رواية موعد مع المجهول

للكاتبة إيمان عادل الصياد

الفصل التاسع.
دهشة اعتلت وجهه عندما اخبرته الممرضة بتلك المعلومة؛ فطلب من الممرضة ان تأتي له بنسخة من الاوراق الطبية الخاصة بحالة أمل. نجح عاصم في الحصول على تلك الاوراق، و المعلومات الهامة التي قد تساعدهم في حل تلك القضية، و لكن بعدما دفع بعض المال للحصول عليها، و خرج من المشفى سريعًا متوجهًا على الفور لشركة والده لإبلاغه بتلك المعلومات.
…………………
– كانت “سمية” تجلس على إحدى المقاعد الموجودة بجانب سرير أختها أمل تتأملها بحزن. بعدما أخبرها الطبيب بحدوث تطور في حالة أختها الصحية، و ضرورة التدخل الجراحي في أسرع وقت.
-أرادت أن تشكر الشاب الذي نقل أختها للمشفى، و لكن احدى صديقات امل أخبرتها أنه رحل قبل قليل، و بعدها غادرت الفتاتان المشفى بعدما اطمئنا على حالة أمل.
– تذكرت سمية ما حدث منذ قليل عندما اصطدمت بهذا الشاب، و الذي رأته من قبل في النيابة أثناء التحقيقات مع أحلام، و تنهدت بأريحية عندما تذكرت كيف نجحت في الفرار منه، وعدم كشف حقيقة أمرها.
-طرأت خطة شيطانية برأس تلك الأفعى التي ترتدي قناع الملاك الزائف، و التي تختبئ خلفه متربصة لتحقيق أهدافها، عقدت النية على تنفيذها بعد خروج امل من المشفى، حتى تنهي تلك القضية، و للأبد.
-هكذا صور لها غرورها، و شيطانها، ولكنها نسيت كلام رب العزة
(” و يمكرون، و يمكر الله، و الله خير الماكرين”)
*********
. في مطار القاهرة الدولي .
-وصل والدي نادين إلي الأراضي المصرية، و كانت اشد رحلاتهم صعوبة، بعدما علموا بما حدث لابنتهم، و انهائهم للإجراءات الروتينية المعقدة، حتى يتمكنا من العودة الى مصر في اسرع وقت.
– فعلي قدر ما يعطيه السفر خارج البلاد، فإنه يأخذ بالمقابل اضعاف مضاعفة عما يعطى.
((ولما نويت للغربة ياما، و شديت الرحال قولتي لي دي الغربة كربة يا وليدي تهد الچبال. قولت لك ياما دي مش بس غربة دي بتغير الاحوال.
-هنوكِ الناس، و قالوا لك افرحي يا صفية ده ابنك شد الرحال. بكرة يچيكي مَحَمَلْ المال.
-قولتي لهم ياما وايش يفيد المال بعد الرحال. لا يعوض عمر، و لا يريح البال ده الغربة كربة يا وليدي، و تهد الچبال.
-الغربة دي لص يسرق الايام. بتكبر الصبية، و تشيب الغلام
-كيف ما تكون كربة و انت بعيد عن الاهل، والاحباب؟.
-قولت لك ياما خلاص دي الغربة كتاب و علينا مكتوب، و الدمع كان هو حبر القلم.
-رديتي، و دمعك على الخد سال جولتي لي لو حان الاجل، و إتفرقوا الاحباب افتكرني، و اقرأ لي في القرآن يمتد الوصل مهما إتفرقوا الاحباب
* دي الغربة كربة تهد الجبال *
-اه لو تعرفوا يا أحباب كيف الغربة سراقة، و همها يهد الجبال
يا ريتها جمع مال، و خلاص
-ملعونة الغربة في كل كتاب فرقت الاب عن وليده، و شتت الاحباب
ما الغربة كربة و تهد الجبال))
– كانت الأم “سميرة” تموت بكل لحظة ألف مرة حزنًا على فلذة كبدها، التي قُتلت غدراً، كان قلبها ممزق لأشلاءٍ حزنا علي نادين، لعنت الغربة كثيرا، و لعنت تلك الظروف التي باعدت بينها، و بين صغيرتها.
-هبطت سميرة من الطائرة، و كأن الأرض تميد تحت قدميها، و كادت أن تسقط إلا أن يد زوجها “خالد” كانت منقذةً لها بالوقت المناسب.
-لم يختلف شعور خالد عن شعور سميرة، و لكن لابد له ان يكن متماسك لمواجهة تلك الأزمة، التي عصفت بسعادتهم، و بدلتها للأحزان.
