضيق متعاظم: – بقى هو دا اللي وصله تفكيرك المحدود؟ دا بدل ما تلومي نفسك، اللي وصلتك لحالتك دى مع راجل زي ده، بارد المشاعر ومعندوش احساس، ما تخلي عندك كرامة وتسبيه يحتاس مع نفسه، يمكن ساعتها يعرف قيمتك. – اسيبه وابعد عنه؟ تمتمت بها، لترتمي على الفراش مرة اخرى تغمغم باسف: – ياريت كنت اقدر كنت عملتها ومستنتش، بس اعمل ايه بقى؟ وانا عارفة ومتأكدة انه حتى لو ملقاش غيري يسد مكاني، برضو مش هيغلب ومش بعيد كمان يقوم هو بنفسه بكل حاجة، دا زي القطر ما بيوقفش غير في محطته ويدوس في طريقه على غيره بكل سهولة، والغلط ع اللي يوقف في وشه. زفرت المرأة تردد خلفها كازة على اسنانها: – يعني عارفة كل العيوب دي فيه، وبرضوا باقية عليه ومتمسكة؟ لا دا انتي مريضة بقى وربنا يشفي عنك. نهضت عن التخت مغمغمة بيأس منها: – انا قايمة قبل ما اتشل منك ولا اتجلط ، صبرني يارب. قابلت عاصفة والدتها بهدوء تام تردد بهذيان: – انا فعلا مريضة بيه، وبرضوا دوايا هو. ❈-❈-❈ ترجلت من السيارة بفرحة، تندفع نحو البناية السكنية بلهفة، لدرجة جعلتها تترك يد نبوية التي صارت تلحق بها بقلق، امام ابتسامات العم علي سائق السيارة ، والذي اعتاد على اهل المنطقة من تعدد ارتيادها: – استني يا هانم، لا تدخلي في حد بلهوجتك دي….. يا نجوان هانم استني . حمدت الله حينما وجدتها تدلف داخل البناية بسلام وما همت بدخولها هي الأخرى، حتى تفاجأت بالرجل المتصابي الذي تعرض لهم من قبل يشهق بفرحة امامها فيسد عنها الصعود الى الدرج . – يا نهار ابيض يا ولاد، يدوب افتكرك من دقايق، قوم اتفاجأ دلوقتي والاقيكي في وشي ولوحدك كمان من غير عزول، دا يوم الحظ بالنسبالي ولا ايه؟ يا ريتني افتكرت جوازة بالمرة . لحقت نبوية لتفعل بجسدها حاجز بينها وبينه، منتبهة للزعر الذي اصاب سيدتها، حتى خشت من رد فعل غير محسوب منها. – في ايه يا استاذ انت؟ مش ملاحظ المدام مخضوضة منك؟ ابعد بقى عن وشها الله يرضى عنك. تشدق خميس وكأنها اخطأت في شخصه الكريم: – مخضوضة مني انا؟ ليه يا ختي شايفاني عفريت ولا شايفاني عفريت، دا انا راجل ملو هدومي، الارض بتتهز تحت رجليا مع كل خطوة بخطيها. اصاب نبوية الذهول وهي تتطلع اليه، بفم منفرج، لا تصدق هذه الثقة التي يتحدث بها: – يا استاذ محدش غلط فيك ، انا بس بقولك خليها تعدي، الست هانم خايفة منك بجد والله، مش شايف حالتها؟ – مالها حالتها؟ ما هي زي القمر اهي، شعر اصفر ولا الخواجات، وبشرة بيضة ولا بت اربعتاشر….. باشر يوجه باقي الكلمات نحو نجوان التي وجدت ملاذها بالتمسك بنبوية والاحتماء بها: – تصدقي بالله يا هانم، انتي احلى من البت سامية بنتي واللي يشوفك يديكي اصغر منها، رغم انها حلوة، ومش زي البومة امها لكن برضو فرق السما والارض ما بينكم . – هي مين دي اللي بومة يا خميس؟ هاا؟ صدر الصوت الجهوري من الأعلى، ليشهق هو بفزع، جعله يرتد بظهره خطوات، حتى كاد ان يسقط على المسكينة نبوية لترتد بخطواتها مرددة: – يا نهار اسود، ما تخلي بالك يا راجل انت. تمتم خلفها يحدث نفسه وعيناه منصبة على تلك التي تهبط نحوه بهيئة لا تبشر بالخير: – استني انتي كمان، ولا خديلك ساتر، روحت في شربة مية يا خميس. وصلت درية بشرارها ونارها، تلقي بحريق نظراتها نحو زوجها وتلك المرأة الجميلة والتي كان يتغزل بها زوجها، لتردف بغضب: – والله عال يا سي خميس، بقى بتغلط فيا انا وتقول عليا بومة عشان دي؟ دا انا هخلص عليكم انتو الاتنين . جاء رد زوجها والذي كان ملتصقًا بالحائط: – يا روح قلبي انتي اكيد فهمتي غلط، انا عمري ما اغلط فيكي، ما تقوليلها انا كنت بقولك ايه؟ ردت نبوية والهاتف بيدها تحاول مهاتفة شخص ما: – اقول ايه ولا اعيد ايه انت كمان؟ انا غلطتي اني ما اتصلتش بالست بهجة اول ما وصلت. – الوو يا بهجة، انزلي الحقينا الله يرضى عنك ، احنا في مدخل البيت. هتفت بكلماتها الاخيرة حينما جاءها الرد من الجهة الاخرى، لتترك الباقي لها. وتعطي انتباهها لتلك المرأة التي صارت تهلل بعدم اكتراث: – نعم يا حبيبتي، خليها تنزل لنا الامورة وتورينا هتعمل ايه؟ يعني مش كفاية موقفة حال ولادي الرجالة، عشان تجيب اللي يشغل ابوهم كمان ، لا ده انا اطين الدنيا على راسكم كلكم. هبطت على اثر كلماتها بهجة لتتولى زمام الامور في رد مفحم لها: – يعني هي حصلت كمان تتعرضو لضيوفي وللهانم اللي بشتغل عندها……..، لا بقى يا مرات عمي، انتي تروحي تشوفي مشكلتك عند واحد شيخ، يحل عقد الولاد، ومشكلة ابوهم اللي بيدور على شبابه اللي راح منه مع واحدة زيك . بتلميحها المبطن استطاعت بالفعل الجامها، لينعقد لسانها بإجفال جفف الدماء بعروقها، وكأنها تهدد بفضحها امام زوجها الابله، والذي وقف يراقب ابنة اخيه تسحب نجوان وتصعد بها هي ومساعدتها نبوية، امام زوجته التي اصابها خرس غريب، يثير التعجب بحق ، ولكنه كان فرصة ليهرب هو الاخر من امامها ، خارجا من البناية. ❈-❈-❈ في الأعلى وبعد ان صعدت معها، اكتفت نجوان بالجلوس مع عائشة وتجاهل شقيقتها الكبرى رغم محاولاتها الدائمة في الحديث معها: – يا نوجة يا قمر، معقول تكوني شايلة مني للدرجادي؟ تبسمت نبوية شارحة لها، ما انا قولتلك من الاول، هي زعلانة عشان غايبة عنها بقالك يومين، وشبطتها النهاردة في عائشة . سمعت منها بهجة لتشاكس الاخرى بمزاح: – يعني انا الحق عليا اني نزلت اجيبك بنفسي؟ طب ما كنت بعت عائشة بقى عشان تشبط في درية بالمرة، مدام كدة كدة هتفضليها عني. عقبت الاخيرة بانفعال ليس غريب عنها: – انتي بتقولي فيها يا بيبو، وربنا لولا بس البت جنات حاشتني ما انزل ما كنت سكت، لساني بياكلني اقسم بالله، نفسي افش غليلي فيها الست دي، ولا عمك سبع الرجال اللي فاكر نفسه رجع عيل صغير. تنهدت بهجة قائلة: – معلش يا عائشة، ربنا يفرجها علينا ونسبيهالهم خالص، يمكن حالهم يتصلح لما نمشي، مدام احنا السبب في كل المصايب اللي بتحصل لهم. وصل نبوية غصة المر في نبرتها، لتربت بكفها عليها بحنو مهونة: – معلش يا بنتي ربنا كريم، قادر ربنا يزيح عنكم، صعبة اوي الاذية لما تيجي من القريب . – اوي يا دادة نبوية اوي . تمتمت بها بهجة، تسبقها دمعة خائنة، لم تقوى على كبتها، فحاولت ازاحتها بسبابتها، لتتظاهر بالقوة كعادتها، لتفاجأ بنجوان التي تركت شقيقتها ، لتجلس بجوارها بصمت، فتجذبها اليها، وتضمها الى صدرها بغمرة اطاحت بالبقية الباقية من ثباتها، لتفرغ في حضنها دموع القهر ، وتبكي بحرقة طفل صغير ، وجد في صدر والدته المأوى، كيف يحدث هذا ؟ ومع هذه المرأة! لا تعلم ❈-❈-❈ في المدينة الساحلية، وداخل جناحه بالفندق الذي استقر به منذ مساء الأمس ضمن سلسلة الفنادق التي يعمل بها، يقضي الاَن أجازة شهر العسل مع عروسه، يخطفا اوقاتًا جميلة بعد عذاب الانتظار وشقاء السعي الدائم . استغل الاَن اختفائها عنه في المرحاض ليهاتف شقيقته ويطمئن عليها هي ووالدته: – ايوة يا رحمة عاملة ايه انتي والولاد……….. يا بت اهمدي وبطلي قلة حيا….. قهقه لجرأتها في الحديث معه ، ليواصل حديثه: – يا بت كويسين وعال العال والحمد لله، كفاية عليكي كدة……… ايوة اضحكي يا اختي، انا هحاسبها ع الصور اللي نزلتها، عشان جابت لنا الكلام من امثالك……… حبيبتي ربنا يخليكي ليا، عارفك والله فرحانة طبعا، المهم بقى طمنيني عليها…….. يا نهار ابيض ، هي كمان شافت الصور، يادي الفضايح…….. يا بت بطلي ضحك لاخنقك…… خلااااص يا بت اقفلي خليني افضى للي ورايا. قال الاخيرة، لينهي المكالمة بالفعل ، بعدما انتبه لخروج جنيته من المرحاض، بمنامة جسمت الجسد المتناسق، تجفف بالمنشفة الشعر المبلل، ونضارة الوجه الندي تأسر النظر نحوها، وتضعف العزيمة عن حسابها وتوعده لها. – جفلت ليه مع رحمة، كنت خليني اكلمها. سألته ببراءة، وقد تناست ما ارتكبته يداها، لتستدرك لنظراته المتوعدة نحوها، وعينيه التي ازدادت ضيقًا، بصورة جعلتها تتذكر، لتتسائل بشقاوة: – ايه مالك يا شادي؟ بتبصلي كدة كأنك متحلفلي؟ لتكون البت رحمة فتنت ما بينا، هنبتدي بجى شغل الحريم والكلام الفاضي… قالتها بدراما مصطنعة، ليردد من خلفها وهو ينهض عن مقعده، يقترب منها بخطوات رتيبة متمهلة، – شغل الحريم والكلام الفاضي اااه……. امال شغل العفاريت يبقى ايه ها؟ صدرت الاخيرة وهو ينقض عليها، يحملها بذراع واحد يسقطها على التخت، ليردف بتوعده وسط ضحكاتها التي صارت تدوي في قلب الجناح: – بتنزلي صورتي بلبس البحر يا صبا وتشيريها في جروب العيلة، شادي الراجل العاقل الراسي، جايباه بيلعب في الرملة مع العيال الصغيرين وبيبلبط في المية بنصه العريان. بصعوبة صارت توقف ضحكاتها وتجيبه بمهادنة، بعدما كتف ذراعيها، مانعًا اي حركة منها بجسده: – طب وفيها ايه بس يا حبيبي؟ هو انا صورتك في الحمام…… دا احنا كنا ع البحر، وانت باين بعضلاتك، يعني مش اي كلام . – مش أى كلام ايه يا مجنونة؟ هتف بها يضغط ليهزهزها بالتخت، فتزداد مرحًا امام غيظه: – دا انا بتكسف اقلع التيشرت قدام امي، تقومي تطلعيني قدام العيلة بالبل…… بوكسر، استني هنا…. تذكر فجأة ليسألها بتوجس: – لتكوني كمان نزلتي الصور الغبية اللي كنت بطلع فيها لساني، وعمايل الفلتر اللي كنتي بتعمليها على وشي معاكي؟ زمت فمها بصمت لم يدم سوى لحظات، حتى انفجرت ضاحكة، تجيبه بهز رأسها، لينطلق هو صارخًا: – كمااان دي طلعتيها، هخلص عليكي يا صبا، انا هخلص عليكي النهاردة يا صبا. قالها ليبدا معركة استرداد الكرامة، ولحظات من الشد والجذب اللذيذة، وهي لا تقصر بأفعالها الطفولية، لتخرج منه شقاوة كانت غائبة عنه، ومرح لا يتوقف، حتى ينتهي الامر بها، متنعمة بدفء حضنه، وهو يتنهد بعدم تصديق، لهذه السعادة التي اصبحت تجتاحه بقربها . ❈-❈-❈ دلفت اليه تحمل بعض الملفات ، تتعامل بعملية وجمود ، وكأنها انسان آلي، لا تخفي غضبها من كلماته القاسية بالأمس ، ليفتر فاهه هو بشبه ابتسامة ملطفًا: – كنت خايف لمتجيش النهاردة يا لورا، بعد ما شديت معاكي امبارح، بس انتي طلعتي احسن مني. مطت شفتيها المطليه باللون الأحمر الداكن، لتعقب بسخرية: – كتر خيرك يا فندم ع المجاملة الرقيقة دي، ع العموم انا عارفة ان في الف حد يسد مكاني. رفع عيناه اليها بنظرة خاطفة عن المستند الذي بعمل به، ثم قال وكأنه يُراضيها: – لا يا لورا، انت محدش يسد مكانك، مش كل يوم الواحد هيعتر على موظفة نشطة وممتازة زيك. اعتدل يوجه ابصارها مباشرة لها: – بس انتي اكيد عرفتي طبعي خلاص، وقت الغضب مبشوفش قدامي. همت تجادله بفتح الموضوع ذاته : – ايوة حضرتك بس انت مدتنيش فرصة اوضحلك ولا اشرحلك عن البنت دي اللي حاولت….. اوقفها برفع كفه امامها، ليردف حاسمًا: – خلاااص يا لورا، مفيش داعي نفتح ونرغي في موضوع اتقفل، اللي عدى وفات خلاص ننساه. توقف برهة ليستطرد بنبرة تحمل في طياتها الشد واللين: – خلينا اولاد النهاردة يا لورا، انتي مش موظفة عادية عندي، تاريخك معايا يشفعلك اغفر واتغاضى دلوقتي، بس دا بشرط عدم تكرار الخطأ طبعا. اومأت رأسها بإذعان لتنصرف من عنده خالية الوفاض، لا هي التقطت منه ما يرضيها بحق، ولا وجدت منه ما يجبرها على الإبتعاد، انه بالفعل مراوغ . ❈-❈-❈ والى بهجة التي كانت تمارس عملها بجدية رغم تخبطها وشرود عقلها الملازم لها هذه الايام، وقد اندمجت في الأجواء الجديدة في العمل المكتبي، وزملائها رويدا رويدا بدأت تعتاد عليهم ويعتادو عليها، ويرجع الفضل بالطبع لرئيسها الرجل الطيب عبد الفضيل، والذي شاكسها بلطف وقد انتبه لشرودها: – بهجة النهاردة هادية من الصبح، شكلها اطبعت بطباع الموظفين في التكشير والبوز ابو شبرين. تبسمت لمزاحه مرددة: – يا نهار ابيض، ليه بس يا عم عبد الفضيل؟ دا الموظفين احسن ناس، وحلوين وزي العسل قالت الأخيرة بإشارة نحو زميلاتها الاخريات، والتي عبست احداهما بعدم تقبل ، عكس الثانية فقد تقبلت الأمر ضاحكة، لتتشارك معهما المزاح بعد ذلك ، قبل ان يأتي الاتصال المفاجيء لبهجة، وفور ان فتحت تجيبه، جاءها رده: – انزلي على طول بهجة وتعالي، انا مستنيكي تحت فى العربية. عارضته بحرج: – انزل فين انا لسة يومي مخلصش. – وانا صاحب الشغل يا بهجة وبقولك انزلي، مش عايز انتظر كتير.. انهى المكالمة بعدما اجبرها بحزمه ، لأن تستأذن بحجة اختلقتها لرئيسها كي تغادر، ومن داخلها تمتم بالسباب نحو هذا المتسلط، واصراره على لقاءها في اوقات العمل ، ترى ماذا يحمل في جعبته اليوم. ❈-❈-❈ اوقف السيارة امام احدى البنايات الجديدة ، ليلتف إليها ويأمرها: – انزلي يا بهجة. القت بنظرة سريعة من النافذة، لتعود اليه سائلة بعدم فهم: – انزل فين؟ اللي انا شايفاه قدامي دا هو المقصود، ولا اللي وراه ولا ايه بالظبط؟ ترجل يسبق ويجيبها بجديته: – هو بذاته يا بهجة، انزلي بقى؟ بعد قليل كانت بداخل المنزل بصحبته، يرافقهم مالك المنزل، والذي دار بهما على جميع الغرف، يعرفهم على كل ركن به ، حتى توقف بهما داخل الحديقة التي كانت حلمها، ووجدتها ع الحقيقة، لا تصدق انه تم بالفعل، المنزل الصغير المختصر دون جيران تزعجهم، وحديقة ممتلئة بالانواع العديدة من الزهور، رغم ضيق مساحتها، كيف عثر على طلبها بهذه السرعة؟ وهي التي ظنت انها قد تكون فرصة لمراجعة نفسها او تراجعه هو عن التنفيذ والزواج من الأساس، انه بالفعل رجل الإنجاز – بهجة الراجل بيكلمك. جاء صوته الأجش كتنبيه ينتشلها من شرودها، فتلتف نحوه ونحو صاحب المنزل الذي كان يخاطبها؛ – انا كنت بسألك يا هانم عن البيت لو عجبك. ااومأت بتواضع: – الله يعزك يا عم، هانم ايه بس؟ حلو اوي البيت وتنظيمه، ما شاء الله يعني . – كويس اوي. كان هذا رد رياض والذي اردف نحو الرجل: – خلاص يا عم عزت، جهز العقود وانا هخلص على طول معاك . تمتم الرجل بكلمات الامتنان والشكر لعدم مجادلته في السعر الذي لم تعرفه بهجة، ليثني على كرم الاخر، قبل ان يتركهما ويذهب نحو وجهته ويأتي سؤالها هي على الفور: – هو اتفق معاك على كام؟ ابتسامة خفيفة لاحت على زاوية فمه، ليجيبها بعملية : – مش كتير يا بهجة متقلقيش، هو اصلا كان مسكون قبل كدة، بس الراجل هيهاجر مع عيلته وتقريبا مش راجع ع البلد تاني، خلينا في المهم . – مهم ايه؟ انت لحقت تجيبه ازاي اساسا وبالسرعة دي، هذه المرة توسعت الابتسامة حتى شملت عرض وجهه، ليردف بثقة: – انا قلبت الدنيا وانا بفتش وابحث، مقدرتش انام امبارح اصلا غير وانا باعت للراجل، وان كان ع الوكالة، ف انا برضو اتفقت مع صاحب مخزن فاضي قريب من هنا، ومن مهرك تمليه انتي بالبضاعة، وكدة ابقى نفذت كل اللي انتي عايزاه، اطرقت رأسها بحرج، تنتظر باقي الحديث والذي جاء يفوق المتوقع: – جهزي نفسك بكرة كتب كتابنا يا بهجة؟ رفعت اليه خضرواتيها بإجفال وعدم تصديق: – كتب كتاب ايه دا اللي بكرة؟ واجهز نفسي لإيه بالظبط؟ حضرتك اكيد بتهزر، انا لسة ممهدتش لاخواتي ع البيت ولا لسة انتقلنا ولا حطينا رجلينا فيه من اساسه…… – كل دا ممكن يتم من النهاردة ومن بكرة يتم الانتقال لهنا، وبرضو كتب الكتاب هيتم بكرة يا بهجة، ومتخافيش انا برضو هديكي فرصتك ، بس يوم او يومين مش أكتر . قال الاَخيرة بمغزى فهمت عليه، لتسبل اهدابها عنه بخجل شديد راقه هو، اما هي فكانت تتمتم بالسباب لجرأته في الحديث المباشر معها دون حياء او مراعاة.