( فالأب على الرغم من قسوة الحياة، و مهما كان ممزق من الداخل، او حطمته الأحزان فلابد أن يحتمل تلك الأحزان ليتمكن من مواجهة تلك الأزمات، فالأب هو السند، و الدعم الحقيقي لأسرته).
-كان سيف ينتظر قدومهم خارج المطار أمام سيارته؛ فلقد كان سيف على تواصل دائم بوالدي نادين منذ اللحظة الأولى التي تحدث فيها مع والدها عبر الهاتف وصار بينهم رابط قوي، داوم بعدها سيف على الاتصال بخالد، و سميرة ليطمئن عليهم و ليطمئنهم على نادين.
-على الرغم من وقوع تلك الكارثة، لم ينقطع تواصل سيف بأسرة نادين، فلقد استمر هذا التواصل بينهم.
– خرجت سميرة من صالة الوصول مرتديةً ملابس سوداء، و حجاب أسود، و نظارة شمسية سوداء لتخفي عينيها المنتفختين من كثرة البكاء متأبطة ذراع زوجها تخشى السقوط فقدميها لا تقوى على التماسك.
-تقدم سيف نحوهما، فلقد كان يعرف ملامحهما عندما تحدث معهم من قبل عبر إحدى برامج مكالمات الفيديو الموجودة على شبكة الإنترنت.
( كان سيف ينتظر لحظة لقائهم ورسم لها صورا كثيرة في مخيلته تشاركه بها حبيبته نادين، ولكن كان للقدر كلمة أخرى، أطاحت بكل تلك الأحلام، و حولتها إلى سراب، و ها هو يستقبله بمفرده دونها).
– سلم خالد، و سميرة على سيف و استقلا سيارته.
-غادروا المطار متوجهين لمنزل أسرة سيف فلقد طلبت منه والدته أن يحضرهما إلى المنزل حتى تستطيع سميرة أن تتخطى تلك الكارثة، و يمن الله عليها بالصبر، و يثلج قلبها في هذا الموقف الصعب.
-فهي لن تحتمل الإقامة بالمنزل في هذا الوقت العصيب.
-لاحظ خالد أن الطريق مختلف تماما فتحدث متسائلا: سيف انت رايح فين ده مش طريق البيت؟
– أومأ سيف برأسه مؤكدا حديث الأخير قائلا: فعلا يا عمي أنا هوصلكم البيت عندي، لأن طنط سميرة الفترة دي محتاجة نكون كلنا معاها.
-نظر لانعكاس سميرة بالمرآة، و جدها شاردة بذكرياتها مع ابنتها منذ رزقهم الله بها بعد زواج دام لأكثر من خمس سنوات.
– كانت دموعها تسيل على خديها بصمت قاتل، صمت يذيب قلبها بمرارةٍ بين ضلوعها آلاف المرات، كل دمعة كانت تسيل على وجنتيها كان بالمقابل ينغرس بقلبها ألف سكينٍ، و سكين.
– نظر خالد اليها مشفقًا على حالتها، و التي لا تقل عن حالته. اغرورقت عيناه بالدموع، و نظر للجانب الآخر ليخفي آثار دمعة فرت من محبسها بمقلتيه حتى لا يشعر به أحد.
-ربت سيف على يد خالد الجالس بجانبه في السيارة مطمئنًا إياه قائلا: صدقني يا عمي أنا مش هرتاح غير لما المجرمة اللي عملت كده تنعدم. أنا مش هسيبها تهرب باللي عملته، و لو المحكمة برأت أحلام من جريمتها أنا اللي هقتلها بإيدي.
– انتبهت سميرة من شرودها، و تحدثت بهدوء قائلةً: سيف يا ابني من فضلك انا عوزه أشوف نادين.
– نظر سيف بتردد ل خالد نظرات فهمها الأخير فتحدث قائلا: سميرة يا حبيبتي الموقف صعب بلاش تصعبيه عليا، و عليكي أكثر من كده.
– ردت سميرة بهدوء، و ثبات زائفين قائلة: أرجوك يا خالد أرجوك عشان خاطري متحاولش تمنعني. ثم أكملت، و لكن تلك المرة انهارت حصون ثباتها الزائف، و بكت بشدة قائلة: يا خالد أرجوك تحس بيا أنا أم قلبها محروق على بنتها، أرجوك تفهمني، و تقدر موقفي.
– كان سيف يستمع لحديثها، و مع كل حرف نطقت به سميرة كان يزيد هذا من آلامه، و لكنه يدرك جيدا مشاعرها، و يحترم حزنها. لكن توجب عليه التدخل لينقذ الموقف قائلا: أنا مقدر حزنك يا طنط لكن صدقيني الموقف مش سهل، و لا هتقدري تستحمليه.
– ردت سميرة، و لكن تلك المرة تحول حزنها لنوبة غضب عارمة، انصبت على رأس خالد، و سيف معًا قائلة: كلمة واحدة يا سيف انت، و خالد هتخلوني أشوف بنتي، و لا لا؟!.
-تبادل خالد، و سيف النظر لبعضهم البعض نظرات تردد، و كانت سميرة تراقب نظراتهم فتحدثت بغضب قائلة: أوك أنا هروح لوحدي، و محدش منكم يحاول يمنعني، و لا ييجي معايا، وقف العربية يا سيف، قولت لك وقف العربية، و إلا هفتح الباب، و أرمي نفسي.
-حاول سيف، و خالد جعلها تتراجع عن قرارها، و لكنها أبت الإنصات لكليهما حتى وافقا رغمًا عنهم أن ينفذ
ينفذوا رغبتها.
-و بالفعل غير سيف وجهتهم لإحدى المستشفيات الموجود بداخل مشرحتها جثة نادين تنتظر التصريح بالدفن، و توجه إليها بعدما أجرى اتصالا هاتفيًا مع ضابط الشرطة شريف الأسيوطي يخبره بوصول والدي نادين، و رغبتهم بالذهاب إلى المشرحة لرؤية ابنتهم، و سرعة إنهاء كافة الإجراءات لدفنها.
………………..
-في المستشفى.
وقف الجميع امام باب المشرحة. تعصف بقلوبهم جميعا مشاعر متضاربة
؛ فقلب سميرة يحترق لرؤية ابنتها، و لكنها مترددة أيضًا لصعوبة الأمر عليها.
– لم يختلف شعور خالد عن زوجته فهو أيضا يدرك تماما صعوبة الأمر عليهم، و فؤاده يحترق بلهيب حزنه على فقدانها.
-لكن سيف كان سيراها لأول مرة بعد وفاتها جثة هامدة أمامه، بعدما اعتاد رؤيتها كفراشة مبهجة تشع بهجة، و حيوية سيراها الان ممددة امامه جثة هامدة تنتظر ان يواريها التراب.
– شعر الضابط شريف الأسيوطي بما يدور بخلدهم، و لكن بالنهاية يجب عليه إنهاء قضيته؛ فأدار مقبض الباب أمام أعينهم جميعا، و دعاهم بجدية للدخول لإنهاء ما جاءوا من أجله.
– تشبثت سميرة بقوة في يد زوجها، و أمسك سيف بيدها الأخرى و دخل الجميع بخطوات مترددة. ترتعش أقدام سميرة، وهي تتقدم معهم تجاه ثلاجة حفظ الموتى ؛ حيث يقف احد المسئولين بالمشفى بالقرب من تلك الثلاجة، و بعدما اقتربوا منه فتح إحدى الأبواب التي يكون خلفها الميت ممدد داخل درج كبير كالسرير المحاط بحوافٍ من جميع الاتجاهات، حتى لا تسقط الجثة بداخلها فتتأذى. سحب الجثة أمامهم، وكشف وجهها لهم. فاقتربت سميرة بصدمة من جثة ابنتها تتحسس وجهها الملائكي بكفيها كما كانت تفعل معها، و هي طفلة صغيرة نائمة. شعرت حينها بأن الزمن سرق منها أجمل أيامها، و لحظاتها مع ابنتها منذ كانت صغيرة، عندما باعد السفر بينهم.
-تحدثت إليها، و كأنها نائمة أمامها قائلة: نادين…. حبيبتي… انا جيت يا قلبي. نادين. اصحي يا قلب ماما، و بدأ صوتها يرتجف من البكاء قائلة: مش قولتي لي إني وحشتك أوي؟ أنا جيت لك أهو يا قلب ماما سامحيني يا حبيبتي إتأخرت عليكِ كتير أنا عارفة.
-مسحت دموعها بعنف مكملة حديثها بعد ذلك، و هي تهزها من كتفيها قائلة: قومي يا حبيبتى. قومي يا نادوا ما تسيبينيش لوحدي يا نادين لا، و بدأ صوتها يعلو بالصراخ، و هي تهزها( في محاولة يائسة منها لإفاقة نادين) قومي يا نادين انا مش هقدر استحمل بعدك عني.
– حاول خالد، وسيف السيطرة على الموقف؛ فحرروا منها جثة نادين، و هم يبكون من كلام سميرة لها، و كذلك لم يستطيع الضابط شريف، و الموظف المسئول ان يتمالك كل منهم نفسه؛ فكان جميع الموجودين يبكون تلك الفتاة مشفقين على حالة والدتها.
-نجحوا في إبعاد سميرة عن جثة نادين، والتي ارتمت بأحضان سيف، و أجهشت ببكاء شديد، وهي تعانقه بشدة كأنها تعانق ابنتها فلقد شعرت بروح ابنتها في أحضان سيف.
– اقترب خالد من جثة ابنته بعيون باكية مقبلها من جبينها، مودعًا إياها، و اقترب من زوجته بعد ذلك يضمها داخل أحضانه؛ في محاولة لتهدئتها من نوبة البكاء تلك. بعدما أخرجها سيف من أحضانه، و هو يقبل رأسها بدموعه التي سالت على وجنتيه حزنًا على حبيبته، التي تمناها دومًا شريكة لحياته.
-كان سيف يتأمل وجه نادين بسيلٍ من الدموع التي كانت كجمرات بركانية تحرق قلبه قبل وجنتيه. كان يتأملها كمن يحفر كل تفاصيل وجهها بقلبه؛ فتلك هي النظرة الأخيرة التي سينظرها لها، لم يكن يدرك أن القدر سيكتب سطور نهاية عشقهم مبكرًا قبل أن تبدأ.
-اقترب سيف بعيون باكية من خالد، و طلب منه ان يقترب من نادين ليقبل جبينها للمرة الاولى، و الاخيرة؛ فلقد قال القدر كلمته في قصتهم، و انهاها قبل ان تبدأ، فليس من الانصاف ان يحرمه القدر ايضًا وداعها كما حرمه منها.
– وافق خالد على طلب سيف. فاقترب سيف منها يقبل جبينها للمرة الأولى، و الأخيرة مودعًا إياها، و هو يهمس لها ببعض الكلمات قائلا لها: مع السلامة يا نادين. مع السلامة يا حبيبة عمري كله، و يا حزن أيامي، و سنيني. اوعدك هصلي ، و ادعي لك طول الوقت. هطلب من ربنا يصبر قلبي على فراقك. ربنا يصبرني على فراقك. أنا بموت كل يوم مليون مرة و انتِ مش معايا. بموت في كل دقيقة، و لحظة لأنك مش موجودة.
-اعتدل سيف في وقفته بعد ذلك، و جفف دموعه، و خرج الجميع بعد ذلك من تلك الغرفة بعدما طلب منهم الضابط شريف ذلك قائلا: اتفضلوا حضراتكم كفاية كده، والتفت لخالد قائلا: مدام سميرة محتاجة ترتاح بعد رحلتكم، اتفضلوا يا أستاذ خالد، و بكرة بإذن الله هنحتاج حضراتكم في النيابة، عشان نخلص الإجراءات.
– ردت سميرة، وهي لازالت تبكي قائلة: انا مش هرتاح غير لما أشوف المجرمة اللي عملت كده واخدة جزائها.
-تحدث خالد لينقذ الموقف قائلا: شكرا يا حضرة الضابط،، و بكرة إن شاء الله هتلاقيني في النيابة بإذن الله، و أتمنى تعذر المدام أكيد حضرتك مقدر الحالة النفسية اللي هيَّ فيها.
-أومأ شريف برأسه متفهم الموقف قائلا: أكيد طبعا يا استاذ خالد. البقاء لله، و ربنا يصبركم، و التفت لسميرة قائلا: طمني قلبك يا أمي، المجرم اللي عمل كده هيتعاقب، و حق نادين هيرجع لها بإذن الله، بعد إذنكم.
-و انصرف شريف من المشفى متوجهًا إلى النيابة ليلتقي بوكيل النيابة المتولي التحقيق بتلك القضية ليتابع بنفسه ما أسفرت عنه التحقيقات.
-اصطحب سيف خالد، و سميرة إلى المنزل حتى ينالا قسطًا من الراحة قبل الذهاب للنيابة في صباح اليوم الثاني
******
( مساءًا في السجن الموجودة به أحلام ).
-كانت أحلام تجلس صامتة بعد زيارة عزت، وعاصم لها اليوم تفكر فيما ستواجهه الأيام القادمة.
– قطع صمتها إحدى نزيلات السجن المؤقت عندما سألتها عن السبب الذي احضرها إلى السجن.
– ترددت أحلام في بادئ الأمر من التحدث معها، و ظلت صامتة كما كانت.
– أعادة تلك السجينة السؤال مرة أخرى بتودد قائلة: هوني على نفسك يا حبيبتي ليالي السجن طويلة خلينا نقصرها بالكلام.
– نظرت لها أحلام قائلة بهدوء: ياريت الكلام كان يقدر يقصر طول الليالي.
– ابتسمت لها تلك السيدة التي كانت تبلغ من العمر اربعين عاما قائلة لها: خلي إيمانك بربنا كبير.
– تنهدت أحلام، ورددت بقلب مؤمن: ونعم بالله.
– تكلمت معها السيدة قائلة لها : انا سمعت إنك متهمة بجريمة قتل واحدة صاحبتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *